بين النمَّام الكلاسيكي والمعاصر

ماجد ع محمد

“هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ” سورة القلم

من شبه المؤكد أن ليس لدى عموم الناس مصدات تحول بينهم وبين عشاق النميمة، ولا كلهم يمتلكون صبرًا واستراتيجية مثل استراتيجية ونستون تشرشل بخصوص عدم التفاته إلى ما كان يُنقل إليه من الكلام عن الآخرين، لكونه كان يرى بنفسه جيدًا وقادرًا على معرفة الناس لا من خلال ما يُقال عنهم، إنما من خلال ما يفعلونه على أرض الواقع، حيث كان في هذا الصدد يقول: “أنا لا أسمع ما يقوله الناس، بل أراقب فقط ما يفعلونه؛ فالسلوك لا يكذب أبدًا”.

على كل حال، فإذا كانت النميمة القائمة على إيصال الأحاديث الشخصية التي تم تداولها في إطارٍ ضيّق جدًا، وخاصةً تلك المواضيع التي يبغض الناس إفشاءها ونقلها من شخص إلى آخر مكروهة، فهذا يعني أن إحالة كلام البعض إلى أناسٍ آخرين عن سبق الإصرار لإحداث الشقاق، أو بهدف إشعال فتيل النزاع بين المتكلم والذين نُقل إليهم الكلام عبرَ شخصٍ كان من المفروض أنه كاتمًا للأسرار ومؤتمنًا على الخصوصيات، تتخطى حدود العفوية والبراءة لدى القرويين البسطاء وما كانوا يرتكبونه إبان نقل الكلام، ولا يبقى تصرفه ذلك في حدود المكروه، إنما يبلغ مرحلة الأذيّة.

وصحيحٌ أن بعض الناس يكشفون الخفايا أو خصوصيات الآخرين عن جهلٍ أو غباءٍ صرف أو نتيجة الطيبة الزائدة، إلا أن نقل الكلام الخاص أو الشخصي أو السري عن دراية الناقل بتبعات ما يصنعه، هو حتمًا بقصد الإفساد وإيقاع العداوة والبغضاء، ولكن بالرغم من أذيّة تلك المثلبة السلوكية، فإن ضرر النقل اللفظي للأحاديث يبقى محصورًا ومدار انتشاره الجغرافي ليس بواسع، مقارنةً بظاهرة النميمة الإلكترونية.

ولا نعني بالنميمة الإلكترونية عملية النقل المكشوف للكلام والفيديوهات والمسارعة في النسخ واللصق من دون التأكد من صحة الكلام، ومن دون أي آلية من آليات التحري، والاستعجال في نشر ما يتم تلقفه من الغير وبثه بأقصى سرعة على الجدار الخاص، بما أن شوق الاستعراض والتلهف يدفعانه للنشر خوفًا من أن يبرد الخبر أو الحكاية التي اقتنصها من أحدهم، فأن يكون سبّاقًا في إذاعة ما سمعه أو قرأه هو الدافع الأبرز، حيث يهرع المستعرض التقني كسيارة النجدة، مخافة أن يُسرِّب الموضوع أناس آخرون على شاكلته، فتزول لديه أهمية ما سيتم نقله أو إيصاله للمعنيين بذلك الكلام الذي لا يقدم معلومة مفيدة ولا يبشر السامع بأي خيرٍ موعود، إنما ليُنقل إليهم ربما ما يحض على الكراهية، ويبث الفرقة، ويزيد من حجم الشروخ ويرفع من وتيرة التوتر.

إنما الذي نقصده بالنميمة الإلكترونية هو ما يتم من خلال إرسال الرسائل الخاصة أو التسجيل الصوتي لشخص واحد أو عشرات الأشخاص في ذات اللحظة؛ ففي السابق عندما كان يتم الحديث الخاص أو السري بين شخصين فكان الذي يخل بشروط السرية ويتنصل من الاتفاق المبرم بين المتكلم والمستمع، بطيئًا في نقل الحديث من مكان إلى مكان، أو من جلسة إلى جلسة، وكان الكلام يستغرق وقتًا لا بأس به ليصل إلى أكبر عدد ممكن من الذين لا يرغب القائل في وصول أطراف الحديث إلى أسماعهم، إذ كان إيقاع النقل بطيئًا طالما كان يعتمد على الشفاهة الشخصية من فمٍ إلى أذن، وكان وصول الكلام أو السر اللامرغوب إفشاؤه يستغرق وقتًا طويلًا، بينما اليوم في كبسة زر بإمكان النمام إيصال كلامك المكتوب أو المسجل إلى عشرات الأشخاص في اللحظة نفسها.

والأمر الأخطر في النميمة الإلكترونية هو أن الطريقة التقليدية في النميمة كانت إمكانية تنصل الشخص مما باح به سهلةً ويمكن ضبطها أو تحجيمها أو حتى نفيها، طالما ما من أدلة تثبت أن فلانًا الفلاني قال عن فلان كذا وكذا؛ وكان بمقدور قائل الكلام تكذيب النمام ونكران الحدث برمته إن كانت العواقب كارثية، طالما ما من شهود يؤكدون للناس ويشهدون على ما تم الحديث فيه أو عنه.

بينما في النميمة المعاصرة فالأمر لا يحتاج إلى شهود على الحدث، لأن الأدلة والبراهين الإلكترونية في حوزة الجميع، والمتكلم لا يستطيع التهرب مما قال أو التنصل مما ذكر أو نطق به، فالنمام الحالي يأخذ الحديث الذي دار بينك وبينه بحذافيره من خلال النسخ واللصق أو تصوير المحادثة. وفي حال كان الحديث قد تم من خلال تبادل التسجيلات الصوتية فيقوم بتحويل المسجّل أو إعادة إرسال الصوتيات بسرعة البرق إلى عشرات الأنفار، وحتى في التواصل المباشر عبر التلفون ثمة آلية تسمح بتسجيل صوت الآخر وهو يتحدث معك، وإن كنت من النمامين فبإمكانك إرسال الصوت إلى الجهة المعنية بسماع الصوت المرسل.

وهذا ما يزيد من وتيرة الريبة لدى الكثير من مستخدمي هذه التقنيات، وهو ما يدفع المرء للسؤال: يا ترى أليست الظاهرة الأخيرة، أي النميمة الإلكترونية، أكثر ضررًا وأخطر من ظاهرة النميمة التقليدية على الأفراد والمجتمع؟ بالرغم من أن الصورة المرسوخة في الأذهان عن النمام التقليدي رديئة جدًا، بينما إلى الآن لم تتضح صورة النمام الإلكتروني المعاصر الأكثر رداءة من سلفه التقليدي، وذلك باعتبار أن النمّام العادي مهما كان سريع العدوِ فإن حدود ضرره قد لا تتخطى تخوم القرية أو الحي الذي يقطنه ذلك النمام، بينما في الفضاء التقني فإن من يقومون بعمل النسخ واللصق وبعث وإرسال التسجيلات الصوتية فإن ضررهم أعظم أثرًا من ضرر النمام الكلاسيكي بما أنهم بكبسة زر واحدة قادرون على نقل الكلام الشخصي أو الخاص إلى مئات الأشخاص، كما قد يصل كلامهم المنقول إلى عشرات الدول في ذات الساعة.

وفي الأخير بتصورنا أن أفضل طريقة للحد من النميمة، وصد النمّام، ولئلا يصبح أي متواصل عبر وسائل الاتصال مشاركًا في النميمة، هو أن يتذكُّر السامع على الدوام مخاطر البوح، وألا يغيب عن باله قط بأنه من المحتمل جدًا أن يكون هو نفسه فريسة النمّام الذي استرطب للتوِ حديثه، لذا عليه عدم الانطراب لما سيسرده النمّام على أسماعه، كما أنه إبان محاولة أحدهم مقاربة فعل النميمة لا بأس بأن نلقي على أسماعه ما أورده الماوردي عن النميمة، حيث يذكر في هذا الإطار أن الإسكندر قال لرجلٍ سعى إليه برجلٍ: أتحب أن نقبل منك ما تقول فيه، على أن نقبل منه ما يقول فيك؟ قال: لا. قال: فكف عن الشر يكف عنك الشر.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالجابر حبيب

النبض

ارتفعت أسعار المحروقات، فأطفأت الحارات مولداتها. خرج الفقراء إلى الشوارع يحملون ظلام بيوتهم وهتاف أطفالهم. أمام الكاميرات تكلم رجلٌ بقلبٍ مثقلٍ بالجوع؛ صفق له الواقفون طويلاً. في المساء، دخل غرفة العمليات. طوال الليل ظلّت المدينة تراقب نشرات الأسعار.

********

خصومة

كدّسوا الملايين في الخزائن، تركوا المدينة تتصبب عرقاً. تمددت الأسلاك إلى بيوت الأغنياء، انطفأت مصابيح الفقراء. عند…

إبراهيم اليوسف

كثيراً، ما استعنت بالمحامي والشخصية الاجتماعية والوطنية عثمان عثمان بهلوي، في أكثر من قضية، لاسيما فيما يتعلق بتوثيق سيرة الشاعر جكرخوين، وعلاقته بالحزب الشيوعي السوري، ومن كانوا معهم في تلك المرحلة، وأسباب اختلافهم مع الحزب، كما لبى مشكوراً، تقديم شهادة في جكرخوين، من خلال الإجابة عن أسئلة وجهتها إليه، تم إدراجها في كتابي الصادر-…

خالد حسو

حقّاً …

عفرين ليست مجرد مكان على الخريطة، بل لوحةٌ تنبض بالحياة والجمال والسكينة، كأنها قصيدة كتبتها الطبيعة بحبٍّ عميق.

نهرها العذب يجري كحكاية صفاء لا تنتهي، يعكس ضوء الشمس كأنه مرآة للروح، وجبالها الشامخة التي احتضنت تاريخها العريق تقف كحراسٍ للزمن والذاكرة، شاهدةً على حضارةٍ متجذّرة في عمق التاريخ والجبال.

وتلالها الخضراء تمتد كبساطٍ من الطمأنينة،…

محي الدين حاجي

أتذكر في بداية انتقالي إلى مدينة ديريك عام 1978 لدراسة المرحلة الاعدادية، كانت المدينة بالنسبة لي عالماً آخرحركة السيارات والموتورات، الكهرباء، حنفيات المياه، والشوارع النظامية المزفتة (خاصة وسط ديريك والحارات الغربية والجنوبية منها).كانت الكهرباء احيانا توفَّر بواسطة مولدة كبيرة تغذي المدينة، وبالتسمية الشعبية لها (الموتور). وكان عند سماعك لصوته المزعج دليلاً على وجود الكهرباء في…