عبدالعزيز قاسم
في حضارات الشرق القديم، لاسيما في مناطق الكنعانیین وما يعرف بالحضارات السامية أو العربية القديمة، ارتبطت بعض الطقوس الدينية القديمة بفكرة تقديم القرابين للآلهة، وكان «بعل» واحداً من ابرز الرموز الدينية المرتبطة بالخصب والعواصف والقوة في تلك الميثولوجيات.
ومن خلال قراءة قصة إبراهيم الخليل والاضحية، يذهب بعض الباحثين إلى وضعها ضمن سياق تطور فكرة القربان في الشرق القديم باعتبارها انتقالا رمزيا من التضحية بالبشر (الابن البكر) إلى التضحية بالحيوانات ضمن طقوس تقديم القرابين للإله «بعل» وليس لخالق الكون «الله»، وبالتالي فالاحتفال بالاضخى وذبح الحيوانات يشكل استمراراً لعبادة وثنية، حيث أن العديد من التقاليد والعادات والمعتقدات الوثنية لدى المجتمعات العربية القديمة وسكان الصحراء تركت بصماتها على عدد من المعتقدات والطقوس الدينية، وأصبحت بعض عناصرها جزءاً من التقاليد المرتبطة بالديانات الإبراهيمية وبخاصة الاسلام في مراحل لاحقة.
إذ يرى عدد من الباحثين في تاريخ الأديان منهم ماكس فيبر ورينيه جيرار أن فكرة «القربان» لم يكن ثابتا ومرت بتحولات طويلة عبر التاريخ، من القرابين البشرية في الأزمنة القديمة إلى استبدالها لاحقاً بالذبائح الحيوانية، بوصف ذلك تطور تدريجي في الوعي الديني والأخلاقي للإنسان.
ولهذا تقدم قصة إبراهيم الخليل في بعض القراءات التاريخية والرمزية، بوصفها لحظة انتقال تاريخية نحو الإنسانية، وينظر إليه كتطور أخلاقي مهم في تاريخ المعتقدات القديمة، كما يرى بعض الباحثين والمثقفين الكرد أن إبراهيم الخليل كان أقرب إلى ثقافة شعوب الجبال والنور والحياة،الرافضة لطقوس الذبح وتقديم القرابين البشرية.
حيث يربط المؤرخ الكردي محمد أمين زكي جذور الكثير من شخصيات الشرق القديم جغرافياً وثقافياً بمناطق ميزوبوتاميا وكردستان الكبرى، لا بالهويات القومية الحديثة، ومنهم ابراهيم الخليل الذي هاجر من كردستان وتحديدا من أورفا «رها» إلى الحجاز، وبالتالي فهو لا ينتمي إلى البيئة الصحراوية، وإنما كان ينتمي إلى البيئة الثقافية لشعوب بلاد مابين النهرين والجبال، وبالتالي کان یحمل قيماً أقرب إلى الروح الثقافية الكردية، واشار ماكس فيبر Max Weber إلى أن استبدال الأضحية البشرية بأضحية حيوانية بعلامة فارقة في العقلنة في تاريخ الأديان الإبراهيمية.
حيث طرح بعض الفلاسفة تساؤلات فلسفية عميقة حول علاقة الإنسان القديمة بالخوف وتقديم الأضحية، وكيف انتقلت بعض الرموز والطقوس من الديانات القديمة إلى الديانات السماوية والتقاليد اللاحقة بأشكال مختلفة، وفي هذا السياق يقول فريدريك نيتشه: «كلُّ الآلهة القديمة كانت تطلبُ الدم».
بينما يذهب باروخ سبينوزا إلى القول: «الخوف هو أصل كثير من الطقوس الدينية».
رغم تعرض كردستان إلى الغزو العربي «الإسلامي» وفيما بعد إلى الاحتلالین الفارسي والتركي إلا أن الثقافة الكردية أيضا احتفظت بالعديد من القيم والمعتقدات الدينية الكردية قبل الاسلام ونجد اثار تلك الثقافة بشكل جلي في العديد من العادات والتقاليد الاجتماعية وبخاصة في عيد نوروز أو الاعياد الكردية الأخرى كما في الأيزيدية واليارسانية والتي تحتفظ برمزية مختلفة تماما تقوم على النور والطبيعة والنار بوصفها رموزاً للحياة والتجدد والانبعاث والحرية، ومن المفارقات الأكثر تخلفاً تجاه تاريخ وثقافة الكرد أن بعض رجال الدين الاسلامی ومنهم «الكرد» يحرمون عيد نوروز، ويباركون عيد الأضحى الذي يعد امتداداً رمزياً لطقوس القربان القديمة للإله «بعل»!
ولذلك يطرح كثيرون وأنا منهم سؤالا بسيطا ومباشرا: كيف يمكن اعتبار عيد مرتبط بالنور والفرح والطبيعة والهوية الثقافية لشعب ما رمزا سلبيا، بينما تقبل اعياد أخرى تقوم على الذبح وسفك الدم دون اعتراض بوصفها شعائر مقدسة؟
وهنا أود التوضيح أن المقصود من طرح فكرة المقارنة بين عيد نوروز وعيد الأضحى ليس الإساءة إلى الإسلام أو أي معتقد ديني مرتبط بالابراهيمية، بل فتح مساحة للتفكير في طبيعة العلاقة بين الدين والثقافة، وكيف يمكن أن تتحول بعض المواقف إلى إقصاء للآخر بدل أن تكون مساحة التعدد والتعايش.
وهنا أردت فقط أن أوضح أن ما يطرحه بعض رجال الدين اليوم، من ربط نوروز بالكفر أو «الزندقة»، ما هو إلا امتداد للفتاوى السابقة التي حرمت كل ما يمت إلى الشعب الكردي بصلة، من موسيقى ولغة وثقافة وبخاصة نوروز، لأنها ببساطة يمثل عيداً ثقافياً وتاريخياً يرتبط بالنور والحرية والطبيعة والهوية القومية الكردية.
ومن هنا فأن النقاش حول الأعياد والرموز الدينية والثقافية، يجب أن يبقى مفتوحاً بروح فكرية وإنسانية، بعيداً عن التكفير أو التحريض أو إلغاء الآخر، وعلى رجال الدين الاسلامي احترام الرموز الثقافية للهوية القومية الكردية، وعلى المؤسسات الثقافية الكردية التصدي لحملات التكفير واعتبار فتاوي تكفير الثقافة الكردية ضمن سياقات الإرهاب «الديني والثقافي»، مع العلم ان جوهر الثقافة الكردية يقوم على الرحمة واحترام الحياة والتعدد الثقافي، وهي الثقافة نفسها التي شهدت في مرحلة مبكرة استبدال الأضحية البشرية بالأضحية الحيوانية. فالحياة تبقى أقدس هبة يمتلكها الإنسان، والشعوب الحية هي التي تستطيع التوفيق بين إيمانها وهويتها الثقافية وحقها الطبيعي في الفرح والاحتفال بالحياة.