مروة بريم
لوَّحت إنجي أويرباخر ذات الأعوام السّبعة بيدها، ظننتُ أنَّها تلويحة وداع من صغيرة، بلغَ بها الّلهو حدَّ الجنون ورفع الأدرينالين إلى مستويات خيالية، فاشتاقت لذراعين عطوفين تعيدان إليها التّوازن والسَّكن، أوشكتُ أن أُشيحَ بوجهي وأتركها لشأنها، لكنّ وميضاً لافتاً انبعثَ من عينيها قبض على قلبي بقوَّة، وأثار شريحة مولعة بالأشياء الفريدة تحتلُّ ناصيتي، وتمنح الضَّوء تأشيرات المرور إلى روحي، ليرتدَّ رأسي ويهدمَ إطاره القحفي، ويتحوَّلَ إلى قاعة مفتوحة تزدحمُ جدرانها بعالم الهولوغراف الغرائبي، لم أجد مهرباً من الرّضوخ لإشاراتها الملحَّة، وأرخيتُ يدي من كل ما يحيط بي، ولبيْتُ دعوةَ قناديل حدقتيها.
دنوتُ منها وبي بعض وَجَس موسى من قبس الوادي المقدَّس، بَيدَ أنَّ زائرتي ابتعدت بطرفةِ عين وتضاءل حجمها في الانزلاق السَّريع، حتى بَدَتْ كسرابٍ يهذي بأمنيته الوحيدة قرب أفقٍ نأى بنفسه عن العالم، كنتُ هزيلة الحَوْلِ ولا طاقة لي، لأستعينَ بها على الانتظار ومراقبة أي حركة في مكان خلا من كل شيء، لكنَّ فراشة الخيال نسلت خيوط حيرتي وعادت بذات السُّرعة، وصارت قريبة قَدَرَ امتداد ذراعين وبما يكفي لأقنصَ تفاصيلها البريئة بدّقة، وبعيدة بطريقة مؤلمة أعجزتني عن جس طراوتها، واستنفرَ خيالي عن بِكرة أبيه كوشقٍ إيبيريٍ جائعٍ وقع في شراك طريدة عصيَّة، حاولتُ الاقتراب لأضُمَّ براهين اللَّمس لما أرى، قفز بيننا وشيعٌ لولبيٌّ مدجَّجٌ بأشواك معدنية، كأنَّها عقارب حنَّطها زبانية الحدود بصُهارة الحديد، وفشلتْ قدمايَ في تجاوز المسافة المحرّمة بيننا، فاكتفيتُ بمشاهدتها في المدى المسموح، وعندما استولت على كل انتباهي، صارت أكثر وضوحاً وحريةً، وأخلَت سبيل ابتسامة فاترة، ما لبثَت أن تحوَّلت لخطَّين شاقوليين متوازيين بين حاجبيها، وبدأت تتصرّف على نحوٍ أكثرَ جديَّةً، انحنت والتقطتْ من الأرض دُمية توزَّعت على هيكلها الرَّخو كدمات داكنة، وكبرت لهنيهات واحتضنتها بلهفة، تلوَّن وجهها المستدير بقلق الأمومة المؤجلة، وبدأت تطبطبُ وتمسح على الرَّأس المحشور في ثنية مرفقها بلا حراك، وتطعمها قُضيمات صغيرة من حلوى صوتها الملائكي، الّذي كان يتناهى إلى مسامعي مبتوراً، كما كانت تفعلُ سعالي الرّيح بهدير معصرة جبيه Çipêفتنقضُّ عليه في ليالي الصَّيف البعيدة، وتصلُ بعض أشلاء صيحته المهدورة مجذومةً إلى بيوت بلدة راجو.
رغم السّكون الشَّديد وانشغالي الكُلِّي بها، شيءٌ ما كان يبعثرني، ولم أتمكَّن من معرفة ما تبوح به شفتاها المختلجتان للدَّمية، سوى اسم مارلين المخمليَّ الملمس والَّذي مرَّ بخاطري كخميلة من زهور القَطيفة، وبكثيرٍ من انفعال المُحبِّ الملتاعِ والملدوغِ من جحور الفقد، راحت تصفع خدَّ صاحبتها السَّاكنة، وتحاول انتشالها من غيبوبة طويلة، ثم رفعتها بكلتا اليدين وهزّتها بعنف دون أن يرفَّ جفنٌ للكتان المحشو بالقصاقيص، تأملتُ ثوبها الأسود المتوَّج بياقة ناصعة مزركشة الأطراف تطوّقُ عنقها الغض، تألَّمتُ لهذا العقعق الأوراسي المضطرب، الَّذي خسر أجنحته بسرب رصاصات غادرة، بينما كان يواري سوأة بشرية ويخطّطُ لإخفاء أخرى، فهاج الكلام المحتقن في صدري:
ـ كم نحتاج الدُّمى يا إنجي، لنقول لها أشياءنا التي لا نستطيع أن نجاهر بها لعالمٍ يطعن ويمضي، كنتُ أملك واحدة في صغري، أذكر يوم انتهت أَمّي من تجهيز هيكلها الخارجي، قضتْ وقتاً أمام سور الدّار، تُخرِج كرات الشّعر التي كانت تحصدها أسنان المشط، من شعري الغزير وبقية إناث البيت، والَّتي كانت تدسُّها في الشّغور الصغيرة بين حجارة السُّور، أخرجتها كلَّها وملأت المجسَّم القماشي حتى انتفخَ وشَبِه البَشر، تلك التي خُلِقت من أصابع أمّي كنت أناديها في سِرّي إيفا، صاحبتُها لفترة ودأبتُ على تغيير عينيها اللتين فشلتُ في حملهما على مطارحتي البكاءَ وإخباري بما ترى، وعندما عجزتُ عن زرع ذراعين بحجمي في أطرافها، استغنيتُ عنها وتركتُها في العراء، وبدأت آكلُ محيطي بعينيَّ المزوَّدتين بكاشوفٍ، جعلني أُبصر وأنضج مبكراً، وأعيش اغتراب حبة تين دفعتها الظّروف لارتكاب مخالفة موسمية، وخافت أن تُفصحَ عن عُصارتها في الشّتاء، فتدمَّلت الحلاوة في جوفها وصارت تأكلها بصمت، النّاضجون يا صغيرتي موتى لا يحظَون بترف التُّراب بسهولة، كلٌّ منَّا التقى الجنرال إيخمان بطريقة مختلفة ونال حصَّته من الاحتراق، المحظوظون هم الَّذين التقمتهم النّيران في دقائق وارتَقَوا إلى السَّماء ثريَّات تنعمُ بفضيلة النّور العميم، ومعذَّبو الأرض الّذين لم يحالفهم حظ الوصول السّريع إلى خطِّ النّهاية، لفحتهم رُقية النّار وعاشوا حصوناً منيعة أمام محاولات الماء في إخمادهم، بعضهم انطفأ بالموت البطيء، والبعضُ الآخرَ مازال يحمل حروقه دون تذمُّر، ويؤدي شعيرة الانتظار حتى الرَّمق الأخير لجمرة، ليتكِ تسمعين صرير زجاج النواقيس المهشّمة في روحي، وتبصرينَ كهنة النَّار وهم يستمتعون بفرقعة أصابعهم في عمقي المدلهم، كم أُشفقُ عليكِ وأنتِ تحاولين بكل ما تكدَّس فيك من يأس الحصول على أذن صاغية، وتصويب الاعوجاج في عالمٍ استعذبَ الانغماس في الخطيئة.
لستُ متأكدة فيما إذا فَقهت هَذَري، ربما استيقظ سخطي القديم على شفا الوجع، وأردتُ أن أستعيد إيفا في مارلين وأُنصفهما في إنجي ونفسي العتيقة.
ازدردَّت نزيلةُ الرُّوح خيبتها واستدارت بغضبٍ، حرَّكت سبابتها بشكل دائري، وفتحت هوَّة كبيرة في الهواء، ودلفت نفقاً أشعرني استفراد الَّلون الأبيض به بشيٍ من الضّيق، تدخَّلت جوقة من الألوان في نهايته وأنقذتني من الاختناق، بدا كأننا في مستهلِّ زقاقٍ قُدَّ من سماء خريفية، تتدلَّى من عليائه أتيال القطن النَّاضجة، وفي الوقت الذي كنت أرتب فيه دهشتي، خرجَ المكان من مخبئه وصار جليَّ الملامح، وجرَّدتني السَّاحرة الفاتنة من بقايا إرادتي، وطفقت تجرُّ رأسي خلفها، تتنقل بخفَّة في خرابة كانت في صباها مدينة، ووقفت بحزنٍ مهيبٍ عند منزلٍ تسلق لبلاب هيدرا القراميد الرّمادية الكئيبة لسقفه الجَمَلوني، تغضَّنَ وجهها لنسمة جريئة، لم تستطع منعها من التّحرُّش بطيات ثوبها الأنيق والذي كان ما يزالُ محتفظاً بحرارة الكي، ودفعت باباً يتصل بحديقة تنكَّرت أشجارها للهواء ووجمت عن الحفيف.
كان المطبخ خاملاً خلف الباب، تجاوزته وارتقت سلالم خشبية استبقت بعض لمعتها البنيّة وتنتهي إلى طابق علوي، وعادت تحتضن ثوباً يعود لامرأة مكتنزة، ومدّدته في وضعية الجلوس على كرسيٍ لم يخنه الخيزران، وأخرجت من أحد الرّفوف مريولاً وربطته بعناية إلى خاصرة الثَّوب الفارغ، وأخرجت مِرقاقاً خشبياً وآنية معدنية عميقة من إحدى الدّروج، ووضعته برفقٍ على الطّاولة، وجعلت تملأُ الموقدَ بقطع الحطب، فامتلأ المكان بوهج وحسيس الّلهب، وبدأتُ أقرأُ في عينيها وهي تعانق الثَّوبَ الفارغّ ومسندَ الكُرسيّ، سِفراً طويلاً من الجُّوع الأليم، وشهوةً لخُبزٍ سعيدٍ كانا يتطاردان حفاةً في هذا المكان المهجور، عندما تغيب الأمهات يقع الأبناء في براثن الخصاصة ولا يشبعون أبداً، فكيف بأمٍ وقعت عليها قرعة الموت ودُفِنت بلا مراسم في قبرٍ مجهول.
عندما اكتفت من تفقّد الأطياف، أخمدت آخر شعلة في الموقد، وجعلت تحرك لسانها في جوف فمها كمن انتهى من طعامه للتو، لم أكن لحينها أعلم أنَّ لبعض الأوهام مذاقاً أومامياً، كذلك الذي تتركه على لسانك طحالب البحر، وبقيتُ بعد فراقنا على رصيف كتاب، كلّما حملتني آلة الزَّمن خاصتي لمكانٍ أطفأ القدرُ أرواحه، أغلق فمي وأترك لساني يتشاقى مع تفاصيل الطَّعم والمذاق.
وألقت على المحيط نظرة أخيرة مليئة بالكثير من الخيبة وبعض الامتنان، وعلَّقت على ظهرها حقيبة برتقالية تطابقُ الصَّندوق الأسود لرحلة جويَّة، وأقلعت من المكان كطائرة كونكورد تجتاز زحمةَ السُّحب بسرعة 2 ماخ، لم يكن هبوطها في مثلّث صحراوي، وجدت السَّحالي في قاعدة كثبانها الحدباء ملاذاً، وليدَ الصّدفة بل كان متعمَّداً، وسارت باتجاهٍ بدا أنَّها تألفه جيداً، تاركة وراءها طابورين غير متناسقين من أثار قدميها في الرّمال. كان الطّقس شديد الحرارة، كأنَّ الشَّمس لم تغب مذ أشرقت، ولم تتراجع إنجي الشّجاعة عن وجهتها قيد أنملة، حتى وقفت بجوار حافة رملية، لا يخفى على ناظرها أنّها حفرة عملاقة مردومة، وضمَّت أصابعها تشكّل قبضة، وراحت تطرق الرّمل بالنّهايات المدببة لسلامياتها الأربع، ولم يتعثّر الوقت بانتظار طويل، حتى ارتفعت الرّمال كبوابة حصن، وتدفّقت جموع بشرية من جوف الأرض في كل الاتجاهات، من نساء في منتصف العمر يرتدين ثياباً طويلة مزركشة، وينتشلن رضَّعا في طور الحبو من قيامة الرّمال، إلى صبايا بزهو وجمال يرقات الرَّبيع، وعشرات الأطفال دون سن البلوغ، تأهب الجميع وتوقفوا ينصتون لتعليمات امرأة مذعورة، كانت تشير لهم بيدها أن يتجهوا شمالاً.
في غمرة ذلك المشهد المرعب، وجدتُ إنجي تمسحُ بيدها على هندام طفلة تساويها في ارتفاع القامة، وجلستْ أمامها القرفصاء تُمَرّر سيورَ حذاءٍ صيفي أحمرَ لامعٍ، في المشبك المعدني أسفل قاعدة الرّسغ، وتشدُّ أنشوطة إلى خاصرة الثَّوب بصُفرة الحُوذان. كنت مشدوهة أتتبَّعُ حركتهما، وأحاول ترميم الوجه المأكول والمخبأ تحت حواف قبّعة، اصطفَّت عشرات الزّهور الحمراء في استدارتها ولم تنحنِ مياسمها الرَّفيعة الخضراء، وبدأت إنجي ترفع شيئاً من الأرض، وتجعله في موضع عينيها فيسقط، وآخرَ في موضع أنفها فيهوي. نسيتُ كل شيء في زحمة تقصّي وجه، لم يجد من يقول في تفتيته كلمة حق، فاستأرض واعتصم في الثَّرى، وصار إلى الأبد ناقوساً يتشظى رنينه في رأسي، ويجعلني شاهداً صامتاً على العالم للمرة الألف في مستنقع آسنٍ، حتى أرهقت نفسي وهشمتها بأسئلة أقسى من الفولاذ، من استطاب أكلَ هذا الملاك المغطى بالأحمر من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها المقدَّستين، الخاليتين من رصيد الخُطوات الآثمة؟
من فَطَمَ بنت القنصل من الغابات المطيرة، قَطع عنها الماء أَنفَلها ورماها في متاهات الرّمال.