إبراهيم محمود
في التاريخ الذي لا يغفل عنا
التاريخ الذي يُكتَب، وإن كان ينتسب إلى ما قبله، ليُصبِح هو نفسه، من اللحظة التي تُسطّر كلمته، داخلاً في خانة الماضي، لا يعني ما كان، ولمن كان في الصميم في شيء ماضياً. لأن أيّاً من هؤلاء، وهو ميْت غير قادر على قراءته أو مناقشته، وإن كان عجينتَه وخميرته، كما يقال. إنه مكتوب، لمن هم في الحاضر، ولمن سيأتون تالياً، وهنا تكمن مأساة التاريخ ومباهجه الروحية معاً. تكمن قيمة المأساة رغم إيلامها المحسوس، في أنها تفتح أو تطرق أبواباً، وإن فُتِحت أو طُرِقت سابقاً، لكن بطريقة أخرى، بمعلومات أخرى، بناء على تساؤلات أخرى. فنكون في مواجهة مقروء اللامقروء” خفاياه ” وما ينفرج عن حسرة معتَّم عليها، حيث الذين ماتوا لا يفصلنا الموت عنهم ، ربما بالعكس، حين نستمد من موتهم ما يكون لحياتنا قابلية ارتقاء بالحياة هذه أكثر، ما نبقيهم أحياء، أكثر مما كانوا عليه، وهنا تسهم الذاكرة والتاريخ معاً في رفد ما كان بما لم يكنه، وإثراء الحاضر بما يعمّق وشائج القربى بين الزمنين، وليكون المبهج ماثلاً في الغبطة الروحية ، كما لو أن الذي مات أو ارتحل في وضع مأساوي، لم يمت، بما أنه يتقدم حياة داخلنا، وينتظر مثل هذه اللحظة من تنوير اسمه، وما في ذلك من واجب قيمي ، قومي وإنساني، وكأن أياً منا في أي مقاربة تاريخية، يواسي نفسه ومن يتكلم باسمهم، بما هو منتظَر بحثاً وتنقيباً.
في هذا المضمار، يدخل كتاب كاتبنا، باحثنا، وشاعرنا الكردي والصديق إبراهيم اليوسف، ليس على الخط، وإنما في بهو المفصَح عنه تاريخاً يواجَه به تاريخ آخر، وبينهما صدام، أو مواجهة حول الحقيقة، في كتابه المؤلم والمبهج” يوسف جلبي: المغني الذي قُتِل مرتين ” والصادر حديثاً عن دار نشر جزائرية” تاسك”، السنة ” 2026″ في ” 142 ” صفحة، الكتاب الذي وصلني البارحة” الاثنين، 22-6/ 2026 ” عن طريق الواتساب المفتوح بيننا صديقي اليوسف وأنا، رغم أنه تعرض لاسم هذا القدير بفنه كمقال سابقاً، لكن الكتاب له شهادة أخرى وفيه شواغل ومعان مغايرة كما هو معلوم. لقد كان ذلك بمثابة بشارة، وإن كانت مؤلمة في مكوّنها، ولكنها في الحقيقة التي بُحِث في أمرها، كانت مغايرة، وأسمّيها ” بشارة طرب ” حيث الطرب بمفهومه الفني يجمع بين الحزن والفرح، كما لو أن الحياة والموت يتداخلان، كما لو أننا نعيش حياة ونقدّر حمولة الموت ووطأته، فنزداد تمسكاً بالحياة. البشارة هذه استثنائية لمرتين، إن تجاوبت مع عنوان كتابه: المأثرة، وبالنسبة لنا ككرد، مما يعيشون موتاً هنا وهناك، بأكثر من معنى، وممن يقاومون الموت، حتى وهم أموات، من خلال حضورهم في الذاكرة الجماعية لشعبهم، أو لمن يحرصون على أصالة هذه العلاقة البنيوية، وممن يموتون في تاريخ لا قرابة بين محتواه الفعلية، لحظة أخذ العلم بأنه يحيل الكرد إلى مادة له، إلى موضوع، في علاقة طرفية. اليوسف، شأنه شأن أي امرىء تتنفس في روحه نخوة إنسانية، وكرامة باحث إنسانية، ومروءة ذاتية، يحاول ضبط العلاقة هذه، في رسم وجه مخالفتها ، وتنويره، بمساءلة المستور والمعتَّم فيه، فكأنه يميت موت من كان سبباً ” لاطبيعياً ” لموته، لعل في ذلك انتقاماً للحقيقة مما دشّن زيفاً حقيقة محروسة.
وما أقوم به، ليس قراءة حرفية، صفحة صفحة، أو كلمة كلمة لكتابه عن ” شهيدنا ” الكردي، شهيدنا النوعي هنا، فناننا ” يوسف جلبي : 1927-1962 “، وإنما قراءة عامة، قراءة جانبية، كما يمكنني تسميتها، وربما تستغني عن وضع الشاهد، والاكتفاء بالإشارة إلى محرّك البحث في العمل وخطوط اتصاله بما كان، وعبر وسطاء أو حملة أمانة من ذويه” أفراد عائلته ” ومن هم مقربون منه، ومن يعيشون هذه الحالة المفعّلة وجدانياً، ليقيني هنا أن جملة الإشارات التي أثبتها أو تكوّن مادتي هذه، تنوّه إلى مادة الكتاب، وكيفية تشكّله كتاباً معرفياً، وكشكولوياً في آن، لأن مقدمة الدكتور، والباحث الموسيقي الكردي محمد زازا للكتاب، وبأسلوبه المعهود في تقييم الذخيرة المناقبية الفنية في راحلنا جلبي موقعاً تاريخياً ومجتمعياً وفنياً بصوته، وكلماته، وموسيقاه وسماتها ذات العلامة الفارقة شعبياً، وتقديره لجهد اليوسف، ومن ثم مقدمة باحثنا الكردي والأكاديمي الدكتور ولات محمد في تنوير صورة جلبي تاريخياً، بيئياً، ثقافياً وقومياً، تثري مسطور العلاقة البينية عنها، وهناك نص المقابلة مع نجل الراحل جلبي، ووجع الابن المدمن بتاريخه على أبيه، وفجيعة المقتلة، وفظاعة الجريمة وخلفيتها التاريخية. دون أن يقلّل كل ذلك من أهمية ما سطّره اليوسف، وتفنن، حرْفياً، ومن خلال خبرة الكتابة ومعايشة ما هو تاريخي لديه، حول جلبي.
إشعار تاريخي
كل حديث عن شخصية كردية دفعت حياتها ثمناً لنسَبها الكردي، بطريقة من الطريق، حديث عن تاريخ شعب، عن خاصية كفاحية، دفعاً للظلم التاريخي، وغبنه، وتعزيزاً للمشترك الإنساني الجاري اختزاله أو تجيير محتواه. يوسف جلبي ، معلوم مجهول مرتبط بمعلوم أنظمة متعاقبة، أنظمة دول وحكومات متعاقبة، متقاسمة لكردستان كوطن جغرافي، للكرد كشعب تاريخي ، يقوم على مفارقات تستبد بحقيقة الجاري: تجهيل المعلوم المرتبط بمن يُحرَّم من صوته ولغته وكينونته، وإظهار ما يخصه معلوماً بمثالية مفبركة لدعم حقيقته المفروضة.
قراءة كتاب اليوسف تضع قارئها في مواجهة هذه الحقيقة، ومنذ البداية( أعني، حين يتحدث زازا عن جلبي الفنان، ومن موقعه” أي زازا ” كخبير بالموسيقا، وتسمية النفحة الكردية أداءَ صوت، وأداء لغة، وأداء علاقة بينهما، وحين تستوقف حياة جلبي الناقد محمد، فهو من خلال اهتمامه البحثي، يحيل التاريخ إلى قضية أدب وفن، مثلما أن هذين يرفدان التاريخ، بقدّر ما ينزعان عنه تلك البهرجة” الماسكية ” التي يتحصن وراءها، وبوجود ما يسهم في ذلك: ماجرى مع جلبي وإن مات مأساوياً، ولكن سيرته وفنيتها شاهدة على استمراريته.). عندما يمضي اليوسف بقارئه إلى بيئة جلبي الجبلكَراوية: نسبة إلى قريته في كردستان الشمالية ، وخطوط تنقلاته الدالة على ذلك القاسم التاريخي الأكبر والذي يصل ما بين عموم الكرد أهل المكان وغربائه المقهورين والمهدورين في إنسانياً، وهي بدورها شهادة أخرى على أن حركة تنقلات كهذه تبلور شهادة تاريخ وجغرافيا فاعلة، ضد تاريخ وجغرافيا مزيفين في الاسم والثقافة المفعَّلة، لأن عدم الاستقرار يحيل الكارثي الجغرافي ” الزلزال، البركان، مثلاً ” إلى كارثي تاريخي أفقي متلاطم في أمواجه المجتمعية والثقافية .
لا أخفي أنني بمجرد قراءة عنوان الكتاب وابتهاجي به، ابتهاجي بحقيقة تعنينا جميعاً، كرداً وغير كرد، رجعتْ بي ذاكرتي إلى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، إلى جلبي المغني الكردي المقتول مرتين، حيث كنت أبحث عن كاسيت له في قامشلو” المدينة التي اعيش فيها ” ضمن اهتماتي المتنوعة فنياً وغيره، وبعد جهود طويلة، عثرت على بغيتي، والكاسيت لا يزال موجوداً في مكتبتي في المدينة، وبصوت واه، لأن منقول عن أسطوانات، ويظهر التسجيل ضعيفاً، ولكنني من خلال سماع أغان له، تبيّن لي أي تاريخ منجرح نعيشه نحن، وكيف يجري التعامل معه” أذكر عن الذين كنت أسألهم عن اسمه ” أشير مثلاً إلى محل سوني المشهور، كنت أواجَه بسؤال: غريب طلبك، صعب أن تحصل على ما تريد.. الكثير مما ورد في كتاب اليوسف، يضيء الكثير من مغزى ما كان يقال، وفي ذلك الوقت، وخلفية الجاري، وما يمكن أن يقال أكثر، بصدد ما يشغلنا هنا تاريخياً، وإشكاليات أي حديث عن التاريخ، حيث كل مستور، مطمورٌ، وهو دال على علامة القهر التاريخية، والهدر القيمية، تجاه شعب، إذ بما أنه محروم من سماع صوته، وقراءة صوته مكتوباً، والاستقرار في المكان، فهذا يعني في الحال مدى ليس جبروت التاريخ، وإنما عنجهية من قدّموا أنفسهم أوصياء عليه، ولكن الحقيقة كما يقول تاريخها، وكما هو المسطور في الكتاب أمضى وأقوى من تاريخ يستحيل الحجْر عليه . لأجدني إزاء هول ضمن هول، ضمن هول، كما هي لعبة الدمى الروسية.
عنوان كتاب الصديق اليوسف: المغني الكردي يوسف جلبي الذي قتل مرتين، رجع بي، ثانية، وفي اتجاه آخر: ثقافي، روائي هذه المرة، إلى رواية المبدع البرازيلي جورج أمادو ورائعته الروائية القصيرة ” كانكان العوام الذي مات مرتين” ولعل العنوان حينها كان مختلفاً، كما أذكر، حيث كتبت عنها مقالاً ونشرته في صحيفة محلية” حكاية الغريق الذي مات مرتين ” المفصَل الحركي واحد، في الموت أو القتل مرتين، لأن وراء هاتين الميتتين، هناك، والقتل مرتين في الأمس القريب، تعرية لمجتمع يناقض بعضه بعضاً، ويقوم جانب منه، بغية البقاء بتزييف الجانب الآخر. كانكان، الشخصية الرئيسة لدى أمادو، المنتمي إلى حي ” باهيا ” البرازيلي، الحي الشعبي، تمثيل لافت، بكل حضوره الاجتماعي لهؤلاء المهمشين، أو من يُعتبرون في القاع المجتمعي، وتشهير بالنظام القائم على تناقضاته . موت يشد في أزر موت. موت طبيعي ليس طبيعياً، يسمّي موتاً صنيع نظام، ثقافة سائدة، كما لو أن أمادو صاغ جانباً من شخصية جلبي في روايته، مع تغيير في المكان وجغرافيته. أقول ذلك من باب المقارنة ودلالتها، فالطغيان واحد، وإن تكلم بلغات شتى، وضحاياه هم أنفسهم يجمعهم قاسم مشترك في الحياة التي تحارَب فيهم، والحقيقة التي تُقمَع ويجردون مما هو حياتي فعلي.
لأنير المقروء لدى اليوسف، في بعض مما لفت نظري في رواية أمادو، وما كتب عنها، ومن ذلك( أثناء احتضاره رسم جواكيم/ كانكان على شفتيه ابتسامة هي من أكبر ألغاز هذه الميتة. لماذا، مرة أخرى، يا جورج أمادو؟ لقد كان موت كانكان غامضًا جدًّا. وهذا الغموض ولّد الكثير من الشكوك التي وجب تبديدها. مما جعل إفادات الشهود متناقضة، وتفاصيل الحادثة غير معقولة، من مثل: في أي ساعة مات كانكان، في أي مكان، مع أنه وُجد ميتًا داخل كوخ؟ لماذا هجر زوجة وابنته؟ هل خانته؟ هل الابنة كانت منحرفة وظهرت عليها العلامات السيئة للإدمان؟ لا شيء من ذلك واضح في الرواية.
….
ومثلما مات مرتين فهو قد حيّا حياتين، وقد أوضح لنا أمادو أن الحياة في القاع رغم ما فيها من فقر مرير، وتشرد معذب، فإنها لم تستطع أن تحطم ما في أعماق الإنسان الحقيقي من توهج، ونقاء، وأصالة..).
فحوى المسطور والمقروء وأبعد منه، هو ذلك الكشف عن المفارقات البنيوية التي تتلبس هذا المجتمع أو ذاك، أو تصل ما بينهما، ليكون هذا الغريب أو مجهول الاسم، أو محظور المعنى، دافعاً بالرؤية البحثيىة إلى مكاشفة ما هو إنساني عام. مثلما موت كانكان صدم الجميع في محيطه، ورفض أصداءه موته، دون معرفة سر موته الفعلي، هكذا الحال مع مقتل جلبي مرتين، وليس موته، أو موته قتلاً، ورعب الدال في الحالة هذه. وإذا كان هناك عار اجتماعي، سياسي في مجتمع ” أمادو ” وجرأة منه في نسج روايته، وعلى طريقته، فإن قتل جحلبي مرتين: قتله والتعتيم على حقيقة القتل، ومن ثم محاولة عدم البحث في كيفية حصول القتل وليس الموت الطبيعي أو المروج عنه باسم أزلام النظام في المكتب الثاني، في ذلك الوقت معاصراً لتاريخ الإحصاء الجائر ضد الكرد بالذات، والتمهيد لظهور نظام عروبي، تحزبي بعثي عروبي، أفصح عن كونه ” الختام الإفك/ السفك ” لتاريخ سالف، وتفعيل الفساد وتفسيخه بمعان شتي.
اليوم في الذي قام به، استمرار لكتابات مختلفة له في هذا السياق. مع فارق أن هذا العمل له فرادته، بالصورة المعمولة، وأعتقد أنه سوف يفتح الباب، باب البحث التاريخي عن مزيد من المتابعة، حيث لم تكتمل قصته، أو الحقيقة التي تشدنا إليها، وتبعاتها، لحظة النظر في التاريخ الطويل والمتشعب للكرد، وفي ذلك الوقت” الستينيات ، الحقبة الانعطافية الأكير سفوراً بما هو مروّع في قادم أيامها، الحقبة التي لفتت الأنظار إلى مدى ” براعة ” النظام المأخوذ بصلافة المكان وغرور اللقب” في سوريا والعراق، نموذجين عربيين غاية في الدموية، وذلك التنافس بينهما في هذا المضمار، وفي إيديولوجية مشتركة استئصالية لغيرها..”. وبهذا، فإن كتاب الصديق اليوسف يستحق القراءة. على الأقل، حين أشير ثانية إلى احتفائي البيني به، رغم انشغالي بأمور كثيرة في هذا الصدد، وتوجهي إليه، كما لو أن الكتاب نفسه ينتظرني، كما لو أن راحلنا الماضي إلينا بصوته وشعبية كلماته وعراقة تاريخها وعزف طنبوره وقوة أوتاره الصوتية، أو نوروزيته المستدامة، لحظة توصيف موقعه في مجتمعه، وبين بني جلدته، وتبنيه لقضية شعبه وهو يغني له دون أي حساب للظلمة ومهدديه، ينتظرنا، أو يترقب منا النظر إليه بصفته الحي رمزاً هنا، كما لو أنه التاريخ الذي ينتظر من يسطّره، ويمنحه الصوت المقموع ضداً على تاريخ قائم، وأن الذين يحتفظون له بود عميقي، ويخلصون له، وهم يحمونه اسماً ومسماً في ” لوح ذاكرتهم المحفوظ” بدءاً من أفراد عائلته ، وثمة آخرون يستحقون مثل هذا التقدير، سوى أن فضيلة التسمية، فضيلة التقدير للاسم الذي وضِع حوله هذا الكتاب، أي يوسف جلبي، تشير ببنانها إلى إبراهيم اليوسف، الذي لا بد أنه بذلك يضمن استمراريته مرتين، ذلك هو استحقاقه، كما هو استحقاق كل من يعمل في سياق كهذا، ويتحمل تكاليفه بأكثر من معنى. شكراً مرتين للصديق اليوسف!