أ. د. قاسم المندلاوي
اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء قدرات بدنية عالية وأجسام قوية، مكّنتهم من التكيف مع الظروف القاسية والدفاع عن أنفسهم وأرضهم عبر التاريخ.
شكّلت الفروسية عنصرًا مهمًا في تكوين الصفات البدنية والنفسية لدى الكورد، مثل الشجاعة، والجرأة، والصبر، والصلابة، والقدرة القتالية، وهي قيم ظلت حاضرة في شخصيتهم الثقافية والاجتماعية.
تشير المصادر التاريخية إلى أن أسلاف الكورد من الكاشيين والخوريين والهكسوس كانوا من أوائل من أدخلوا استخدام الخيل والعربات الحربية إلى غرب آسيا منذ الألف الثاني قبل الميلاد. وقد أولى الكاشيون عناية خاصة بتربية الخيول حتى أصبحت تُصدَّر من بلاد النهرين إلى مصر، واتخذوا من الجواد والشمس رمزين مقدّسين.
كما امتاز الجيش الخوري بسلاح الفرسان والمركبات الحربية، وكانت قيادته بيد طبقة أرستقراطية من الفرسان النبلاء الذين برعوا في استخدام الخيل، حيث ارتبطت الفروسية لديهم بمعاني البطولة والبسالة.
وفي عهد الميديين، الذين وحّدوا الكورد سياسيًا وثقافيًا، ورثوا تقاليد الفروسية وطوروا قوة عسكرية متقدمة كان سلاح الفرسان عمادها الأساسي. وكانت الخيول تمثل ثروة اقتصادية مهمة، واشتهرت الخيول الميدية عالميًا آنذاك. ويذكر المؤرخون أن الآشوريين كانوا يأخذون الخيول جزيةً، نظرًا لقيمتها العالية.
وبفضل قوة سلاح الفرسان، تمكن الميديون من مواجهة الإمبراطورية الآشورية وإسقاطها، مما أسهم في تحرير شعوب المنطقة.
عرف الكورد سباقات الخيل منذ نحو 700 قبل الميلاد، حيث كانت تُقام مسابقات ومهرجانات يشارك فيها الفرسان، يؤدّون خلالها مهارات معقدة وخطرة أثناء الجري السريع. وكان الفوز يمنح صاحبه لقب “الفارس”، وهو لقب يعكس الشجاعة والكفاءة.
كان ركوب الخيل رمزًا للشجاعة والحرية والكرامة، ومن صفات الفارس الكوردي قدرته على مواجهة المخاطر بروح التضحية والثبات. وقد احتلت الفروسية مكانة مرموقة في الحضارة الكوردية، وأصبحت مظهرًا اجتماعيًا يعكس مكانة الفرد.
وقد وصف المؤرخون الكورد بأنهم “فرسان الشرق”، لما يتصفون به من شجاعة، وصدق، ووفاء، واحترام للقيم الإنسانية، ورفض للخضوع والذل. كما أشار الرحالة إلى مهارتهم في الفروسية، خاصة في الأعياد والأعراس، حيث كانت تُقام مسابقات بين الفرسان لإظهار مهاراتهم وأصالة خيولهم.
ومع تطور المجتمعات، أصبحت الفروسية رياضة منظمة تُمارس في الأندية والإسطبلات، وأُدرجت ضمن الألعاب الأولمبية منذ عام 1912، وتشمل مسابقاتها قفز الحواجز والترويض وسباقات السرعة، وتُمنح فيها ميداليات كغيرها من الرياضات.
أما في كوردستان اليوم، فما تزال الخيول تُستخدم في مجالات متعددة، وتوجد إسطبلات لدى العديد من العشائر، إلا أن المنطقة لا تزال تفتقر إلى أندية وميادين بمواصفات دولية، خاصة في إقليم كوردستان.
لذلك، تبرز الحاجة إلى دعم رياضة الفروسية من خلال إنشاء أندية متخصصة، وتطوير ميادين تدريب حديثة، وتنظيم بطولات محلية مثل “بطولة كوردستان للفروسية”، وتشجيع الشباب من الجنسين على ممارستها تمهيدًا للمشاركة في المنافسات الدولية.
كما ينبغي تقديم الدعم للمتميزين، وتعزيز دور الإعلام في نشر ثقافة الفروسية وتسليط الضوء على أنشطتها، بما يسهم في إحياء هذا التراث العريق وتطويره.
المصادر والمراجع:
- تصحيح تاريخ الكورد المحرف والمسروق – 2015
- باسيل نيكيتين، “الكرد وكردستان” – 1998
- أحمد خليل، “دراسات في التاريخ الكردي القديم” – 2013
- قاسم المندلاوي، “اهتمام قدماء الكورد بالمبارزة والفروسية” – 2007
- قاسم المندلاوي، “الثقافة البدنية في العراق قديمًا” – 1968
- قاسم المندلاوي، “الحركة الرياضية عند الأكراد” – 1970
- قاسم المندلاوي، “الثقافة الرياضية في ميزوبوتاميا” – 1970
- خجاتور أبو فيان، “المؤلفات الكاملة” – 1958
- الفروسية عند العرب – 2016
- الفروسية – ويكيبيديا