عندما يتحوّل المنفى إلى تميّز…

آناهیتا حمو. باريس

آريا ورسالة الإنسانية إلى العالم
في هذا الصباح الباريسي الجميل، أشرقت أخبار الأمل والفرح في القلوب. فقد وصلت رسالة سلام من حفيدةٍ للمنفى، تلك الشابة التي نشأت بعيداً عن مدينتها الأم قامشلو، لكنها حملت وطنها في قلبها أينما ذهبت. لم تسمح للمنفى أن يتحوّل إلى جدارٍ من العزلة أو الضعف، بل جعلت منه طاقةً للإبداع والتميّز والنجاح.

آريا، حفيدة والدي الحكيمة، هذه الطالبة المتألقة، استطاعت أن تحوّل تجربتها الإنسانية إلى رسالة دبلوماسية وثقافية نبيلة. فقد مثّلت فرنسا في مناظرة ثقافية، حاملةً صوت الإنسانية وصوت الأطفال والمدنيين الأبرياء ضحايا الحروب دون أي ذنب اقترفوه. تحدّثت بنضج وروح مؤمنة بأن الثقافة والحوار يمكن أن يكونا جسراً نحو السلام، وأن المعرفة وحدها قادرة على إنقاذ البشرية من مآسي الحرب والكراهية.

هنيئاً لكِ يا آريا هذا النجاح الكبير، وهنيئاً لعائلتك ووطنك بهذا الإنجاز الثقافي الكردستاني والفرنسي، الذي يعكس الصورة المشرقة لجيلٍ يؤمن بالعلم والإنسانية. لقد كنتِ صورةً مشرّفة لحفيدات ذلك الجد العظيم والدي الخالد الذكر صاحب الذاكرة الخالدة، الذي زرع أرض الوطن بحب العلم والجد والنجاح بالعمل والإصرار والكرامة، ليحصد روحه اليوم نجاح أبنائه وأحفاده.
ما يميّز هذه الفتاة الذكية واللامعة أنها لم تحتفظ بتجربتها لنفسها، بل أرادت من خلال لقائها التلفزيوني عبر قناة الوطن Welat. TV، أن تنقل رسالةً إلى الأجيال الكردية الشابة، مفادها أن الإنسان قادر على حمل تجربته الإيجابية ومعرفته إلى أي مكان، وتحويل المنفى والصعوبات إلى قوة داخلية وشخصية مُلهمة.
آريا تدرك بعمق الفرق بين المدن الكبرى الغنية بالفرص الثقافية والمناظرات والدبلوماسية، وبين المدن الكُردية الصغيرة التي ما تزال تعاني من محدودية الإمكانات وفرص التدريب. لكنها تؤمن إيماناً راسخاً بأن الإرادة أقوى من الظروف، وأن الطموح قادر على صناعة النجاح حتى في أبسط البيئات وأكثرها تواضعاً.

كانت رسالتها الشابة الجميلة بطموحها وإنسانيتها وروحها المحبة للمسؤولية، الأولى واضحة وعميقة: المثابرة والتعليم هما الطريق الحقيقي لبناء الإنسان، وأجمل وسيلة لمواجهة الجهل والحروب وإنقاذ المدنيين الأبرياء. فما ذنب الأطفال والأبرياء الذين يفقدون حياتهم في الحروب؟ سؤال حملته آريا بصدق ووعي لتقول للعالم إن السلام يبدأ بالكلمة، وإن الثقافة قادرة على إنقاذ الأرواح.
إن قصة آريا ليست مجرد حكاية طالبة متفوّقة، تمثل ما تحمله عائلتها من قيم بناء الإنسان لا بل هي قصة جيلٍ كامل يريد أن يحوّل الألم إلى أمل، والمنفى إلى نجاح، والتجربة الإنسانية إلى رسالة نور للأجيال القادمة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

باسم إدارة وهيئة تحرير موقع ولاتي مه، نتقدم إلى الكاتب م. محفوط رشيد بأصدق مشاعر التعزية والمواساة في رحيل زوجته المغفور لها بإذن الله صافو مجيد حسن، شقيقة المرحوم الكاتب والسياسي توفيق عبدالمجيد حسن ، بعد رحلة طويلة من المعاناة مع المرض.

لقد تلقينا هذا النبأ…

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويقدّم عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية بالتأمل،…

خليل عبدالقادر Kalil Kader

في تلك السنوات وفي تلك المدينة” الحسكة” التي كانت تعيش على ضفاف الخابور كنت أسترزق من تعبي وبعرق جبيني. وكان لي ملف محترم عند فروع المخابرات” ماركسي يتعاطف مع الكرد. حاولت أكثر من مرة أن أبدّل هذا التصنيف، لكنني فشلت. كانت الأجهزة الأمنية أكثر تمسكاً بأفكارها عن الناس من الناس أنفسهم.
كان أصدقائي…

صبحي دقّوري

لم يكن رحيل إدغار موران خبرًا عابرًا في صحيفة، ولا تفصيلًا ثقافيًا يضاف إلى سجل الغياب الطويل. كان رحيله انطفاء مصباح فكري ظلّ، طوال قرن كامل، يضيء زوايا العالم المعتمة، لا بضوء اليقين المتعالي، بل بضوء السؤال، والشك، والربط، والإنصات العميق إلى تعقيد الإنسان والتاريخ والحياة.

رحل موران، لكن فكره لا يرحل. فبعض المفكرين يموتون…