موسى عنتر… ضمير الكلمة الكوردية وشهيد الحقيقة

ماهين شيخاني

ولد الكاتب والصحفي والمناضل الكوردي موسى عنتر، المعروف بلقب “آبي موسى” (Apê Musa)، عام 1918 في قرية “ستليلي” الواقعة قرب الحدود السورية، والتابعة لمدينة نصيبين في شمال كوردستان. ترعرع يتيماً بعد أن فقد والده في صغره، فحمل في قلبه وجع الفقد مبكراً، تماماً كما حمل لاحقاً وجع أمّته.

بدأ دراسته في مدارس ماردين، ثم انتقل إلى أضنة لإكمال تعليمه الثانوي، ومنها إلى إسطنبول حيث التحق بكلية الحقوق. في قلب العاصمة التركية، وبين جنبات الجامعة، بدأ وعيه القومي بالتشكل، نتيجة المقارنة بين حال شعبه الكوردي المضطهد، وبين المجتمعات الأخرى، فوجد نفسه ينحاز للحرية والعدالة.

كان محبوباً بين زملائه، كريم النفس، لا يبخل بعلمه أو وقته، ونتيجة تفاعله مع التيارات الفكرية التحررية، شارك في تأسيس جمعية هيفي الثقافية، وأصدر مع رفاقه جريدة باسم “هيفي”. لم يرق ذلك للسلطات، فسارعت إلى اعتقاله مع زملائه وزجّهم في سجون الفاشية. لكن روح آبي موسى لم تُقيد خلف القضبان، بل خرج منها أكثر إصراراً على الكلمة.

الكاتب والمفكر… والقاموس

بعد خروجه، بدأ في مسيرته الأدبية، فأصدر كتابه الأول “الجرح الأسود” عام 1959، وكان بمثابة صفعة فكرية لنظام القهر. كما قام بنشر قاموس كوردي عام 1967، ضمّ أكثر من ستة آلاف كلمة، في محاولة جريئة للحفاظ على اللغة الكوردية وتوثيقها.

انتمى موسى عنتر لاحقاً إلى حزب اليسار التركي في ستينات القرن الماضي، فتعرض مجدداً للاعتقال، ثم أطلق سراحه عام 1976، ليعود إلى قريته ويعتزل مؤقتاً. لكن العزلة لم تدم طويلاً؛ فصعود حركة التحرر الكوردستانية أعاد فيه نداء الوعي، فعاد إلى الصحافة والنضال السياسي.

صوتٌ لا يصمت

انتقل إلى إسطنبول مجدداً، وبدأ بكتابة مقالاته السياسية الساخرة والناقدة، التي كانت تُنشر في صحف مثل “أوزغور غوندَم” و “وَلات أولكه”. كانت مقالاته أشبه بالبيانات السياسية المفعمة بالصدق والسخرية المرّة، يُشيد بها القراء، وينتظرونها بشغف.

في العشرين من أيلول عام 1992، قررت الدولة العميقة إسكات هذا الصوت النقي، فأوكلت لعناصرها مهمة اغتياله في أحد شوارع مدينة آمد (دياربكر)، ليلتحق موسى عنتر بقافلة شهداء الحرية في كوردستان.

المرأة في فكر موسى عنتر

كان من القلائل الذين أنصفوا المرأة الكوردية في كتاباتهم. ففي مقالته الشهيرة “مكانة المرأة في التاريخ الكوردي”، أشار إلى أن النساء الكورديات كنّ يتمتعن بمكانة مساوية للرجال بشكل فطري، قائلاً:

“المرأة الكوردية كانت مساوية للرجل، ولم يكن تعدد الزوجات شائعاً بينهم. حتى في الحروب، كانت النساء يقدّمن السلاح والمؤن، ويشاركن الرجال مسؤولية القتال دون اعتراض أحد.”

كما نوّه إلى وجود زعيمات قبائل، أبرزهن بريخان خانم التي قادت قبيلة رمّان.

محطات وشهادات

من المواقف اللافتة في حياة موسى عنتر، لقاءه بالزعيم الكوردي عبدالرحمن قاسملو في إسطنبول، حيث ساعده على السفر إلى أوروبا لإكمال دراسته – موقف يختصر روح التعاون والتضامن بين رموز الحركة الكوردية.

وقد وصفه المقربون بأنه كان يتمتع بأسلوب منظم في حياته، ينعكس في كتاباته التي كانت دقيقة ومنسجمة مع تطورات الواقع الكوردي.

إرث خالد وجائزة باسمه

من أهم أعماله الأدبية:

  • الجرح الأسود (1959)
  • القاموس الكوردي (1967)
  • مذكراتي – جزآن (1991 و1992)
  • جنارا مِن (شجرة الدلب)

كما كُرّم اسمه بإطلاق “جائزة موسى عنتر للصحافة” عام 1993، وهي مسابقة سنوية تُمنح للصحفيين والكتّاب الذين يلتزمون بخط الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير، تكريماً لروحه النبيلة.

خاتمة:

موسى عنتر لم يكن مجرد كاتب، بل كان ضميراً كردياً حياً، لا يخاف في الحق لومة لائم. ظنّ مضطهدوه أن الموت سيسكته، لكنه تحوّل إلى صوت خالد يهمس في كل مقال، وفي كل كلمة حرّة.

كان يشبه شجرة الدلب الكوردية التي كتب عنها؛ راسخة، شامخة، مورقة بالمعنى… حتى بعد الموت.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ ( وُلدت 1945 ) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية،أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة.لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع ، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة ” ،…

أ. د. قاسم المندلاوي

اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء…

صدرت حديثا عن دار الزمان للطباعة والنشر المجموعة المسرحية الجديدة للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل إسماعيل، والتي تحمل عنوان “صرخة الطاووس”، في 139 صفحة، وتضم خمسة نصوص مونودرامية تعكس تجارب إنسانية وفكرية عميقة.

وتتضمن المجموعة النصوص التالية:

“الكابوس”: يتناول حلم كاتب متمرد يتحول إلى كابوس، تختلط فيه الحدود بين الواقع والخيال.
“خَجي”: نص مستوحى…