التشاؤم الوجودي بين المعري وشوبنهاور

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

     يَقُومُ التشاؤمُ الوُجودي على رُؤيةٍ فلسفية تَتَّسم بالشُّكوكِ العميقة حَوْلَ مَعنى الحياةِ ، ووجودِ الإنسانِ في هذا العَالَم .

     يُعَدُّ أبو العَلاء المَعَرِّي ( 363 ه _ 449 ه / 973 م _ 1057 م ) واحدًا مِنْ أعظمِ شُعراءِ وفَلاسفةِ العَصْرِ العَبَّاسي ، وله بَصْمة فِكرية واضحة في الأدبِ العربيِّ والفلسفةِ .

     كانَ المَعَرِّي شخصيةً مُتفرِّدة في تفكيره ، فَقَدْ عُرِفَ عَنْد تَمَرُّدُه على الواقعِ ، وَرَفْضُه للأنظمةِ الاجتماعية التقليدية التي كانتْ تَحْكُم مُجْتَمَعَه . وفلسفته التشاؤميةُ تأثَّرَتْ بشكلٍ كبير بحياته المَليئةِ بالمُعاناةِ ، على الصَّعِيدَيْن الشخصي والثقافي .

     فَقَدَ المَعَرِّي بَصَرَه في سِن مُبكِّرة ، فكانتْ مُعاناته الجسدية والروحية سببًا رئيسيًّا لتشكيلِ نَظْرته العميقةِ والمُتشائمة تجاه الحياة . في شِعْره وأدبه ، نَجِدُ أنَّه يَتأمَّل في مَصيرِ الإنسانِ ، ويُعبِّر عَنْ يأسِه مِنَ الحياة ، ويُشيد بالمَوْتِ ، ويَعْتبره نِهايةً مأمونة مِنَ الألمِ والضَّياع . وَالحياةُ _ بالنِّسْبةِ إلَيْه _ سِلْسلة مِنَ المُعاناةِ التي لا تَنْتهي ، والإنسانُ يعيشُ في صِراعٍ مُستمر معَ نَفْسِه ، ومعَ الواقعِ الذي لا يَرْحَم . وَهُوَ يَرى الحياةَ طريقًا مَسْدودًا ، لا شَيْء فيه سِوى الهُمومِ والآلامِ التي لا مَفَرَّ مِنْها . والمَعَرِّي يُعَدُّ بذلك رمزًا للتشاؤمِ الوُجوديِّ في الأدبِ العربيِّ ، حَيْثُ يُقَاوِمُ بِشِدَّةٍ مفاهيمَ السعادةِ والخُلودِ في الحياة .

     الفَيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور ( 1788 م _ 1860 ) يُعْتَبَر أحدَ أبرزِ مُمَثِّلي التشاؤم الفلسفيِّ . وَهُوَ يَعتقد أنَّ الحياة في جَوْهرها تَتَّسم بالألمِ والمُعاناة ، وأنَّ الوجودَ البشري مَحكومٌ بالألمِ المُستمر. وَقَدْ وَضَّحَ في كِتاباته كَيْفَ أنَّ الإنسان يَتمنَّى بشكلٍ دائم أنْ يَتحقق مُرادُه ، لكنَّه في النِّهاية يُصاب بالخَيبة ، فالرغباتُ لا تَتوقَّف ، وأيُّ إشباعٍ للرَّغْبة يَعْقُبُه شُعورٌ آخَر بالنقص .

     يَعْتبر شوبنهاور الحياةَ ساحة صِراعٍ دائم بَيْنَ الإرادةِ والواقعِ . فالإرادةُ البشرية لا تَشْبَعُ أبدًا ، وكُلُّ رَغْبةٍ يَتِمُّ تحقيقُها تَقُود إلى ألمٍ جديد ، وهذا الألمُ لا يَنتهي إلا بالمَوْت . إذًا ، المَوْتُ هُوَ النِّهاية الوحيدة التي تضعُ حَدًّا لهذه المُعاناة المُستمرة . هذا التشاؤمُ الوجوديُّ الذي يَراه شوبنهاور في حياته لا يَتعلَّق فَقَط بالمُعاناةِ الفَرْدية ، بَلْ يَمتدُّ لِيَشملَ الكَوْنَ بِرُمَّتِه ، الذي يَراه مليئًا بالعبثية .

     تأثَّرَ شوبنهاور بالفَلسفةِ الهندوسيةِ والبُوذية ، حَيْثُ يَعتقد أنَّ الحَلَّ الوحيد لتجاوزِ هذه المُعاناة هُوَ الانسحاب مِنَ الحياة مِنْ خِلال مُمارسةِ الزُّهْدِ والتَّأمُّلِ العميق ، ولكنْ ، حتى في هذا الحَلِّ ، يَبْقى السُّؤالُ قائمًا : هَلْ يُمكِن للإنسانِ أنْ يَتخلَّص فِعْلًا مِنْ هذه الإرادةِ التي تَسْحبه نَحْوَ الألمِ ، أَمْ أنَّ الإنسانَ مَحكومٌ بالمأساةِ الوُجوديةِ إلى الأبد ؟ .

     رَغْمَ الفُروقِ الجُغْرافيةِ والفِكرية بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور، فإنَّ هُناك نِقاطًا مُشتركة بَينهما في تَصَوُّرهما للعَالَم. كِلاهُما يُشكِّك في قِيمةِ الحياةِ ، ويَعْتبرها مَليئةً بالمُعاناة . المَعَرِّي يَرى الحياةَ مَليئةً بالتفاهةِ والألم ، ويُشدِّد على فِكرةِ المَوْتِ كَحَلٍّ وحيد للانتهاء مِنَ الألم . أمَّا شوبنهاور ، فَيَرى أنَّ العَالَمَ مَلِيءٌ بالعَجْزِ والفشل ، ويَعكِس ذلك في فلسفته عن الإرادةِ والشَّهوةِ التي لا تَنتهي.

     كذلك ، نَجِدُ في فِكْرِ المَعَرِّي وفَلسفةِ شوبنهاور رفضًا واضحًا للمثاليةِ التي تُقَدِّمُها الأديانُ أو الأنظمةُ الاجتماعية . المَعَرِّي يَرفضُ المُعْتَقَدَاتِ الدينية السائدة في عَصْرِه ، ويُظْهِر في أعماله شُعورًا بالعَدَمِيَّة تجاه هذه المُعْتَقَدَات . وشوبنهاور ينتقد الأديانَ ، حَيْثُ اعتبرَ أنَّ الوَعْدَ بالخَلاصِ الدِّينيِّ هُوَ وَهْمٌ ومَلاذٌ للتَّهَرُّبِ مِنْ مُواجهةِ حقيقةِ المُعاناة .

     وعلى الرَّغْمِ مِنْ هذه التشابهات ، هُناك فَرْقَ جَوْهري بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور في تفسيرِهما للألَمِ والوُجودِ . المَعَرِّي يَرى في المَوْتِ نِهايةً مُريحة للمُعاناة ، لذلك يَعْتبره جُزْءًا مِنْ دَورةِ الحياةِ الطبيعية ، بَينما شوبنهاور يَرى في الألَمِ جُزْءًا مِنْ طبيعةِ الحياةِ التي لا يُمكِن الهُروب مِنها بشكلٍ كامل إلا عَنْ طريقِ رفض الرَّغَبَاتِ ، والعَيْشِ في حالةٍ مِنَ الزُّهْدِ ، أو الانسحابِ التام مِنَ الواقع .

     يَلْتقي المَعَرِّي وشوبنهاور عِنْدَ مُفْتَرَقِ التشاؤمِ الوُجوديِّ ، بِوَصْفِهِ مَوقفًا مَعْرفيًّا مِنَ العَالَمِ . فالحياةُ عِندهما تَجْرِبة مُثْقَلَة بالألمِ ، والعقلُ مِرْآتها الصافية التي تَكشِف خِدَاعَ اللذةِ ، وَوَهْمَ الخَلاصِ السَّهْلِ . إلا أنَّ المَعَرِّي _ ابن العُزلةِ والزُّهْدِ _ يَرى التشاؤمَ ثَمَرَةَ وَعْيٍ أخلاقيٍّ صارم ، إذْ يُخَاصِم العَالَمَ لا لِيَهْدِمَه، بَلْ لِيُحاكمه بِلُغَةِ الشَّكِّ، فَيَنتهي إلى التَّقَشُّفِ الذي يُخفِّف أذى الوُجودِ بالانصرافِ عَنْه . أمَّا شوبنهاور فَيُؤسِّس تشاؤمه على ميتافيزيقا الإرادةِ العَمْياء، حَيْثُ الألَم قانون كَوْني ، والرَّغْبَة أصْلُ الشقاء ، ولا مَفَرَّ إلا بِتَعليقِ الإرادةِ عَبْرَ الفَنِّ والتَّأمُّلِ .

     ويَتقاطعُ المَعَرِّي وشوبنهاور في نقدِ التفاؤلِ الساذَجِ ، وتَعْريةِ خِطابِ السَّعادةِ السريعة . المَعَرِّي يُقَوِّضُ مُسلَّمات عَصْرِه بالشِّعْرِ ، ويَسْتبدل اليقينَ بالتساؤل، بَينما يُشيِّد شوبنهاور نَسَقًا فلسفيًّا صارمًا يَجْعل التشاؤمَ نتيجةً مَنطقية للمَعْرفة . وكِلاهُما يَرفضُ التصالحَ السَّهْلَ معَ العَالَم ، ويَقْترح بَدَلًا مِنْه تهذيبًا للوَعْي . وهَكذا يَغْدو التشاؤمُ الوجوديُّ عِندهما فضيلةً فِكرية لا هُروبًا .

     إنَّ الألمَ جُزْءٌ مِنَ الحياة ، لكنَّ الأملَ يَكْمُن في قُدرةِ الإنسانِ على التفكير ، والنَّقْدِ ، والتحليل ، حَتَّى وإنْ كانَ في مُواجهةٍ معَ المُعاناةِ الوُجودية التي لا مَفَرَّ مِنها .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ ( وُلدت 1945 ) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية،أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة.لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع ، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة ” ،…

أ. د. قاسم المندلاوي

اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء…

صدرت حديثا عن دار الزمان للطباعة والنشر المجموعة المسرحية الجديدة للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل إسماعيل، والتي تحمل عنوان “صرخة الطاووس”، في 139 صفحة، وتضم خمسة نصوص مونودرامية تعكس تجارب إنسانية وفكرية عميقة.

وتتضمن المجموعة النصوص التالية:

“الكابوس”: يتناول حلم كاتب متمرد يتحول إلى كابوس، تختلط فيه الحدود بين الواقع والخيال.
“خَجي”: نص مستوحى…