من هي ريتا في شعر محمود درويش ؟

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

     إنَّ ريتا في شِعْر محمود درويش ( 1941_  2008 ) لَيْسَت اسمًا عابرًا في قصيدة حُب ، بَلْ هِيَ جُرح مفتوح في ذاكرة الشاعر، واستعارةٌ مُعقَّدة تختلط فيها المَرأةُ بالوطن ، والعاطفةُ بالتاريخِ ، والابتسامةُ بالبُندقية .

     ريتا لَيْسَتْ شخصيةً شِعرية عاديَّة ، إنَّها واحدة من أكثرِ الرُّموز الشِّعْرية إثارةً للجدل . فَهِيَ حبيبة يهودية ، أحبَّها الشاعرُ في شبابه داخل فِلَسْطين المُحتلة . وقدْ كُشِفَ لاحقًا أنَّ الشخصية الحقيقية التي تقفُ خلف الاسم هي امرأة إسرائيلية تُدعَى تمار بن عامي ( 1947 _ 2026 ) . نشأتْ في حَيفا ، وَتَعَلَّمَت الرقصَ ، وانضمَّتْ في عام 1962 إلى فِرْقة تَجمع بين راقصِين يهود وعَرَب ، كما كانتْ عُضْوًا في حِزبِ الشبابِ الشيوعي . وَتَعَرَّفَتْ على مَحمود درويش في سِن السادسة عشرة ، واستمرَّت العلاقةُ خمس سنوات حتى حرب 1967 . وَقَدْ خَدَمَتْ في البحرية الإسرائيلية ، ثُمَّ أصبحتْ مُصمِّمة رقصات ومُدَرِّسَة .

     حرصَ محمود درويش على إبقاء ريتا في فضاءِ الشِّعْر ، لا في أرشيفِ السِّيرة ، فهو لَمْ يُرِدْ لها أنْ تُخْتَزَلَ في قِصَّة حُب عابرة ، بَلْ أنْ تبقى رمزًا مُتحركًا يتجاوزُ الشخصَ إلى المَعنى .

     العاشقان يَفصلُ بَينهما صِراع سِياسي وعسكري . لَيست المُشكلةُ في اختلافِ الدِّينِ أو الثقافةِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا في واقعِ الاحتلالِ الذي يَجعل الحُبَّ فِعْلًا مُستحيلًا . ريتا هُنا تَنتمي إلى الجِهة المُحتلة التي تَحمل السِّلاحَ، وهُنا تَكمُن المُفارَقةُ المُؤلمة:كيف يُمكن للقلبِ أنْ يُحِبَّ مَنْ يقفُ على الضَّفَّةِ الأُخْرَى مِنَ الصِّراع ؟.

     إنَّها صُورة الحُب في زمنِ الانقسام ، حيث لا يَكُون الصِّراعُ فِكرةً نظريةً مُجرَّدة ، بَلْ يَكُون واقعًا يوميًّا يَخترقُ العاطفةَ ويُشوِّهها . ريتا تَتحوَّل مِن امرأةٍ إلى هُوِيَّة ، وَمِنْ حبيبة إلى سُؤال أخلاقي وسِياسي .

     كثيرٌ مِنَ النُّقَّادِ رَأَوْا في ريتا رمزًا لِفِلَسْطين نَفْسِها، فكما أحبَّ الشاعرُ ريتا حُبًّا جارفًا رَغْمَ استحالةِ اللقاءِ ، أحبَّ وَطَنَه رَغْمَ الجِراحِ والمَنافي . لكنَّ هذا التأويلَ الرُّومانسي الحالم لا يُلْغي البُعْدَ الإنسانيَّ الواقعي.ريتا في شِعْر محمود درويش لَيْسَتْ مُجرَّد استعارة للوطن، إنَّها امرأة حقيقية مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ ، ثُمَّ هِيَ رَمْزٌ يَتَّسع بالتدريج.

     والشاعرُ لَمْ يُحوِّل المرأةَ إلى شِعار سِياسي ، بَلْ أبقاها حَيَّةً ، ومُتناقضة ، ودافئة ، وقاسية ، في آنٍ معًا. ريتا تضحكُ ، وترقص ، وتَبتعد، ورُبَّما تَخُون الذاكرةَ . إنَّها كائنٌ كاملٌ لا مُجرَّد فِكْرة . وريتا تُجسِّد صِراعَ الهُوِيَّةِ داخل الشاعرِ نَفْسِه، فَهُوَ الفِلَسْطيني الذي يعيشُ داخل وطنٍ مُحتل، ويُتقِن لُغَةَ الآخَر ، ويقع في حُبِّ امرأةٍ تنتمي إلى الطرفِ المُحتل . هذا التداخلُ يكشفُ أنَّ الهُوِيَّة لَيْسَتْ جِدارًا صُلْبًا ، بَلْ مساحة تَوَتُّرٍ دائمٍ .

     أحبَّ محمود درويش ريتا بلغةٍ هي نَفْسُها لُغَةُ الصِّراعِ . كَتَبَ بالعربيةِ عَنْ حبيبة تَتكلَّم العِبْرِيَّة. كانت القصيدةُ جِسْرًا هَشًّا بَيْنَ لُغَتَيْن وتاريخَيْن . لكنَّ هذا الجِسْر لَمْ يَصمد طويلًا ، لأنَّ السِّياسة أقوى مِن العاطفة.

     معَ مُرور الزمن ، تَحوَّلتْ ريتا إلى جُزء مِنَ الأُسطورةِ الدرويشية . لَمْ تَعُدْ مُجرَّد امرأة عَرَفَهَا في شبابه ، بَلْ أصبحتْ أيقونةً للحُبِّ الضائع ، ودليلًا على أنَّ الحُدود أقسى مِنَ الإنسان. وتجاوزتْ قِصَّةُ ريتا التَّجْرِبَةَ الشخصية، وأصبحتْ قِصَّةً رمزيةً للحُبِّ تحت ظِلالِ البَنادقِ .

     ريتا في شِعْر محمود درويش لَيْسَتْ لُغْزًا يُحَل ، بَلْ تَجْرِبة تُعاش . إنَّها الحبيبة التي هَزَمَهَا الواقعُ ، والرَّمْزُ الذي لَمْ يَستطعْ أنْ يَمحو صُورةَ الإنسانِ . هِيَ امرأةٌ حقيقية ، لها كِيَان وكَيْنونة ، لكنَّها أيضًا استعارةٌ لِتَمَزُّقِ الرُّوحِ في زمنِ الاحتلال .

     رُبَّما كانَ سِرُّ ريتا الحقيقي أنَّها لَمْ تَبْقَ في حَياةِ الشاعر ، لكنَّها بَقِيَتْ في شِعْرِه . تَحَوَّلَتْ مِنْ قِصَّةٍ خاصَّة إلى ذاكرةٍ جَمَاعِيَّة ، وَمِنْ حُبٍّ عابرٍ إلى كَلِمَات مُستمرة ودائمة . وهكذا كُلَّما ذُكِرَتْ ريتا ، ذُكِرَ معها السُّؤال الأبدي : هَلْ يُمكِن للحُبِّ أن يَنتصر على البُندقية ؟ .

     تُمثِّل ريتا صُورةً شِعْرية مُركَّبة للحُبِّ المُستحيل في سِياق صِراع يَلتهمُ التفاصيلَ الإنسانية . إنَّها تتجاوزُ كَوْنَها حبيبة إلى رمزٍ للتَّوَتُّرِ بَيْنَ العاطفةِ والهُوِيَّةِ ، وبَيْنَ الفرديِّ والوطنيِّ ، حتى تَغْدو مساحةً يتقاطعُ فيها الخاصُّ بالتاريخي .

     ومع ذلك، فإنَّ هذا التَّوظيف الرمزي الكثيف لا يَخْلو مِنْ إشكال ، إذْ تَتحوَّل ريتا أحيانًا إلى أداةٍ خَطَابية ، تُحمَّل مَا يَفُوق طاقتها الإنسانية ، فتبهتْ ملامحُها كشخصٍ مُستقل ، وَتَذُوب في سَرْدية الشاعرِ الكُبرى .

     وتَجْرِبَةُ محمود درويش معَ ريتا تكشفُ قُدرته على الصِّناعةِ اللغويةِ والبِناءِ الشِّعْري ، لكنَّها تَكشف أيضًا نَزعةً إلى تَضخيمِ الذاتِ الشاعرة ، وجَعْلِها مَركَزًا للمَعنى ، بحيث يَبدو الحُبُّ مَحكومًا بإطارٍ أيديولوجي يُقَيِّدُه بَدَلَ أنْ يُحرِّره . لذلك ، فإنَّ فَهْمَ ريتا لا يَكتملُ بِتَمجيدِ التَّجْرِبَةِ ، أوْ تَقْديسِ صاحبها ، بَلْ بقراءتها قِراءةً نَقْدية ضِمْن السِّياقِ المَحكومِ بحدوده ، والقابلِ للمُساءلةِ مِثْل أيِّ خِطابٍ شِعْري آخَر .

     وَحُضُورُ ريتا الشِّعْري شَكَّلَ مُنْعَطَفًا نَفْسِيًّا عميقًا في مسيرةِ محمود درويش ، وكَشَفَ عَنْ قُدرته على صِياغةِ الألَمِ بِصُورةٍ درامية تُغْري بِالتَّحَوُّلِ إلى أُسطورةٍ شِعْرية أكثر مِمَّا تَعكِس واقعًا إنسانيًّا بسيطًا . وَقَدْ مَنَحَتْهُ ريتا مادَّةً شِعرية رمزية ، لكنَّه في المُقابلِ حَمَّلَها أعباءَ الرمزِ السِّياسي ، فَجَعَلَهَا أداةً لِصِراعه الداخلي والخارجي ، وهذا يَكشِف الهَشَاشةَ الإنسانيةَ والصِّراعَ النَّفْسي الذي لا يَخْلو مِن التناقضِ والمُبالغة .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…