خوشناف سليمان
الدبكة عند الكرد ترفاً فنياً. ام فقرة ترفيهية تسبق الطعام أو تعقب الاحتفالات. ام هي واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية التصاقاً بالوجود الكردي نفسه. فمن النادر أن نجد شعباً حافظ على الرقص الجماعي بهذا العمق و بهذا الحضور المتواصل في مختلف مراحل الحياة كما فعل الكرد. و كأن الجسد الكردي تعلم منذ أزمنة بعيدة. أن يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله و أن يحول الحركة إلى لغة و الخطوات إلى ذاكرة و حلقات الدبكة إلى صورة مصغرة عن المجتمع نفسه.
فالطفل الكردي يكبر و هو يرى الناس يرقصون في الأعراس. لكنه يراهم أيضاً يرقصون في مواسم الحصاد و في الاستراحات بين ساعات العمل الشاقة و في مناسبات الوداع. و في استقبال العائدين من الغياب. بل و حتى في تشييع الشهداء. وهكذا يتعلم منذ صغره أن الفرح والحزن ليسا عالمين منفصلين. و إنما وجهان لحياة واحدة و أن الإنسان يستطيع أن يبكي و هو يرقص و أن يبتسم و في قلبه جراح لا يراها أحد.
الدبكة بوصفها فلسفة جماعية
من يتأمل الدبكة الكردية يلاحظ أن الفرد يذوب داخل الجماعة. الأيدي متشابكة و الخطوات متناسقة و الإيقاع واحد. حتى وإن اختلفت الأعمار و الطبقات و المناطق. وكأن الرسالة التي تحملها هذه الحلقات تقول ..
( لا أحد يواجه الحياة وحده ).
فاليد الممسكة بيد أخرى ليست مجرد حركة جسدية. بل إعلان غير مكتوب عن التضامن. و عن الإيمان بأن الإنسان يصبح أقوى حين يكون جزءاً من جماعته.
و ربما لهذا السبب ظلت الدبكة حاضرة في حياة الكرد حتى في أحلك الظروف. لأن الشعوب المهددة بالفناء تتمسك أكثر بالرموز التي تمنحها الشعور بالاستمرار.
الحرب التي تبدأ بالدبكة
من أغرب المشاهد التي تستوقف المراقب لتاريخ الكرد ذلك المشهد الذي يسبق الحروب أو المعارك. ففي الوقت الذي تنشغل فيه الشعوب عادة بإظهار الجدية الصارمة. نجد أن مجموعات المقاتلين الكرد كثيراً ما كانت تدخل في حلقات دبكة و غناء. و هم مدججون بالسلاح.
و قد يظن من يراهم لأول وهلة أنهم في طريقهم إلى عرس أو احتفال. لكن التدقيق في الحركات يكشف شيئاً آخر.
فالخطوات الثقيلة تشبه خطوات العبور في حقول الألغام.
و القفزات المفاجئة توحي بحركة الهجوم و الالتفاف.
و الضربات القوية بالأقدام تثير الغبار وكأنها تحاكي صهيل الخيل أو اندفاع المقاتلين بالسلاح الأبيض.
و أحياناً تبدو بعض الحركات و كأنها تدريب جماعي على التقدم نحو خطوط النار.
إنها ليست حركات عبثية. بل تختزن في أعماقها ذاكرة قرون من الحروب والغزوات و الدفاع عن الجبال و القرى و المراعي.
حتى إن الوداع بين المقاتلين يبدو أقرب إلى زفة عرس منه إلى رحلة نحو الموت.
و كأن الكردي يقول للموت ..
( لن أمنحك صورة الخوف. بل سأذهب إليك بخطوات راقصة ).
العودة من الحرب
لكن الدبكة التي ترافق العودة ليست هي نفسها التي سبقت الذهاب.
فإذا عاد الجميع. تتحول القرى إلى مهرجان من الزغاريد و الأغاني و الدبكات التي تشبه احتفالات الحصاد.
أما إذا عاد بعضهم و غاب بعضهم الآخر. فإن الحزن نفسه يجد له إيقاعاً خاصاً.
و لعل من أكثر الظواهر إثارة للانتباه أن المرأة الكردية كانت تزغرد أحياناً في تشييع أبنائها و إخوتها و أزواجها.
و ليس ذلك تعبيراً عن غياب الحزن. بل عن تحويل الألم إلى نوع من الكبرياء الجماعي. و عن رفض منح الأعداء متعة رؤية الانكسار.
ففي الثقافة الكردية. كثيراً ما تختلط الدموع بالزغاريد. و يصبح الحزن نفسه مناسبة للتشبث بالحياة.
الدبكة في الحقول والبيادر
لم يكن العمل الزراعي عند الكرد نشاطاً اقتصادياً صرفاً. بل كان مناسبة اجتماعية و ثقافية و فنية.
فالرجال و النساء. و الفتيان و الفتيات. كانوا يتحركون في خطوط متقاربة أثناء الزراعة والتشتيل و الحصاد.
وكان الغناء الحواري يتردد بين طرفي الحقل.
فتجيب فتاة بأغنية. فيرد عليها شاب بمقطع آخر.
ثم تتحول الكلمات إلى حوار عاطفي أو فكاهي أو وجداني.
وفي ساعات التعب الطويلة. حين تتخشب الأرجل من الجلوس القرفصاء، كان ( چاويش ) او المسؤول عن العمل يطلب من الجميع الوقوف.
ويبدأ أحدهم بالغناء.
فتنطلق الدبكة لدقائق معدودة.
دقائق قصيرة. لكنها كانت كافية لطرد الإرهاق وإعادة الروح إلى الأجساد.
و بعد وجبة الغداء. ترتفع الأصوات من جديد.
فتختلط الضحكات بالأغاني. و تتحول البيادر إلى مسارح مفتوحة.
و كان لكل موسم حركاته الخاصة.
فلدبكات الحصاد إيقاعها.
ولدبكات البيادر طابعها.
أما أثناء الجرش والغربلة والطحن اليدوي. فقد كانت الأغاني العاطفية و الحوارية تحتل مكانة خاصة. و كأن الناس يعوضون قسوة الحياة اليومية بالموسيقى.
و لذلك يمكن القول إن الحقول الكردية لم تكن تنتج القمح فقط. بل كانت تنتج الأغاني أيضاً.
المرأة الكردية شريكة الرقص و الحياة
من الصعب فهم الدبكة الكردية دون فهم المكانة التي احتلتها المرأة داخل المجتمع الكردي.
فالمرأة لم تكن معزولة عن الحياة العامة. و لم تكن مجرد متفرجة على الرجال.
لقد شاركت في الزراعة و الرعي و الحصاد.
و شاركت في الدفاع عن القرى.
و شاركت في تربية الأبناء و بناء الأسرة.
و حين جاءت الحروب، وقفت إلى جانب الرجل. مقاتلة أو مسعفة أو حاملة لذاكرة الجماعة.
و لذلك لم يكن غريباً أن تقف المرأة إلى جانب الرجل في حلقات الدبكة نفسها.
فاليد التي تحمل المنجل. أو تحمل السلاح. أو تهدهد الطفل. هي نفسها التي تتشابك مع يد الرجل في حلقات الرقص.
و هذا الحضور المشترك يعكس طبيعة المجتمع الكردي. الذي عرف عبر تاريخه الطويل قدراً كبيراً من الشراكة بين الجنسين. قياساً بمجتمعات مجاورة كثيرة.
و لهذا تبدو الدبكة الكردية صورة رمزية لمشروع الحياة المشتركة.
فلا رجل يرقص وحده. و لا امرأة تقف خارج الحلقة.
بل الجميع يشكلون دائرة واحدة. كما لو أن المجتمع كله يعلن ..
( نحن شركاء في الخبز. و في التعب. و في الفرح. و في الدفاع عن البيت و الوطن ).
الدبكة في المظاهرات و الاحتجاجات
و لأن تاريخ الكرد مليء بالمآسي و الانتفاضات. فقد انتقلت الدبكة إلى ساحات السياسة أيضاً.
فعندما تتجمع الحشود للمطالبة بالحرية والعدالة. تظهر حلقات الرقص من جديد.
وهنا تمتزج دبكات الحرب بمواسم الحصاد.
و يمتزج الغناء بالشعارات.
و تتحول الأيدي المتشابكة إلى رسالة تقول ..
إن المطالبة بالحقوق لا تعني الفوضى.
و إن الحرية لا تنفصل عن الانضباط.
و إن النضال السلمي يمكن أن يكون جميلاً أيضاً.
و كأن المتظاهرين يعلنون للعالم ..
( نحن لا نبحث عن الخراب. بل عن غد أفضل ).
و لهذا تصبح حلقات الدبكة شكلاً من أشكال المقاومة المدنية. و صورة رمزية للتعايش و الإيمان بالديمقراطية.
الأعراس .. ملتقى كل الدبكات
في الأعراس الكردية تجتمع كل الذاكرة.
هناك رقصات الحصاد. و رقصات الحرب. و رقصات الحب.
و الأغاني القديمة. و الأزياء الفلكلورية. و الناي و الطبل و الزرنا.
و في تلك الليالي تبدو القرية كلها و كأنها تحتفل بنفسها.
فالعرس ليس مناسبة لعائلتين فقط. بل هو عيد جماعي للمجتمع بأكمله.
الكرد في المهجر
حتى في أوروبا حيث تغيرت البيئات و تبدلت اللغات. بقيت الدبكة حاضرة.
و يكفي أن يجتمع بضعة كرد حتى تبدأ الأغاني و التصفيق. و سرعان ما تتشكل حلقة دبكة عفوية.
و كأن الإنسان يحمل وطنه في خطواته.
فإذا ضاعت الأرض. بقي الإيقاع.
و إذا ابتعدت الجبال. بقيت الذاكرة.
و لهذا أصبحت الدبكة بالنسبة إلى كثير من أبناء الشتات وسيلة لمقاومة الذوبان و النسيان.
لماذا يرقص الكرد كثيراً؟
ربما لأنهم عرفوا الحزن أكثر من غيرهم.
و الشعوب التي عاشت قروناً من الحروب و المجازر و التهجير تحتاج إلى وسائل تحمي روحها من الانكسار.
و لهذا لم يكن الرقص عند الكرد نقيض الألم. بل وسيلة لمواجهته.
إنه نوع من الانتصار على القهر.
و شكل من أشكال التمسك بالحياة.
و لذلك يمكن القول إن الكرد لا يرقصون لأنهم لا يعرفون الحزن. بل لأنهم يعرفونه جيداً.
و ربما يمكن اختصار هذه الظاهرة كلها بعبارة واحدة:
الكردي لا يعيش الحياة منفرداً. بل يعيشها في حلقة.
حلقة تبدأ من الحقل. و تمر بالحرب. و تعبر المظاهرات. و تصل إلى الأعراس. ثم تنتهي عند المقبرة حيث تختلط الدموع بالزغاريد.
إنها حلقة لا تنكسر.
حلقة اسمها الحياة.