أمين عبدو يحتفي بالزمن ويخرجه من طوفانه

غريب ملا زلال

منذ أكثر من خمسين عاماً و الفنان التشكيلي محمد أمين عبدو يتنفس اللون، فمنذ عام 1975 و هو يعارك اللوحة بفاعلية مؤكدة يبقيه على الجذر الإنساني، و هذا ما يجعله يؤكد و بثقة العارف بعمران المكان بأن عمليات الإزاحة التي يقوم بها للوصول إلى نتيجة لماحة تحدد له وجهته لاستعاب الممكن مع الكشف عن ثمرات تراثية ستكون كنوزاً لنا في مرحلة ما.

فرغم أن فناننا محمد أمين انقطع فترة طويلة نسبياً، إلا أنها قد تكون أشبه باستراحة المحارب، ليقلع من جديد و بطاقة أعلى و أقوى. و هو من الجيل الذي أرسى دعائم الفن التشكيلي في الجزيرة السورية، إلى جانب كل من عمر حمدي، و عمر حسيب، و بشار العيسى، و يوسف عبدلكي و…

و مع هذا مازال الفنان محمد أمين عبدو يجري عبر منظومة فنية خاصة قائمة على الموروث الشعبي للكشف عن تلك الملامح المتواشجة بالاستناد على التجريب باعتباره مركز الثقل، و هذا ما دفعه لإثارة تأملات ترتبط بخارطة تلك التحولات ضمن دينامية الخلق ذاتها بفرادة على المستوى التي تمثل له. و له كشوفات جمالية ذات خصائص نوعية، كاكتشافه لمستوى التعبير الذي به يتجاوز نطاق المألوف ضمن شبكة من تفاعلات حقيقية و في مقدمتها ذلك التناغم بين الأعمال التي ينتجها و التي فيها يمارس نسج العمل الفني من خلال نسجه للتقاليد و للتراث و للفولكلور الكردي.

و لهذا يتعين علينا عدم الاكتفاء بطرق جانب أحادي في أعماله، فهو يبتكر عوالم متخيلة جديدة إلى جانب رصده لتراثه الجميل، و كذلك رصده لتلك الوجوه المحيطة به و الغارقة في شقاء الزمن المتداخل بدوائر كثيرة مع تمثيليات الواقع بأبعاده التاريخية حيناً، و الاجتماعية في أكثر الأحيان.

و ليس غريباً أن نلاحظ أن محمد أمين عبدو قد شرع بعد ذلك الانقطاع في تحريك استراتيجيته الإبداعية في اتجاهات عديدة. ففي العودة إلى بداياته سنرى أن الواقعية كانت طاغية في جل أعماله مثله مثل كل مجايليه: عمر حمدي، و عمر حسيب، و خليل عبدالقادر و… لكن في عودته الأخيرة أضاف تعبيرية غير هجينة للحاضر المتلاشي، على عكس الآخرين الذين ينظرون إلى الوراء أكثر من النظرة إلى الأمام.

و بالمماحكة بينه و بين مجايليه سنراه أنه يوظف الفرح و المتعة و الصمت في هذا الزمن الصاخب و الذي بات كل ما يرن فيه هامشاً. و لهذا محمد أمين يحتفي بالزمن حين يخرجه من طوفانه المشتغل عليه منذ عقود، و بذلك يخطو خطوة قد تكون جوهرية بالنسبة له، و ذلك بمد جسور وطيدة لمناطق الارتباد غير المعتادة دون خلق أية إشكالية معلنة كانت أم مضمرة.

و لهذا حين يبلغ مرحلة الإنجاز تبقى هناك باقة من التساؤلات تطرح نفسها بانتظار المتلقي أن يجيب عنها عبر قراءات مختلفة و مغايرة تختلف و تتغير من متلق إلى آخر مع التركيز و التشديد على الحاجة الدائمة للقيمة الرمزية الجمالية للعمل المنتج. و بذلك يعزز محمد أمين مناخه الذي يتنفس به و يعيش فيه، المناخ الذي خلقه لنفسه، فضلاً عن بحثه المتواصل عن الكينونة المتغيبة، و إن كانت متراكمة عبر زمن لا يسير إلى النماء بل إلى العتمة، إلى زمن يدركه بريشته و التي بها يدخله بوصفها خصوصية ثقافية جمالية، لا بوصفها حالة تاريخية تغلب عليها الصوت الواحد.

كما أنه يدرك تماماً بأن لو شيئاً ما يمكن أن يدوم لما تعاقبت الفصول، و لهذا نرى أن محمد أمين يجاور تجارب مجايليه بالانطلاق إلى الريف فيحمل تعب الوجوه و قساوة الحياة و الغبار الذي يغسل كل شيء و يفرشها على بياضه عبر تشكيلات حزينة هي بمنزلة الأنموذج عن واقعية عمله، هذه الواقعية المفرطة بتفاصيلها و التي اشتغل عليها كل من حمل الريشة من أبناء هذا المكان.

و مازالت لهذه الواقعية تأثيرها الصارخ على أعمال محمد أمين، و إن كان يكثفها في بعض الأحيان بتعبيرية جميلة إلا أن تمثلها في الشمول الكلي في الرؤيا يجعله ينكمش بالحدس على طي الزمن، خاصة حين يجعل من تنقلاته ما بين الريف و ما بين المدينة، ما بين الماضي و الحاضر، ما بين التراث و المعاصرة، بإيقاع صارم و بانضباط ملفت في أكثر الأحيان.

و من المفيد أن نذكر أن محمد أمين بقي مخلصاً لهمه الكردي الجزراوي و بالتالي لهمه السوري من معطيين: الأول أنه مازال يعيش و يتنفس ذلك الهم بكل أوجاعه و تفاصيله، و لهذا لم تؤثر فيه كل المقولات الفنية القادمة من خلف الأسوار. و الثاني من قدرته الفائقة على التفاعل مع عمله إلى درجة الغوص فيه و عدم القدرة على الخروج منه، فهو يتحول إلى أحد مكونات العمل و بالتالي جزء مهم من حكاية اللوحة، و لهذا ينبغي التوكيد على عدم النظر إلى العمل و قراءته بمعزل عنه، أقصد عن الفنان ذاته.

إن الواقع الحكائي و التراثي و الشعبي مدون في جل أعماله حتى تكاد تتحول إلى مرجعية لذلك الواقع، و إن بمحورية مخالفة و ليكن افتراضية لكنها ليست خارج النص، أقصد خارج العمل.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…