بعد حصوله على جائزة حامد بدرخان للإبداع الشعري.. الشاعر والسياسي محمد عثمان في حوار مطول:

حاوره إبراهيم اليوسف

 

يعد الشاعر والكاتب محمد شيخ عثمان واحد من الأسماء التي كان لها دور فعلي في الحياة الثقافية الكردية، بشكل عام، وليس في عفرين وحلب، فحسب، إبداعاً وترجمة، ومتابعة وإعداداً لأعمال عدد من الشعراء وفي مقدمتهم حامد بدرخان.  فقد سمعت اسمه أول مرة من خلال بدرخان نفسه، إذ كان أحد الشخصين اللذين كانا يراجعان نصوصه ويدققانها ويهتمان بتنظيمها قبل نشرها، أي إلى جانب رفيق درب حامد: رشيد عبد المجيد أبي فؤاد. فقد اعتمد عليه بدرخان اعتماداً واضحاً في ضبط بنية النصوص ومراجعتها لغوياً.

يمكن القول: إن عمل محمد شيخ عثمان في المجال الثقافي خلال السبعينيات و الثمانينيات والتسعينيات، وهي الفترة التي شهدت أعلى درجات الرقابة الأمنية والتضييق على النشر باللغة الكردية، يمثل جهداً استثنائياً ضمن ظروف صعبة. فقد كان يعمل في مجال الكتابة والتحرير والمراجعة والعمل على النصوص الكردية في مجلات وصحف كردية في ظل منع المؤسسات الثقافية المختصة، من خلال اعتماده على أدوات تقنية بسيطة مثل: آلة كاتبة قديمة وطابعة متهالكة، سواء في حلب أو عبر عمله في مجلة” كلاويج” مع الراحل مجيد حاجو في الجزيرة. هذا الكفاح الثقافي يوضح- بجلاء- اهتمامه المبكر بالمطبوعات الثقافية الكردية، وسعيه للمساهمة في استمرارها رغم الظروف الصعبة.

هذا النوع من العمل، في تلك المرحلة، تحديداً، لم يكن عملاً روتينياً بل مهمة محفوفة بالمخاطر، لأن أي مساهمة ثقافية كردية كانت تخضع للتتبع، وأي نشاط أدبي مستقل كان يمكن أن يتسبب بالمساءلة أو الملاحقة. لذلك يُعد استمرار محمد شيخ عثمان في الكتابة، والمراجعة، والمساهمة في المجلات، ومتابعة شؤون المهرجانات، مثالاً على الجهد الذي بذله عدد من المثقفين الكرد آنذاك للحفاظ على الحدّ الأدنى من الفعل الثقافي. وهو جزء من سياق أوسع لرجلٍ من أبناء جيله الذين واجهوا نقص الإمكانات والرقابة معاً، واستطاعوا مع ذلك إبقاء النشاط الثقافي الكردي قائماً.

إجابات محمد شيخ عثمان في حوارنا المطول معه تكشف مساراً طويلاً في العمل السياسي والثقافي. فقد عمل في الوسط الحزبي والثقافي في حلب، وشارك في نشاطات متعددة منذ السبعينيات والثمانينيات، إلى جانب كتاباته الشعرية.

في سيرته الشخصية التي يؤثر عدم ذكر الكثير من محطاتها، يظهر أنه قضى حوالي نصف قرن في حلب، فقد درس وعمل وتابع دراسته الجامعية بالتزامن مع عمله الوظيفي. حيث نشر بعض نتاجه في صحف عربية وكردية، وشارك في تأسيس مهرجان الشعر الكردي في قلعة النبي هوري عام 1993–1994. كما كتب بالعربية والكردية، رغم أن ظروف التعليم ومحدودية المصادر التي جعلت نصوصه العربية أكثر عدداً وتنظيماً.

إن انشغال الشاعر والمترجم والأديب محمد شيخ عثمان- ابن عفرين بالعمل السياسي، لم يمنعه من إنجاز الكثير من الأعمال الأدبية باللغتين: الأم الكردية والعربية، ومنها عدد من مخطوطات وأعمال مطبوعة في مجال الترجمة بالإضافة إلى مجموعة شعرية:

Yén bi Kurdî _ helbest

Evarê te çi.kir..?

Bé evìn û yar

Dilbera min

Zanav

Dîrok

Pêşmerge.

Xanima ronahiyê

Raperín

9_ Govend.

10 _ Payîz..

المخطوطات الشعرية 

١- مراحل هيولية على طريق التشكل .

٢- التألق والانحسار _ ج١

٣_ التألق والانحسار _ ج٢

٤- موت طائر الفرح .

٥- الحب والعاصفة .

٦- صدمة الحب .

٧- رحيل في وجع المنافي .

٨- الفرح الأممي الأبيض .

٩- على مشارف الروح .

١٠ – ملهاة التجدد والأيام .

طبع في ايلول ١٩٩٦

المترجم عن الكردية 

١- هناك شفاه الحجارة تقدح شررا..

Li wir lêvên kevira çìk didin ..

D.r Husên Hebeş

٢- أشجار اللوز تحرق ثمارها . 

Darên Behîvê berênxwe dişewitînin..

D.r Husén Hebeş

٣ – صرخة 

Qérín 

Nezîr Palo

٤ – في مهب العاصفة 

Di Baweşa Bagerê da

D.r Kamîran Hac Ebdo

التحويل من الأحرف العربية الى الأحرف الكردية 

Mem û Zín

Ehmedë Xanî 

Çapa Mosko 1952..

2_ diwana Melayê Cizîrí

Çapa 1989

إجابات محمد شيخ عثمان تكشف منهجاً واضحاً في النظر إلى دور المثقف، حيث يرى أن عليه الحضور بين الناس والمشاركة في  أفراحهم وأتراحهم، وليس الاكتفاء بالخطاب. كما يظهر في حديثه موقف نقدي تجاه الأحزاب الكردية، ومتابعة دقيقة للتاريخ السياسي والثقافي في المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع التعريب والحزام العربي، ومشكلات عفرين بعد الاحتلال.

من خلال هذا كله، يتضح أن محمد شيخ عثمان لم يكن مجرد صديق لشاعر كبير، بل كان صاحب تجربة ثقافية وسياسية واسعة، وواحداً من الأشخاص الذين عملوا على حفظ بعض الذاكرة الأدبية الكردية وتنظيمها، سواء عبر مراجعة نصوص حامد بدرخان، أو عبر مشاركته في المجلات والمهرجانات، أو من خلال تجربته الشخصية في الكتابة والعمل الثقافي.

 كيف تصف ملامح عفرين كمدينة كردية. وما تلذي جعلها مختلفة في ذاكرتك عن بقية مناطق كردستان سوريا .

-عفرين قلب كردستان روج آفا، كما كركوك قلب كردستان الجنوبية. وهي متميزة عن باقي المناطق بزيادة نسبة المتعلمين في كل المجالات والاختصاصات وتقدمها الاجتماعي والسياسي والزراعي والعمراني.  لقد استطاعت عفرين أن تستوعب الوافدين إليها بقصد التغيير الديموغرافي بصهرهم في البوتقة الكردية بكل الوسائل المتاحة بما في ذلك المصاهرة وحسن التعامل، بعيداً عن النزعة العنصرية أو العصبية القومية.

– هل ترى ان عفرين قدمت نموذجا ثقافيا فريدا قبل الاحتلال التركي. وكيف تقارن حالها قبل وبعد ٢٠١٨ ..؟

– منذ ١٩٩٣/١٩٩٤ كان يُقام مهرجان للشعر الكردي في عفرين، ويشارك فيه العديد من الشعراء من كافة المناطق، وكان الموعد يوم رحيل الشاعر الكبير جكرخوين ٢٢/١٠/١٩٨٤، بالإضافة إلى نشاطات أخرى في النواحي والقرى، مثل مركز تعليم اللغة الكردية، والفلكلور الشعبي، واحتفالات نوروز، إلا أن تلك المظاهر اختفت بعد احتلال عفرين.

 ما ابرز ملامح النسيج الاجتماعي في عفرين. وكيف كان يتجسد التعايش بين الكرد والمكونات الأخرى .؟

-بالطبع أكدت الإحصائيات أن ٨٠٪ كرد و٢٠٪  هم من مكونات أخرى، وكانت العلاقات الاجتماعية مقبولة، لا إقصاء ولا مشاحنات. مواقع الاحتكاك في عفرين وجنديرس على وجه الخصوص لم تشهد أية شجارات أو خلافات عائلية.
بعد الاحتلال، وبدخول الفصائل المدعومة من تركيا وتوافد المهجرين والنازحين العرب والتركمان، انقلبت الآية ونسبة التواجد، وخيَّم الظلام والظلم على المنطقة.

 كيف اثرت سياسات النظام البعثي على هوية عفرين الثقافية .؟

-تم تعريب أسماء القرى والنواحي وانتزعت الأراضي من مالكيها الأصليين وتم توزيعها على الوافدين العرب تحت يافطة الإصلاح الزراعي.
كما تمت إضافة سجلات وقيود بعض القرى غير الكردية إلى سجلات القيد المدني في عفرين بقصد خلط الأوراق وتشويه الديموغرافيا، كما تم تغيير أسماء المحلات والساحات والمعالم الكردية واستبدلت بأسماء عربية.
أيضاً تم حظر الاحتفالات الكردية بمناسبة عيد نوروز وسواها من المناسبات القومية، كوقفة الحداد في ذكرى قصف حلبجة.
وتُوِّج كل ذلك بحملة اعتقالات واسعة للغالبية العظمى من قيادات البارتي وأشخاص آخرين بتهم التواصل مع جهات أجنبية والتآمر على سلامة الوطن وتهديد أمنه.

_ ما الذي يعنيه لك شخصيا فقدان عفرين بعد الاحتلال – التغيير الديمغرافي ..؟

عام ٢٠١٨ عام أسود على منطقة عفرين، تغيّر كل شيء، طال القمع والاضطهاد كل المواطنين الأصليين وكل مرافق الحياة.
تم الاستيلاء على بيوت وممتلكات الناس وفُرضت الإتاوات على المواطنين، وتم ابتزازهم عبر توجيه تهم جاهزة لهم، وتم تغييب العديد من الرجال في سجون ومعتقلات الفصائل بأعداد كبيرة.
كل فصيل له أمنه الخاص وسجنه الخاص ولجانه الاقتصادية الخاصة.
ولا يخفى عدد الضحايا والقتلى بدون ذنب، ولعل مجزرة جنديرس وعائلة بيشمركة مثال حي، عشية نوروز، حيث قُتل أربعة من أفراد عائلة بيشمركة بدم بارد، وتم طمس القضية وسُجّلت ضد مجهول كما يقال.
ثمة حالات فردية أخرى في القرى الحدودية النائية وكلها دون حسيب أو رقيب.

 بصفتك أول من دقق قصائده: ترى كيف كانت علاقتك مع الشاعر حامد بدرخان .

في ربيع ١٩٨٢ وفي منزل صديقي النحات الحلبي عبد الرحمن موقت كان تعارفنا.
عند الانصراف توجهنا إلى شارع تشرين حيث منزل السيد رشيد عبد المجيد (أبو فؤاد)، ومنذ ذلك الوقت أصبحنا أربعة أصدقاء حول طاولة واحدة: حامد بدرخان، السيد رشيد عبد المجيد، السيدة نازلي خليل، وكاتب هذه الكلمات.
استمرت صداقتنا حتى ٢٩/٤/١٩٩٦، تاريخ وفاة الشاعر حامد بدرخان.

 أين يمكن أن نجد نصوص حامد التركية التي كتبها في مراحل مبكرة؟ ولماذا بقيت شبه مجهولة .؟

لم أطلع شخصياً على تلك الكتابات ولا أعرف إن كانت موجودة ضمن تركة حامد بدرخان.
فقط سمعت من العائلة الصديقة أن له كتابات باللغة التركية، وأعتقد بأن ما كتبه بالتركية بقي هناك في تركيا، وربما، وقد قيل إن له كتابات بالفرنسية أيضاً، ولم أعثر بين كتبه وآثاره ما يؤكد ذلك.

 كيف تقيم مرحلة حامد في الكتابة بالعربية؟ وهل كانت انتقالاً جمالياً أم تكيفاً مع واقع سياسي وثقافي ..؟

بعد عودته إلى قريته شيخ الحديد (şiyê) التقى بالأستاذ رشيد عبد المجيد، وكان معلماً في القرية، وأعتقد بأنه اضطر للكتابة بالعربية تكيفاً مع الواقع الجديد في سوريا، والفضل في تعلمه العربية يعود إلى الشاعر وصفي القرنفلي صاحب ديوان “وراء السراب” وإلى الصديق أبو فؤاد.
بذلك شكّل مدخلاً إلى الوسط الثقافي السوري وتفاعل مع المشهد، وأوجد علاقات مثمرة مع العديد من الشعراء والأدباء في حلب ودمشق والسلمية.
في حلب تعرف على فاتح المدرس، لؤي كيالي، عبد الرحمن موقت، وحيد استانبولي، سعيد رجو، أنور محمد.
في دمشق استطاع أن يكتسب صداقة سعيد حورانية، سلوى شحادة، وليد معماري، حسان عزت.
كما عقد صداقة مع وزير الإعلام آنذاك الدكتور أحمد إسكندر أحمد الذي خصص له برنامجاً في إذاعة دمشق باللغة التركية كان يقدَّم باسم “حامد بدرخان” وذلك للتضليل فقط، حيث كان معروفاً في تركيا باسم “حامد أراغون” تيمُّناً بالشاعر الفرنسي لويس أراغون.
ولم يأتِ لقب بدرخان كمنحة من أولاد بدرخان كما أشيع.

 ماذا عن نصوصه الكردية الأخيرة؟ وما الذي ميزها من حيث اللغة والصورة .؟

حامد بدرخان لم ينشر باللغة الكردية في حياته لأسباب خاصة، أولها حسب اعتقادي أنه كان يحسب نفسه في دائرة الماركسيين دون الالتزام بنهج الحزب الشيوعي طوال فترة شبابه وعطائه.
فقط للتاريخ، تخلّى عنه هؤلاء وأحس هو بالخيبة فالتفت إلى الحضن الأساسي في أوساط المثقفين الكرد، حيث شارك معنا في مهرجان الشعر الكردي عام ١٩٩٤ في تل النبي هوري، وألقى قصيدته باللغة الكردية بعنوان “şiyê” (شيخ الحديد)، وتم تكريمه آنذاك، رغم أن بعض الحضور اعترض على ذلك بحجة أنه لم يسبق له أن كتب أو نشر باللغة الكردية.
ولم نطّلع على كتاباته باللغة الكردية إلا بعد وفاته، حيث جمعناها ونقحناها وطُبعت في ثلاث مجموعات (بين هولير وبيروت ومكان آخر لا يحضرني ذكره).

 – هل كانت لديه علاقة مباشرة مع أدباء عالميين كبار؟ وكيف انعكس ذلك على تجربته الشعرية ..؟

جاءت تسميته “حامد أراغون” تيمُّناً بالشاعر الفرنسي لويس أراغون.
أما ناظم حكمت فقد أحبّه وأُعجب به، وكان يحب الاستماع إلى قصائده بصوت حامد، ثم لجأ بعد ذلك إلى موسكو ومات هناك.
الثاني هو عابدين دينو الذي رحل إلى باريس، ويقال بأن حامد رافقه آنذاك ولكنه لم يلبث أن عاد إلى تركيا.
الثالث هو أستاذه ممدوح سليم الكردي الأصل، والذي لجأ إلى سوريا وعاش في دمشق ومات ودفن فيها.
كما تعرف على أورهان كمال وأُعجب به لدرجة أنه كان يذيّل معها أشعاره في صحافة تركيا باسم “أورهان سليم” أو “حامد أراغون”.

 ماالدور الذي لعبه أبو فؤاد- رشيد  عبدالمجيد- في حياته الادبية ..؟

لا يمكن فصل هذين السؤالين بأي شكل من الأشكال، لأن حامد كان صديق العائلة.
باختصار شديد، منذ أن تعرف عليها في Şiyê وحتى تاريخ وفاته.
أبو فؤاد بهدوئه المعهود وعقلانيته وسلوكه الديمقراطي مع كل أفراد أسرته، وأم فؤاد، رغم محدودية تعليمها، جعلا من منزلهما صالوناً أدبياً واجتماعياً، يستقبلان فيه ضيوفهما المتميزين من قادة سياسيين وشعراء كبار وأدباء مرموقين، حتى القادمين من دول أخرى.
وقد لعبت دوراً متميزاً في حياة حامد بدرخان، ورغم أنه لم يشر إلى اسمها صراحة إلا في إهداء مجموعته الأولى “على دروب آسيا” التي طبعها في دار الحوار عند صديقه نبيل سليمان، عندما زيّن الصفحة الأولى بعبارة: “إلى نازلي خليل / أم فؤاد”.
ولكن عند التمعن في الأسماء التي أدمنها كثيراً من مثل: جانا، جيني، إلزا، مالفا، فهي كلها تعني “نازلي”.

 – كيف يمكن أن نصف حضور نازلي خليل في مسار حامد بدرخان الشخصي والإبداعي ..؟

(الجواب نفسه أعلاه لأنه ورد مشتركاً للسؤالين ١١ و١٢.)

 ما تفاصيل سجن حامد بدرخان؟وكيف انعكس الاعتقال على مسيرته الشعرية والنضالية …؟

عانى حامد بدرخان من الظلم والجور واعتُقل مراراً هو ورفاقه الثلاثة بسبب نشاطهم وعلاقتهم مع الحزب الشيوعي التركي. لذلك، وعندما اشتدت الضغوط ولاحقته السلطات والجهات الأمنية اضطُر إلى العودة إلى سوريا متسللاً وألقى بنفسه في حضن قريته şiyé، وظل مختفياً بعض الوقت ثم سافر إلى حماه حيث عمل كمراقب للعمال، وزار السلمية وتعرف إلى أولاد الأستاذ محمد الجندي.
بالرجوع إلى مقطع من رسالة الأستاذ محمد الجندي التي وصلتني بعد وفاة حامد، حيث يقول: “كان اهتمامي بالفقيد منذ الأربعينيات بالدرجة الأولى لصفة حامد السياسية وصلابته، فقد كان ماركسياً لينينياً أممياً، ولم يلتزم أو بالأحرى فصل التزامه بالحزب الشيوعي السوري لرأي خاص به، وإن كان قد استمر مؤيداً له، حريصاً على نجاحه وتجاوزاته لصعوباته…”

 ماذا تعني جائزة حامد بدرخان؟ وما رسالتها للجيل الجديد من الشعراء الكرد …؟

لم أسمع بشيء كهذا، وإذا كان ثمة دعوة إلى تخصيص مثل هذه الجائزة حتماً ستكون من قبيل التقدير والاعتراف بمكانة الرجل وتخليداً لذكراه، وبنفس الوقت ستشكل دفعاً وتشجيعاً لأبناء الجيل الجديد من الشباب والشابات من المحبين للشعر والأدب عموماً، من أبناء شعبنا الكردي بشكل خاص، على غرار جائزة المناضل عثمان صبري التي أسسها بعض الأصدقاء في أوروبا، وقدمُوها للعديد من الأدباء.

 – اذا أردنا أن نقف عند محطات حامد الاساسية فما المحطات التي تعتبرها الاكثر تأثيراً في حياته ..؟

حامد بدرخان كان كتوماً جداً، لدرجة البخل، لذلك نادراً ما كان يدلي بتصريح أو اعتراف، أو حتى يقبل بإجراء مقابلة معه أو حوار مع الآخرين.
إلا أنني، وعلى مدى عقد ونيف تقريباً من صداقتنا والتعرف عليه عن قرب وملازمته حتى في حالات مرضه في المشافي، لم أستخلص منه إلا القليل جداً.
مثلاً قال لي ذات مرة: “إن الإنسان أحياناً يرتكب بعض الأخطاء ولكنه لا يستطيع تلافي آثارها مدى الحياة”.
ما استطعت استخلاصه أن ثمة علاقة لازمته وأحس بثقلها ولكنه لم يستطع التحرر منها.
لا أريد أن أحدد اسماً معيناً.
فقط ما أقوله في هذا السياق هو: “حامد بدرخان ينتمي إلى طبقة الفلاحين البسطاء وقروي المنبت والمنشأ، وقد ابتلي بلوثة الشعر مبكراً، وانتشر أفقياً وتجاوز شعره الحدود، لذلك من الطبيعي جداً أن لا يجد الراحة في الأوساط البرجوازية المخملية، ولكنه كان مكرهاً على ارتيادها بل والعيش فيها والتعامل مع أوساطها ومجاملتهم على حساب قناعاته الشخصية، وبما عُرف عنه من غرور واستعلاء…”

 كيف كان موقف المثقفين السوريين العرب من الكرد بشكل عام؟ ومن حامد بدرخان بشكل خاص ..؟

قلة قليلة من المثقفين العرب استطاعوا أن يحطموا “جدار الفصل العنصري” القائم منذ فجر التاريخ، وعلى استحياء، وعبروا عن آرائهم المتميزة واعترفوا بالوجود الكردي وب دور الكرد التاريخي وشراكتهم في الحياة السياسية والاجتماعية.
والمثقف الكردي ظل عرضة للإقصاء والتهميش وفق أجندات النظم المتعاقبة والسلطات الحاكمة، ونزولاً عن أحكامها وقوانينها المغالية في العنصرية والكراهية للآخر.
حامد كان حالة خاصة في هذا السياق، فقد قيِّض له نخبة من الفنانين والأدباء والشعراء لأنه كان بعيداً عن النزعة القومية ومنضوياً تحت لواء الماركسية كما أسلفنا.

 هل تعتقد أن المثقف العربي انصف الكرد في كتاباته ام ظل اسير الخطاب القومي التقليدي ..؟

لم أقع على أي أثر لأي مثقف عربي أو موقف يتطرق فيه إلى وجود الكرد أو تاريخهم وثقافتهم خلال نصف قرن قضيته في أوساطهم وشاركتهم في مناسباتهم في مجال الأندية والمنابر الثقافية والأدبية منذ الثمانينيات من القرن الماضي، لا بصفتي كشاعر كردي.
أول دعوة كانت من قبل أستاذي المرحوم محمود فاخوري للمشاركة في أمسية شعرية في نادي التمثيل العربي الذي كان يترأسه المرحوم شخصياً.
النادي كان عبارة عن غرفة صغيرة في الانطلاق الغربي قريباً من باب الجنين.

 – كيف تنظر إلى علاقة المثقف الكردي بالسلطة السورية خلال عقود الاستبداد؟

ثمة العديد من المثقفين الكرد انضموا إلى صفوف حزب البعث الحاكم ورفعوا لواءه، ولاَقوا القبول والاستحسان، وحققوا امتيازات ومكاسب شخصية. أما الغالبية العظمى فكان مصيرهم الإقصاء والتهميش والتجاهل بل القمع والمحاربة حال تمسكهم بانتمائهم وجذورهم أو تناول مواضيع تخص أو تخدم توجهاتهم القومية أو تروّج لها من قريب أو بعيد.

 – هل ترى أن المثقف الكردي كان في معظم الأحيان سابقاً للسياسي في التعبير عن المأساة .؟

السياسي الكردي، وضمن الإطار التنظيمي الضيق، لا يستطيع الإيغال في المعاناة أو تناول موضوعات تخص الجماهير وظروف معيشتهم، بينما المثقف الكردي حطم ذلك الإطار أو تمرد عليه لأنه لا يتسع لطموحاته وتطلعاته.
ما يستطيع تحقيقه أي مثقف أكثر بكثير من إنجازات السياسي في أي حزب أو تنظيم.
الشاعر جيكرخوين مثلاً في أواخر أيامه رجع من السويد ليصفّي علاقته مع التنظيم ويعلن طلاقه للتحزب والسياسة.
تقريباً مررت بتلك الحالة في التسعينيات.

 كيف يمكن للمثقف أن يلعب اليوم دوراً مضاداً لسياسات التذويب والطمس؟

المثقف الحقيقي سفير الجماهير وصوتها النقي وطليعتها في مجابهة الظلم والاضطهاد، لا بالكلام المنمق الجميل الذي يدغدغ العواطف ويحرك المشاعر، بل بالممارسة والجهد اليومي بالانخراط في صفوفها على اختلافها وكل البيئات، بذلك فقط يستطيع أن يكسب ثقة الجماهير وتعاطفها.
وحسب تجربتي الشخصية فإن الجماهير تملك من الذائقة والحس المرهف ما يمكنها من تمييز الغث والسمين والتعرف على خارطة التحولات واتجاهات البوصلة النضالية والانضواء تحت لوائها.
في هذا المجال قلت في أكثر من محفل إن المثقف الذي اختار البقاء في الوطن وبين أبناء جلدته وبقناعة تامة فقد لبس كفنه وآثر البقاء والتمسك بالأرض والكرامة، وربما العديد دفع ضريبة ذلك الموقف.
وفي قريتي المتواضعة، لولا وجود بعض المثقفين الذين صمدوا وجندوا أنفسهم ورفعوا معنويات الأهالي، لكانت الأضرار والخسائر أكثر بكثير.
هذا الكلام ينطبق على المرحلة السابقة والراهنة دون مبالغة.

 كيف تنظر الى النضال الكردي في سوريا خلال العقود الماضية؟ وما خصوصية مقارنته ببقية أجزاء كردستان؟

البعد القومي مفقود منذ البداية، والأحزاب الكردية كانت وما تزال أقرب إلى الجمعيات والأندية الاجتماعية التي يتداول فيها بعض الملتزمين برامجها والحديث عن الأوضاع المعيشية والمطالبة ببعض الحقوق الثقافية والاجتماعية، وكانت هناك مراوحة بين البعد القومي والوطني، والإبقاء على الفاصل القائم بينهما.
لمست وعايشت ذلك عبر محطات ومؤتمرات حزبية عديدة على مدى عقود.
عندما كنا نتطرق إلى البعد القومي كان الجواب: إننا سوريون ونقر بانتمائنا إلى سوريا.
وعندما نبدي بعض الملاحظات على هذا التوجه يأتي الهروب بالاتجاه الآخر، وضرورة اتخاذ البعد القومي بعين الاعتبار.

 – هل ترى أن الهوية الكردية في سوريا تعرضت لهزات عنيفة؟ أم إنها صمدت رغم القمع ..؟

أكبر هزّة مُني بها الوجود الكردي في سوريا كانت في الستينيات عندما قدّم الشوفيني محمد طلب هلال مشروع الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي، حيث تم تجريد ١٢٠ عائلة من الجنسية، وانتُزعت الأراضي من أصحابها ومالكيها الحقيقيين وأُخرجوا من بيوتهم، وتم جلب عشائر وأهالي منطقة الغمر وتم إسكانهم في قرى معدّة لاستقبالهم وإيوائهم، مما تسبب بنزوح الغالبية العظمى باتجاه أوروبا أو المدن الكبرى مثل دمشق وحلب.
لا ننكر أن الكثير من إخوتنا الكرد ظلوا متمسكين وصامدين في وجه تلك المشاريع.
أذكر في هذا المجال: عندما أصدر البارتي بياناً حول مشروع الحزام والإحصاء متضمناً عبارة لم ترقْ للسلطات الحاكمة (بما يعني أن نتائج هذين المشروعين ستكون وخيمة ولا يعلمها إلا الله) تم اعتقال الغالبية العظمى من أعضاء القيادة: سكرتير البارتي دهام الميرو، محمد نذير، حميد سينو، أمين شيخ كُلين، وآخرين لا تحضرني أسماؤهم.

 – كيف تقرأ دور الشعر في حماية الهوية عبر العقود الماضية ..

لا شك أن الشعر هو الحصن الذي حفظ ذاكرة الشعب وتاريخه، وهو لسان حال الجماهير.
يمكنني الإشارة إلى مرحلة الثمانينيات والتسعينيات حيث تنامى الوعي القومي وازدادت المصادر والكتب الكردية وأصبحت في متناول اليد، وتراخت سلطة الإعلام وتغاضت عن إصدار ونشر وطباعة العديد من الكتب باللغتين الكردية والعربية، متناولة قضايا ومواضيع تخص القضية الكردية أو تتناول جوانب من ثقافتها.
لذلك نشط المثقفون وتبلورت فكرة إقامة المهرجانات الشعرية والأمسيات القصصية وطُبعت بعض الروايات وصارت في متناول اليد، وصولاً إلى المستوى المقبول حالياً.

 ماالذي يعنيه لك ان يكون الشاعر مناضلا مثل حامد بدرخان ..؟

قلت إن الشاعر هو الترمومتر الذي يشير إلى نبض الجماهير ويسجل اهتزازاتها. وحامد تحديداً اكتسب صفته النضالية في مرحلة وجوده في تركيا وانضمامه إلى صفوف اليسار التركي.
تُوّج ذلك عندما عاد إلى سوريا وقرأ الناس نتاجه المصبوغ بالعلمانية والماركسية، ونال القبول والرضا.
من المؤكد لو كان توجهه قومياً لما ذاع صيته أو احتضنه المثقفون العرب.

 كيف كان تفاعل الشارع الكردي مع قصائد حامد بدرخان في زمن الاستبداد ..؟

الشارع الكردي لم يتعاطف كثيراً مع قصائد حامد، لعدم تناوله قضايا تهم الجماهير الكردية، لأنه كان عالمي الانتشار، يصدر اهتزازاته باتجاه أفقي إلى كل أصقاع العالم وشعوبها.
أحياناً كان يضمن قصائده بعض الأسماء والرموز الكردية المعروفة تاريخياً.
وكما قلت في موضع آخر، إن بعض الحضور في مهرجان ١٩٩٤ للشعر الكردي اعترض على فكرة تكريمه بحجة أنه لم يكتب أو ينشر باللغة الكردية.
وأعتقد أن حامد تنبه إلى هذه الظاهرة في أواخر حياته وأبان مرضه. ولا أدعي الفضل فقد كنت إلى جواره في تلك المرحلة الصعبة في المشافي وأيام اشتداد المرض، جنباً إلى جنب مع صديقه المرحوم أبو فؤاد وزوجته نازلي خليل، ولم أجد أحداً من البطانة التي كانت تتظاهر بمحبته والإعجاب بمكانته الشعرية.

 -ماذا عن تجربتك في حلب؟ كيف شكلت رؤيتك الادبية والسياسية .؟

حلب استهلكت نصف قرن من عمري: طفولتي، شبابي، وسنين العمل الوظيفي.
قدمت إليها طفلاً في سن الثامنة وغادرتها مكللاً بالشيب بعدما أُحلت على المعاش.
يتيماً دخلتها ويتيماً غادرتها؛ طفولة بائسة، فقر، جوع، وحرمان من حنان الأم وعطف الأب.
أحسست بالمسؤولية مبكراً، أكملت دراستي بمراحلها الثلاث، وعملت في العطل الصيفية في أكثر من مجال.
تزوجت وأنجبت أربعة بنات وثلاثة أبناء، علمتهم وسكنت بالإيجار أربع سنوات.
عام ١٩٧٣، وبعد أداء الخدمة الإلزامية، تم ترشيحي للعمل في جامعة حلب من قبل دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل.
مع العمل الوظيفي وعبء تربية أربعة أطفال حينها وسكن بالإيجار، تقدمت إلى امتحانات الثانوية العامة الفرع الأدبي، وكان تعييني في الجامعة على أساس الثانوية العامة القسم العلمي.
تم قبولي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وببطء شديد أنهيت دراستي الجامعية مع العمل الوظيفي في عام ١٩٨٨، وتم تعديل وضعي بعد ثمان سنوات، نقلي من الفئة الثانية إلى الفئة الأولى.
أحببت المطالعة والرسم والنحت، وانتسبت إلى مركز فتحي محمد للفنون التشكيلية، ولكن الأساتذة أجمعوا على أنني في غنى عن هذه الدورات الأربع على مدى عامين، لأنني أمتلك من الخبرة والتقنية اللازمة.
في النهاية توقفت عند الشعر، لأن ممارسة الرسم والنحت مكلفة وتحتاج إلى سيولة نقدية.
بدأت الكتابة في سن مبكرة، نهاية ١٩٦٠ تقريباً، وخلال دراستي في كلية الآداب وبتشجيع من أساتذتي الأفاضل بدأت النشر في الصحف المحلية وشاركت في العديد من الأمسيات الشعرية (كلية الآداب، مقر اتحاد الكتاب، المركز الثقافي، مقر نقابة المعلمين، النادي الفلسطيني…).
نشرت قصائدي في الصحف المحلية والعربية مثل مجلة “أضواء اليمن” ومجلة “السراج” العمانية.
عام ١٩٩٦ طبعت مجموعتي الأولى والوحيدة “ملهاة التجدد والأيام” على نفقتي الخاصة وبموافقة اتحاد الكتاب.
لدي العشرات من دواوين الشعر باللغة الكردية (١٠) ومثلها بالعربية، وكلها مخطوطات علاها الغبار وأتلفتها الرطوبة.
أود أن أشير إلى أن قصائدي الكردية نُشر بعضها في مجلات Peyv، Gulan، دجلة، ومتين.

 – هل كنت تنوي كتابة مذكراتك؟ وما الملامح الأساسية التي تراها ضرورية لتوثيقها ..؟

لم أفكر بذلك إطلاقاً، ما عدا كتابة بعض اليوميات عن مراحل متفرقة تصلح كوثائق على محطات معينة من حياتي.
أعتقد أن المسار قد توضّح من خلال الإجابة عن السؤال ٢٦.

 كيف ترى مسارك الشخصي منذ بداياتك الادبية حتى اليوم ..؟

سبق وأجبت عن مثل هذا السؤال..

 – لماذا قل نشرك في السنوات الاخيرة وما السبب العميق وراء هذا التراجع ..؟

النتاج الأكبر كان في الثمانينيات والتسعينيات.
بعد الإحالة على المعاش والنزوح إلى القرية لم أكتب إلا القليل من الخواطر والقصائد، وما يشبه اليوميات بشكل متقطع.
لم يكن ثمة مجال لممارسة أي نشاط ثقافي في القرية رغم وجود العديد من حملة الشهادات الجامعية لكافة الاختصاصات، وقد نزح أكثرهم بحثاً عن الأمن والاستقرار.

 ما المشاريع الكتابية التي تؤمن أنك ما تزال مديناً بها للقارئ..؟

الوضع المعيشي والظروف السياسية قتلت الرغبة في الكتابة، خاصة التحولات الأخيرة مع الأزمة السورية والنزوح إلى القرية والابتعاد وصعوبة التواصل.
تم ذبح كل الآمال والتطلعات والرغبة في الكتابة.

 كيف تنظر إلى الشعر الكردي اليوم مقارنة بجيل حامد بدرخان…  ؟

بداية الانطلاق كانت ٢٢/١٠/١٩٩٣–١٩٩٤ بإقامة مهرجان الشعر الكردي في قلعة النبي هوري في ٢٢/١٠ تخليداً لذكرى الشاعر الكبير جيكرخوين.
تشكلت الهيئة المؤسسة من الدكتور عبد المجيد شيخو، والأستاذ حيدر عمر، والشاعر روخاش زيفار، وكاتب هذه الكلمات الشاعر ديرسم ممو (محمد عثمان).
قبل شهرين من الموعد، وجّهنا رسائل إلى معظم الشعراء الكرد في الجزيرة ودمشق وكوباني وعفرين.
تسلّمنا النتاج وفق أرقام واخترنا الأنسب وبلغنا أصحابها ودعوناهم رسمياً لحضور المهرجان، وكلفنا بعض الشباب لاستقبالهم وتأمين وسائل النقل والطعام اللازم.
حضر ما يقرب من ٤٠ شاعراً: من الجزيرة (سيداي تيريج، صالحى حيدو، فتح الله حسيني، خمكيني رمو، عمري لالي…)، من دمشق حضرت ديا جوان (زينب شوزي)، ومن عفرين عارف تلسلوري، مومي ولات، شيركلي كل، والمرحوم أديك عازف البزق.
وفي ١٩٩٤ حامد بدرخان حيث تم تكريمه وألقى قصيدة بعنوان “şîyê” لأول مرة.
بعد ذلك تم إقامة المهرجان في نطاق محلي سنوياً: الجزيرة، عفرين.

 ما تقييمك للقصة الكردية المكتوبة بالعربية …؟

لا جواب.

 هل ترى أن الرواية الكردية استطاعت أن تعبر عن مأساة الكرد كما فعل الشعر ؟

هنا في الداخل قرأت رواية الصديق آزاد علي (yên perîşan) وقيمتها في ذلك الوقت وأعجبت بها شكلاً ومضموناً.
ما صدر في الشتات لمحمد أوزون، فرات جواري، سوركلي وآخرين لم أطلع على نتاجاتهم بشكل مباشر إلا ما تيسّر عبر مجلة (Nû Dem) وإصدارات جنوب كردستان.
للحقيقة إن تأثير ودور الرواية لم يكن بأقل من الشعر في إيقاظ الحس القومي وتناول قضايا الجماهير ومعاناتهم.

 ما التحديات التي يواجهها الكاتب الكردي الذي يكتب بالعربية أو التركية ؟

في الآونة الأخيرة ارتفعت أصوات، وتحديداً ممن تمكن من الوصول إلى أوروبا، تصر على ضرورة أن يكتب الكردي بلغته، وإلا فلا يمكن إدراج اسمه في قائمة الأدباء والشعراء الكرد.
أنا شخصياً أتحفظ على هذا الرأي، والسبب، سواء كان في سوريا أو العراق أو تركيا أو إيران، أننا في سوريا ثقافتنا تنهل من المصادر العربية، ولم نتعرف على الأبجدية الكردية إلا بشق الأنفس.
ورغم كل الصعوبات استطعنا أن نتعلم لغتنا ونكتب بها، وللصراحة حتى اليوم كتاباتي بالعربية أغنى من حيث المضمون والشكل من تلك التي أكتبها بالكردية، والسبب هو قلة المصادر والمراجع، على أيامنا على الأقل.
كنا في الستينيات نستخرج الكتب الكردية من تحت التراب وقريباً من جذور الأشجار وكأننا نكتشف كنزاً ثميناً من الأوراق المصفرّة والمهترئة، نقلب صفحاتها بحرص شديد ونعيد نسخها على دفاتر وأوراق جديدة ونضمها إلى مكتباتنا المتواضعة، وعلى حذر وخوف.

 كيف يمكن للمشهد الأدبي الكردي أن يخرج من المحلية الى العالمية ..؟

هذا ما أقدر على الإجابة عليه، أرجو المعذرة.

 ما قراءتك للتاريخ الكردي في علاقته مع القوى المهيمنة منذ العهد الإسلامي وحتى اليوم …؟

حوادث التاريخ الكردي توزعت على مسارين:
الأول تجلّى في الثورات المتتابعة بارتجالية ينقصها التنظيم وتفتقر إلى البرامج الفكرية والسياسية، وكان قادتها من الشيوخ والشخصيات الدينية.
قابل ذلك وجود قوى وشخصيات مناهضة لتلك التطلعات ومرتبطة بالسلطات الحاكمة في الدول المتقاسمة لأرض كردستان، لذلك كان المولود المنتظر يسقط ميتاً في المهد.

 كيف ترى موقع الكرد في اتفاقيات مثل سايكس بيكو ولوزان؟ ولم ما زالت آثارها مستمرة …؟

كان صوت الكرد مغيّباً أصلاً في تلك الاتفاقيات، ولا صوت إلا عبر قنوات فردية ومحدودة الفاعلية، مقابل الزخم في التمثيل وتركيبة وفود الدول التي تتقاسم كردستان، لذلك كانت النتائج والمخرجات ليست على المستوى المرجو بخصوص حقوق الكرد.
وبرأيي فإن الموازين بدأت تتغير، على الأقل في المجال الإعلامي وتطور وسائل الاتصالات وتنامي الوعي القومي على مستوى الكرد في كافة الأجزاء، إضافة إلى دور الكرد في دول الشتات عموماً.

 هل ترى أن كتابة التاريخ الكردي ما تزال ناقصة أم أنها بدأت تتبلور ..؟

لا جواب حسب المعلومات المتوفرة لدي.

 كيف يمكن أن نوفق بين التاريخ الشفهي الكردي والتدوين الحديث …؟

لا شك أن التاريخ الشفاهي يكون عرضة للضياع والنسيان والتحريف على مر الزمن نتيجة الكوارث والأحداث وموت الكثير من حافظيه، لذلك كان التدوين والتوثيق والأرشفة أفضل وسيلة لصيانة وحفظ هذا التاريخ وتركه مرجعاً للباحثين والمهتمين وللأجيال عامة، لأخذ العبر من الماضي وإسقاطاته على الحاضر المعاش.

 ما أهمية كتابة السيرة الذاتية للشخصيات الكردية الكبرى لحماية الذاكرة ؟

لا شك أن السيرة الذاتية ليست شأناً شخصياً خاصاً بالكاتب، بل هي مزيج من الانطباعات والتداعيات والأحداث والمستجدات الشخصية الخاصة جداً، ومثيلاتها في الإطار العام والمحيط الذي يعيش فيه الكاتب، بحيادية ومهنية.
ومن المؤكد أن السيرة الذاتية تشمل العديد من الجوانب والمناحي الحياتية لأصحابها، وتوثق أحداثاً ومحطات هامة ودقيقة في الحياة، وتظهر جوانب هامة قد لا نجدها في باقي الأنواع الأدبية كالشعر والقصة والرواية وحتى المسرحية، لأنها تأتي استرسالاً لقريحة الكاتب وتواتراً عفوياً عارياً من مستحضرات التجميل اللغوية والإخراج الفني المتكلف.

 كيف تقرأ واقع الكرد في سوريا بعد أكثر من عقد من الثورة والحرب …؟

ربما لا نتفق على تسمية المرحلة “بالثورة”، وبغض النظر عن هذا الاختلاف، فإن الوقع الكردي لم يكن بإرادة وتصميم الكرد أنفسهم، بل جاء نتيجة لمغازلة الأطراف المتصارعة، بغية تحييد الكرد ووقوفهم على الحياد على الأقل ريثما ينتهي الصراع وينتصر أحد الطرفين، بعد ذلك تتبلور المواقف النهائية كما يحدث الآن.

– هل ترى أن القوى الدولية جادة في إعطاء الكرد حقوقهم؟ أم أن مصالحها هي الأساس …؟

القوى الدولية تتحرك وفق مصالحها بالدرجة الأولى، ودائماً تبحث عن الطرف القوي الذي ينوب عنها في المجابهة ويصون مصالحها دون أن تحشد قواتها أو تخسر ولو جندياً واحداً من قواتها.
الكرد في الوقت الراهن وصلوا إلى مرحلة من القوة وإثبات الوجود ما يؤهلهم لاستلام زمام المبادرة في الأحداث وفرض أنفسهم كقوة فاعلة ومرجّحة في ترسيخ الخطط والخرائط المرسومة مجدداً لعالم جديد وكيانات جديدة.

 – ما السيناريوهات المحتملة لمستقبل سوريا برأيك …. ؟

حتى الآن، بالنسبة لي على الأقل، ليس ثمة سيناريو مرجح، واللوحة ضبابية ومتأرجحة، والقوى المتصارعة والساعية إلى الفوز والتفرد بالقرار كثيرة ومتباينة في القوة والفاعلية، والدول الكبرى تتفرج عن بعد ريثما تتم الغلبة لأحدهم، حينها تباشر في التنفيذ بالاعتماد على الفائز.

 أين ترى موقع الكرد في أي حل سياسي مقبل .؟

موقع الكرد هم من يحددونه باتحادهم، وقوتهم كامنة في هذا الاتحاد، والعالم كله حالياً مبهور إعلامياً بما أنجزه الكرد في المجال العملي واتخاذ البرامج والسياسات الفعالة في لعب دور إيجابي وفعّال لرسم الخارطة الجديدة في المنطقة التي يتواجد فيها الكرد على الأقل.

 كيف تقرأ دور المرأة الكردية في النضال السياسي والاجتماعي ..؟

ما حققته المرأة الكردية أصبح مفخرة ليس للكرد فقط بل لكل نساء العالم وقياداتهم العسكرية والسياسية، ويستحق الفخر والاعتزاز، ليس في مجال حمل السلاح أو خوض المعارك جنباً إلى جنب مع الرجل، بل في كافة مجالات الحياة العلمية والتقنية والتجارية وعلوم الفضاء حتى.
وهذا المستوى الذي وصلت إليه المرأة الكردية مدعاة للفخر والاعتزاز كما أسلفت، ويستحق الدعم والحفاظ عليه بل ومساعدتها على تحقيق المزيد من النجاحات.

 – ما مصير عفرين في ظل الاحتلال التركي؟ وهل لديك أمل باستعادتها ..؟

الموقف من عفرين ضبابي حتى الآن، وليس ثمة رؤية واضحة حول مصيرها وما ستؤول إليه الأمور.
الأطراف الإقليمية في صراع بارد وخفي على مستقبل عفرين، وتركيا لن تتخلى عن عفرين بسهولة ودون مقابل.
هناك مشاريع مقايضة بين الأطراف بما فيها الكردية.
حتى الآن لم يصدر أي موقف واضح وصريح حول مصير عفرين.
السلطة الحالية تحاول ربط مصير عفرين بحلب، وتركيا مصرة على ضم حلب إلى ولاياتها بشتى الأساليب، ولا بارقة أمل حالياً.

 كيف يمكن أن يعاد الاعتبار للضحايا الذين هجروا من بيوتهم في عفرين ..؟

لبعض الجهات الكردية دور بارز وفعّال في عملية التهجير ولا يمكن نسيانه أو تجاهله، وتم ذلك وفق رؤية ضيقة ومنظور حزبي، وليس من منطلق الحفاظ على الوجود الكردي، رغم أن الادعاء كان هو الحرص على الكرد، ولكن لم تكن ثمة مصداقية لهذا الطرح.
المهجّرون كانوا بمثابة رهائن أو دروع بشرية لتلك الجهة، ليس هذا فحسب، بل واتُّهم الأهالي الذين تمسكوا بأراضيهم وممتلكاتهم ولم يمشوا في ركابهم بالخيانة.

 – ما رسالتك للشباب الكردي الذين يعيشون اليوم بين اليأس والأمل….؟ 

تفاءلوا أيها الشباب، فالبوصلة السياسية تتجه بالاتجاه الصحيح، والأمل كبير ومرهون بوحدة الصف الكردي والتخلي عن التوجهات الفردية وإقصاء الآخر أو تجاهله، وبكم أنتم وقدراتكم يمكن التحكم بضبط الموازين.

 كيف يمكن للمثقف الكردي أن يخاطب العالم بلغته الخاصة من دون الوقوع في التبعية ..؟

بقدر ما يحافظ المثقف الكردي على لغته ويجهد نفسه في العناية والتمسك بها وتعميمها على كافة مرافق الحياة، يستطيع أن يثبت ويعزز موقع الكرد في العالم وجوداً وثقافةً ولغة.
والمبادرات الأخيرة دولياً تثبت ذلك؛ دخول اللغة الكردية رسمياً إلى قاموس اللغات الأخرى والمدارس الخاصة بالكرد، وآخرها افتتاح حديقة وشارع في باريس تحت اسم “البيشمركة”، يُعتبر علامة مضيئة على طريق المستقبل.

ملاحظة: الحوار تم في بدايات العام 2024 وكان مخصصاً لكتاب حوارات مع مبدعين مقربين- هو منهم- إلا أن نيل الشاعر جائزة حامد بدرخان حفزني لنشره، الآن.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فرمز حسين

 

هناك بعض الكتابات الأدبية التي تبقى حية بعد كاتبها بأجيال بل وبدون مبالغة نستطيع القول بأنها قد تكاد تكون أزلية، أعمالاً لاتزول بالتقادم و مرّ السنين بل تبقى جديرة بالمتابعة و القراءة و كأنها كتبت في الأمس القريب و من بين تلك الأعمال كتابات السويدي “بير لاغركفيست” ليس لجمالية نصوصها و لا لثراء أدوات…

أعلنت دار خياط للنشر في واشنطن عن صدور الرواية الثامنة للكاتب والروائي السوري مازن عرفة تحت عنوان «نداءات المرايا» في طبعتها الأولى لعام 2026.

يقدم الكاتب في هذا العمل نصاً سردياً يمتد على أكثر من (272) صفحة، مغلفاً بغلاف يعكس روح العمل الاستيهامية، ليضيف لبنة جديدة إلى مكتبة الرواية العربية المعاصرة، التي تمزج بين الواقع والوعي…

كردستان يوسف

عبرت…
لا الشوارع
بل ارتجاف المعنى
عبرت إلى برودة الغربة
وشالي الأزرق
يلوح بأنفاس متعبة
كراية نجت من حرب

آن الخريف
فماذا عسى الخريف أن يمنحنا؟
تطايرت سنواتنا
قبل أن نتقن
فن الانهيار

ناداني صوت طفولتي
عودي…
فكيف أعود؟
والشمس في بلادي خجولة
تختبئ خلف سحب القيود
وافتقد من يرسم لأنوثتي ظلاً
افتقد كتفاً يسند تعبي

الريح تمسح آثار قدمي
كأنها تخشى
أن تنبت خطواتي أزاهيراً…

وشمُ الليل، ليشكل إضافةً نوعيةً إلى المشهد الشعري المعاصر، ويعلن عن ولادة صوتٍ أدبي شاب يحمل في تجربته عمق الألم الإنساني وصدق التعبير عن الذاكرة والغياب.

في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات وتتشابه الأصوات، يأتي هذا الديوان ليقدم تجربةً شعريةً مختلفة، عميقة، ومشبعة بحس وجودي واضح؛ حيث لا تكتب القصيدة بوصفها ترفاً لغوياً، بل باعتبارها ضرورةً داخلية،…