فرمز حسين
هناك بعض الكتابات الأدبية التي تبقى حية بعد كاتبها بأجيال بل وبدون مبالغة نستطيع القول بأنها قد تكاد تكون أزلية، أعمالاً لاتزول بالتقادم و مرّ السنين بل تبقى جديرة بالمتابعة و القراءة و كأنها كتبت في الأمس القريب و من بين تلك الأعمال كتابات السويدي “بير لاغركفيست” ليس لجمالية نصوصها و لا لثراء أدوات الكاتب اللغوية و مهارته في رسم ملامح شخوصه، بل نجاحه في خلق تناغم حسي و تشارك روحي مع القارئ من خلال لغة سردية بسيطة لكن بطروحات عميقة لقضايا كبيرة ليس أقل من مغزى الحياة و الموت نفسه تاركاً خلفه أسئلة وجودية صعبة مفتوحة باب التأويلات على مصراعيها لتأملات القراء و مايجود به خيالهم ليس للاختبار بل لأنه و دون شك لم يكن هو نفسه يمتلك إجابات شافية تخرجه من حيرته، تلك الحيرة التي وقع فيها باكراً و تحديداً بعد تجاوزه للموروث الديني الذي كان قد تأثر به في البيئة المسيحية المحافظة التي ولد فيها عام 1891 و تحول بعدها من مراحل الإيمان الكامل بالخالق إلى درجات كبيرة من التشكك، الأمر الذي خلق عنده قلقاً تزايد و تزايد و تراكم عليه مع مرور الأيام و السنين و تحديداً من سنوات شبابه الأولى، ليصبح فيما بعد قلقاً عظيماً تجلت انعكاساته و تأثيره المتفاقم في مختلف كتاباته و عانى منه أشد المعاناة طوال حياته حتى وافته المنية عام 1974 !
“الحياة المهزومة” هي نصوصاً كتبها لاغركفيست عام 1927 و للوهلة الأولى و من عنوان النصوص يأتي التنبيه للقارئ بأنه بصدد الولوج في عالم تشاؤمي و في حلكة مظلمة، و هو بالفعل كذلك حيث يصور لاغركفيست الانسان كائناً في حالة عراك دائم مع الحياة تكونُ الهزيمة دائماً من نصيبه ليس فقط من خلال الموت و الذي هو بالمحصلة النهاية الحتمية للجميع بل من خلال غياب الجدوى من الحياة و عمق الفراغ الداخلي و وحشته مع شعور رهيب بالخوف و الأسر!
يقول فيها:
“إنها الحياة تتسلل خفية إلينا ثم تباغتنا بطعنتها فيما نحن نقف أمامها بصدور عارية و ببراءة واثقة دون أخذ حذر أو حيطة و فجأة تغرس سكينها في جسدنا بعمق حتى المقبض!
“في منتصف الحياة حين تثاقلت الخطى و تباطأت، توقف متأملاً لينظر من حوله ساعياً إلى الفهم ، لم يجد نفسه في علو شاهق مطل على الحياة، علو يمنحه فرصة الاشراف على كل شيء و الاحاطة به بل و جد نفسه في واد منخفض من الحياة حيث كل شي يتقارب فيه على بعضه و يتلاصق ضاغطاً عليه راغماً إياه على الانتباه كيلا يضيق الطريق عليه أكثر فأكثر”.
لاغركفيست يشكك في الغاية من الحياة ويشكك في الانتماء لها و لربما يرى أن الانسان فيها ليس سوى عابر سبيل دون أهداف لا في البداية و لا خلال العيش و لا في النهاية.
” لسنا بمنتمين إلى الحياة على الرغم من أن مصير أرواحنا ربما ليس لها إلا أن تنحلَّ مع أجسادنا، و ربما ليس لنا من هذه الحياة سوى هذه السفرة القصيرة من العيش والازدهار ثم الموت “
لاغركفيست لايلوم في نصه الانسان على ما آل اليه من مصير لم يقرره هو بنفسه!
“من الغرابة أن يقود اكتشاف قسوة الحياة إلى الازدراء من الانسان بدلاً من التعاطف معه.”
“لاننتمي الى الحياة هكذا ببساطة لانها تحاصرنا من كل حدب و صوب و لا تشعرنا بالحرية، النسر لا ينتمي لذاك الذي قص جناحيه و حبسه في قفص بل الأسير يبقى هو أما النسر فانه للفضاء كما كان منذ الأزل”.
الحياة المهزومة تبقى من النصوص الباقية بقاء كل أسئلة لاغركفيست الوجودية الصعبة و التي على الأغلب لم و لن تظهر لها أجوبة وافية.
فرمز حسين
كاتب و مترجم سوري
ستوكهولم
2026-05-06