شــاغـر

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد كلباً كتلك الكلاب التي كانت ترافق السياح الأجانب. ولأنني أحب خدمة بلدي لم أشأ أن أطلب كلباً من الخارج، بل بحثت في المدينة إلى أن عثرت على كلبنا هذا -أقصد الذي هرب- وكان قد انتهى للتو من نبش كيس قمامة خائباً. قرأت في عينيه استرحاماً كذاك الاسترحام في عيني أيام كنت أبيع ثياب “البالة” على عربة في شوارع العاصمة بعد تخرجي من الجامعة.. في البداية هرب مني. مارست معه بعض الأساليب التي اكتسبتها أثناء عملي في الخليج فاستسلم لي بكليّته.

كان ما يزال صغيراً، رمادي اللون.

سرّ الأولاد أيما سرور حين وجدوني مصطحباً إياه، وبدؤوا بملاطفته ومداعبته.. صاروا يحممونه يومياً بالشامبو إلى أن تغير لونه وأصبح كالثلج لا تشوبه شائبة.

مع مرور الأيام والشهور  دبّ الخلاف والاختلاف بين أبنائي، وكادت خلافاتهم تؤدي بي وبهم إلى كارثة؛ كل واحد يريد الاحتفاظ به لوحده وإيواءه في غرفة نومه. وكحل وسط يرضي الجميع بنيت للكلب غرفة خاصة عند مدخل البناء ليشاركهم جميعاً اللهو ويسليهم، كما قد أستفيد منه كحارس يحسب له الداخل الحساب.

مرات عديدة رأيت بعض الكلاب الشاردة تشاركه طعامه. قدرت ذلك، وراعيت مشاعره، وقلت لنفسي لابد أنه يشعر أيضاً بالحنين إلى الأصدقاء القدامى، فالكلاب في الأبنية المجاورة تبادله التحية من فوق الأسوار أو من شرفات المنازل، ولابد أن يكون بحاجة إلى علاقة إنسانية، أقصد حيوانية، تربطه ببني جنسه. كان بينهم كالقائد؛ يطيعونه بنظرة من طرف عينه ويتذللون له..

قلت ساخراً: ربما خرج للتنـزه ولابد أنه سيعود.

قال دون أن يلحظ سخريتي:

لا. فلنـزهته مواعيد محددة، يخرج معنا أيام العطل، وقد صار يحفظها أكثر منا..

– إذاً، ربما لم يشعر بـ”كلبنته” عندكم..

– ماذا تقصد؟.

– ربما ذهب إلى مراتع هواه وشبابه. فهو بحاجة إلى تغيير جو..

بانت نبرة الانزعاج في صوته وهو يقول:

– إنه يرافقنا كل صيف إلى البحر. ألا يعتبر هذا تغيير جو؟! بربك هل هناك أجمل من البحر صيفاً، خاصة مع هذه الحرارة العالية هنا؟!

قلت: ولكني لم أر البحر طوال حياتي سوى يومين، وكان ذلك في الشتاء حين أرسلت في مهمة أثناء الخدمة العسكرية لمرافقة جثة كلب، عفواً جثة عسكري..

أحسست أن أساريره انفرجت قليلاً وهو يقول:

إذاً، ما رأيك في أن ترافقنا الصيف القادم إلى البحر..

كادت “ترافقنا” هذه تمزق غشاء طبلة أذني وهي تقع عليه، وأجبته مباشرة: آسف..

قاطعني: هل أنت مشغول أم موعود؟..

قلت: لا هذا ولا ذاك، ولكني لا أريد أن أشغل مكان كلب.

10.02.2002

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شيرين خليل خطيب

بعض الناس لا يستفزونك لأنهم غاضبون منك، بل لأنهم يريدون أن ينتزعوك من المكان الذي بنيت فيه نفسك بصعوبة، ويجرّوك إلى مستواهم. إنهم يعرفون أن كلمةً جارحة، أو موقفاً مستفزاً، أو إهانةً متعمدة قد تدفعك إلى رد فعل لا يشبهك، فينتظرون تلك اللحظة بفارغ الصبر، لأن سقوطك هو انتصارهم الحقيقي. فهم لا يريدون…

نظّم تجمع المعرفيين الأحرار – Kombûna Zanyarên Azad يوم الأحد 2 أغسطس/آب 2026 ندوة حوارية مع ندى داوود، وذلك في مدينة دوسلدورف بألمانيا.
جاءت الندوة ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية والاجتماعية التي ينظمها التجمع بهدف خلق مساحة للحوار والتعارف وتبادل الخبرات والأفكار.
– ضيفة الندوة
كانت ندى داوود ضيفة اللقاء، حيث تحدثت عن تجربتها الشخصية والمهنية، وعن مسيرتها في…

بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيل المغفور له المحامي عثمان عثمان بهلوي، وبدعوة كريمة من عائلة الفقيد، وزوجته السيدة بونية سعاد جكرخوين، أُقيمت يوم الجمعة، 31 يوليو 2026، مراسم التأبين والأربعينية في «قاعة زانا» بمدينة قامشلو.

وقد شهدت المناسبة حضورًا لافتا من أسرته الفقيد وأصدقائه ومحبيه و رفاق دربه ، وبحضور كريم من قبل رئيس المجلس…

عصمت شاهين الدوسكي

من التراكمات العصرية التي شغلت الناس بل أصبحت أزمة اجتماعية عامة تثار هنا وتركد هناك لا أطيل عليكم هي ” اللامبالاة ” بين الافراد والمجتمع والمؤسسات المسؤولة ، وفي أول الأمر ممكن نعرف اللامبالاة بأنه موت ضمير الإنسان رغم إنه ينبض ، تعتبر نوع من الحالة النفسية يتجلى فيها الإنسان لا مهتم ولا…