عبدالجابر حبيب
“حين يكثر الأوصياء… يفقد المرج صوته.”
المؤلف
شخصيات المسرحية
الحمار: يبدو بسيطاً، لكنه أكثر الشخصيات صدقاً، يرى ما لا يراه الآخرون، ويقول الحقيقة من غير أن يدّعي امتلاكها.
الجمل: يتحدث دائماً بلهجة الوصي، ويؤمن أن المرج لا يعرف مصلحته إلا من ينظر إليه من علٍ.
الغراب: انتهازي بارع، يبدل مواقفه كما يبدل مكان وقوفه، ويقتات على الفوضى أكثر مما يقتات على الحبوب.
الديك: عاشق للمنابر، يظن أن النهار يبدأ بصياحه، وأن كل بيان يكتسب شرعيته من صوته.
الرجل: شاهد على ما يجري، لا ينافس أحداً، ولا يتكلم إلا عندما يصبح الصمت شريكاً في الخطأ.
********
المشهد الأول
(المكان: مرج واسع تتوسطه شجرة يابسة، تتناثر حولها لافتات قديمة، بعضها مائل وبعضها مكسور. في الخلفية كرسي مغطى بقماش أسود. تتقاطع آثار الحوافر على الأرض حتى تبدو كأنها خرائط لا يعرف أحد حدودها. يُسمع نهيق الحمار قبل ارتفاع الستار )
الجمل: ما بك يا صديقي؟ أراك تنهق منذ الصباح،
كأنك اكتشفت حقيقةً عجز عنها الجميع.
أأصابك وجع، أم أنك تستعد لخطاب جديد؟
الحمار: لا هذا ولا ذاك… أجرب صوتي.
الجمل: ولِمَ؟
الحمار: سمعت أن من يرفع صوته أكثر، ينجح في
إقناع الآخرين أنه وُلد ليقودهم.
الجمل: وهل القيادة تحتاج إلى صوت؟
الحمار: لا… لكنها تحتاج إلى من يصدق أن الصوت
حكمة.
الغراب: (يهبط الغراب فوق لافتة مائلة) يعجبني
طموحك. بقي أن تتعلم كيف تتحدث طويلاً
من غير أن تقول شيئاً، وستجد من يصفق
لك بحرارة.
الحمار: وأنت… ماذا تتقن؟
الغراب: أقف فوق الخراب، ثم أقنع الجميع أنني
جئت لإنقاذه.
الديك: كفاكم ضجيجاً… سأعلن البيان الأول لهذا
الصباح.
الحمار: وهل وقع أمر يستحق بياناً؟
الديك: البيانات لا تنتظر الأحداث… هي التي
تصنعها.
الجمل: وما مضمون بيانك؟
الديك: سأدعو إلى الحكمة… ثم أختلف مع أول من
يوافقني.
الغراب: وأنا سأؤيد البيان.
الحمار: قبل أن تسمعه؟
الغراب: التأييد لا يحتاج إلى قراءة… تماماً كما أن
الاعتراض لا يحتاج إلى فهم.
الرجل: عجيب أمر هذا المرج… كل واحد يرفض أن
يكون له وصي، لكنه يحلم أن يصبح وصياً
على الجميع. فإذا عجز عن الإقناع، رفع
صوته. وإذا خذله صوته، رفع شعاراً. وإذا
سقط الشعار… بحث عن شعار أكبر.
إطفاء
المشهد الثاني
(المكان نفسه. أزيلت إحدى اللافتات، ووُضعت مكانها أخرى كُتب عليها “من أجل مصلحة المرج” ما زال الكرسي مغطى بالقماش الأسود.)
الديك: لقد اجتمعنا اليوم لنختار من يتحدث باسم
المرج.
الحمار: وهل طلب المرج متحدثاً؟
الديك: لا… ولكن المتحدثين يسبقون الحاجة إليهم دائماً.
الجمل: أقترح أن يكون المتحدث أكثرنا معرفةً
بمصلحة المرج.
الحمار: ومن يعرفها؟
الجمل: من يرى أبعد.
الحمار: أم من يقف أعلى؟
الغراب: لا فرق… فالناس تنظر إلى الأعلى أكثر مما
تنظر إلى الأمام.
الديك: أقترح أيضاً أن نمنحه لقب “الحارس الأمين”
الحمار: وما مهمته؟
الغراب: أن يحرس المرج… من أصحابه.
الحمار: وإذا اختلف معه أحد؟
الجمل: نقول إنه لا يدرك مصلحة المرج.
الغراب: أو إنه يهدد وحدة المرج.
الحمار: غريب… يبدأ الأمر بحارس، ثم يصبح وصياً،
ثم لا يعود أحد يتذكر متى فقد المرج حقه
في الكلام.
(يدخل الرجل حاملاً مرآة كبيرة، ويضعها في وسط المرج.)
الرجل: اقتربوا… انظروا جيداً. كل واحد منكم
سيرى في هذه المرآة الحاكم الذي يحلم
به… لكنني أخشى ألا يرى أحد… المرج.
(يتقدم الجميع نحو المرآة، ويحاول كل واحد أن يقف أمامها وحده، فيمنع الآخر من الاقتراب. يبقى المرج خلفهم خالياً، بينما ينشغلون جميعاً بصورهم المنعكسة.)
إطفاء
المشهد الثالث
(المكان نفسه. اختفت اللافتات القديمة، وحلّت محلها لافتات جديدة، لكنها تحمل الشعارات نفسها بألوان مختلفة. الكرسي ما زال مغطى بالقماش الأسود.)
الديك: أقترح أن نضع للمرج دستوراً جديداً.
الحمار: وهل قرأ أحد الدستور القديم؟
الديك: لا… لكنه قديم.
الغراب: وكل قديم يحتاج إلى وصي يفسره.
الجمل: بل إلى وصي يحميه.
الحمار: ومن يحمي المرج من الوصي؟
(يصمت الجميع )
الغراب: لا تقلق… الوصي لا يخطئ.
الحمار: ومن قال ذلك؟
الغراب: الوصي نفسه.
الديك: أقترح أيضاً أن نتفق على صوت واحد.
الحمار: ولماذا؟
الديك: كثرة الأصوات تربك المرج.
الحمار: بل كثرة الأوصياء هي التي تربكه.
الجمل: أنت لا تنظر إلى الصورة الكبيرة.
الحمار: لأنكم لا تتركون للمرج صورةً أصلاً.
(يدخل الرجل يحمل ميزاناً قديماً، يضعه في منتصف المرج.)
الرجل: كلما اختلفوا على وزن الحقيقة… غيّروا كفة
الميزان، ثم أقسموا أن العدالة لا تميل.
إطفاء
المشهد الرابع
(المكان: المرج نفسه. الكرسي لم يعد مغطى، لكنه ما زال فارغاً. الجميع يحدق فيه)
الغراب: لا يجوز أن يبقى هذا الكرسي خالياً.
الديك: الفراغ خطر.
الجمل: لذلك لا بد من وصي يجلس عليه.
الحمار: ولماذا لا يبقى فارغاً حتى يأتي صاحبه؟
الغراب: لأننا قد نعتاد الفراغ.
الديك: وقد يظن المرج أنه قادر على إدارة نفسه.
الحمار: وهل جربتم ذلك؟
الجمل: لا…
الحمار: فلماذا تخافونه؟
الغراب: لأن المرج إذا اعتاد أن يتكلم بنفسه… فلن
يحتاج إلى مترجمين.
الديك: ولن يحتاج إلى أوصياء.
(يصمت الجميع، ثم ينظرون إلى الكرسي )
الحمار: عجيب… منذ الصباح وأنتم تختلفون على
الجالس، ولم يسأل أحدكم: ماذا يريد المرج؟
(يدخل الرجل، يرفع القماش عن الكرسي، فيظهر مكسوراً من إحدى قوائمه )
الرجل: تتخاصمون على كرسي لا يقوى على حمل
أحد… بينما المرج ينتظر من يحمل همَّه، لا
من يحمل لقب الوصي عليه.
إطفاء
المشهد الخامس
(المكان: المرج نفسه. الشجرة اليابسة بدأت تتساقط منها أغصان صغيرة. الكرسي المكسور ما زال في مكانه. في الخلفية نسمع أصوات متداخلة، كأنها بيانات تقرأ في وقت واحد.)
الديك: وصلتني أخبار تؤكد أن المرج بخير.
الحمار: ومن أخبرك؟
الديك: الذين لا يغادرون الكرسي.
الغراب: وأنا وصلتني أخبار أخرى… المرج بخطر.
الحمار: ومن أخبرك؟
الغراب: الذين يريدون الجلوس على الكرسي.
الجمل: لا يهم إن كان بخير، أو بخطر… المهم أن
يبقى بحاجة إلى وصي.
الحمار: وهل يخيفكم أن يصبح بخير؟
الغراب: إذا استغنى المرج عن أوصيائه… فمن
سيصفق لنا؟
الديك: ومن سيصدق بياناتنا؟
الجمل: ومن سيطلب نصائحنا؟
(يصمت الجميع.)
الحمار: يبدو أن المرج هو الوحيد الذي لم يُسأل عن
رأيه.
(يدخل الرجل حاملاً حفنة من التراب، ينثرها في وسط المرج.)
الرجل: الغريب أن هذه الأرض لا تسأل من يحكمها…
بل تسأل من يزرعها. لكن المتخاصمين على
الوصاية لا يحملون بذوراً… بل يحمل كل
واحدٍ منهم مفتاحاً لبوابة لا يملكها.
إطفاء
المشهد الأخير
(المكان: المرج عند الغروب. الريح تقتلع آخر اللافتات. الكرسي المكسور يسقط وحده. لا أحد يحاول رفعه )
الديك: سقط الكرسي…
الغراب: لا بأس… نصنع كرسياً آخر.
الجمل: المهم ألا يبقى المرج بلا وصي.
الحمار: بل المهم ألا يجف الماء…ولا يختفي العشب… ولا يضيع الأمان.
الغراب: لا تخلط الأمور… المنشغل بلقمة يومه لا
يسأل من يحكم المرج.
الديك: (يفتح ورقة ويقرأ) البيان الحادي
والعشرون…نعلمكم أن المرج يسير بثبات..
من سيء إلى أسوأ.
الحمار: (ينهق غاضباً) إذاً سأدعو إلى مظاهرةٍ
عارمة.
الغراب: لا تتعب نفسك… سنشكل لجنةً لدراسة
أسباب المظاهرة، ثم لجنةً لدراسة تقرير
اللجنة،ثم لجنة لدراسة وضع كل عضو في
لجنة التقرير، وعندها ينسى الجميع لماذا
خرجوا.
(يصمت الجميع)
الرجل: كلما اختلف الأوصياء على الطريق…
نسي أهل المرج الطريق إلى حقولهم.
(يصمت قليلاً، ثم ينظر إلى الجمهور )
الرجل: وحين يكثر الأوصياء…
(ينهق الحمار مرةً واحدة. يصيح الديك. ينعق الغراب. يحاول الجمل أن يعلو بصوته على الجميع. تمتزج الأصوات حتى يستحيل تمييز أي صوت )
الرجل: …يضيع صوت المرج.
ستار