ضد الخط المستقيم.. المدينة بوصفها تفكيراً دائرياً

آخين ولات

في هولير، لا يبدو الشكل العمراني مجرد تنظيمٍ للمكان، بل انعكاساً لطريقةٍ أعمق، في إدراك الزمن والانتماء.

هذا النص يتأمل المدينة بوصفها بنية تفكيرٍ8 دائرية، حيث لا تنتهي الحركة عند نقطةٍ، بل تعود باستمرار لتعيد تشكيل المعنى والذاكرة والعلاقة بين الإنسان ومحيطه.

لا تبدو الدائرة مجرد أثرٍ في بنية المدينة، بل طريقةٌ خفية في التفكير تتسلل داخل الجغرافيا نفسها.

شكلٌ هندسيٌّ قد يُقرأ سريعاً بوصفه قراراً تخطيطياً، لكنه يتجاوز ذلك ليقترب من بنيةٍ أعمق: إنها علاقة الإنسان بالمكان حين لا تُبنى على خطّ الوصول، بل على فكرة العودة.

ليست الدائرة هنا رمزاً جاهزاً أو استعارةً زخرفية، بقدر ما هي إيقاعٌ غير مُعلن يتكرر في التجربة اليومية. فالحركة داخل المدينة لا تتجه نحو نهاياتٍ حادّة، بل تعود باستمرار إلى نقاط تبدو كأنها مراكز مؤقتة. وكأن المكان نفسه يرفض منطق الخط المستقيم، ويقترح بدلاً منه شكلاً دائرياً للعيش:

كل خروجٍ يحمل احتمال العودة، وكل وصولٍ لا يُغلق التجربة بل يعيد فتحها من زاوية أخرى.

هذا الحسّ بالدائرة لا ينفصل عن طبقات أعمق في الوجدان الثقافي والديني في المنطقة، وخصوصاً في الثقافة والمعتقد الكردي الإيزيدي، حيث لا تُفهم الدائرة كزينةٍ رمزية، بل كبنيةٍ كونية ومعنوية تتكرر في تصور العالم. في الفكر الإيزيدي، تحضر فكرة الدائرة في فهم الزمن بوصفه حركةً دورية، وفي تصور الطبيعة كمنظومةٍ لا تعرف القطيعة المطلقة بين البدايات والنهايات، بل إعادة تجددٍ مستمر للحياة ضمن إيقاعٍ كوني. الطواف، الدوران، والطقوس التي تتخذ شكلاً دائرياً حول مركزٍ مقدس، ليست مجرد أداءٍ طقسي، بل تعبيرٌ عن تصورٍ للعالم حيث المركز ليس نقطة سيطرة، بل نقطة توازنٍ تتوزع حولها الحياة دون أن تُحتكر.

بهذا المعنى، تصبح الدائرة أكثر من شكل: إنها طريقة في فهم الوجود نفسه، حيث لا يُرى الزمن كخطٍ مستقيمٍ يتجه نحو غايةٍ نهائية، بل كعودةٍ دائمة إلى أصلٍ يتجدد ولا يُستنفد. وهذا ينعكس، بشكلٍ غير مباشر، في أنماط العيش الثقافي الأوسع، حيث تتكرر الدائرة في الاجتماع، في الحكاية، وفي الإحساس الجمعي بأن الفقد لا يعني انقطاعاً نهائياً، بل انتقالاً داخل حركة أكبر.

غير أن نظرةً أخرى من الأعلى، تكشف طبقةً أخرى لا تقل أهميةً عن الدائرة: ما يشبه النسيج العنكبوتي الذي تُظهره المدينة في صورتها الجوية. شبكةٌ من الامتدادات والخيوط التي تتقاطع وتلتف حول نفسها، دون أن تلغي الإحساس بالدائرة، بل تكمله وتعيد تنظيمه. فإذا كانت الدائرة توحي بفكرة العودة إلى المركز، فإن البنية الشبكية توحي بشيءٍ آخر: أن لا مركز واحداً بالضرورة، بل مراكزٌ متعددة تتصل عبر خيوطٍ خفية من الحركة والمعنى.

هنا لا تعود المدينة مجرد دورانٍ حول نقطة، بل تتحول إلى علاقةٍ كثيفةٍ بين نقاطٍ متجاورة، حيث كل مسار يقود إلى آخر، وكل حيّ يفتح على حيٍّ آخر في ترابط يشبه التفكير أكثر مما يشبه التخطيط.

بهذا المعنى، لا تتناقض الدائرة مع النسيج العنكبوتي، بل يتجاوران داخل بنيةٍ واحدة: الأولى تمنح الإحساس بالعودة والانتماء، والثاني يكشف كثافة الترابط وغياب العزلة التامة. وكأن المدينة، من الأعلى، لا تُرى ككتلة واحدة، بل كوعيٍ مكاني يتشكل من تكرار الالتفافات وتداخل الشبكات في آنٍ واحد.

من هذا المنظور، تبدو هوليرأقرب إلى تجربةٍ إدراكية منها إلى مجرد مدينة. فهي لا تُقدّم نفسها كمسارٍ نحو وجهة، بل كحالةٍ مستمرة من إعادة التمركز حول معنىً غير مرئي. مدينةٌ تُربك الثنائية التقليدية بين الداخل والخارج، لأن حدودها لا تعمل كقواطع صلبة، بل كمساحاتٍ قابلةٍ للالتفاف وإعادة التشكيل، وأيضاً كشبكاتٍ من الاتصال المستمر بين أجزاءٍ تبدو منفصلةً لكنها تعمل كجسدٍ واحد.

في هذا السياق، تصبح الدائرة أكثر من شكلٍ هندسي، ويصبح النسيج أكثر من صورةٍ جوية: إنهما معاً اقتراحٌ ضمنيٌ حول معنى الانتماء، ومعنى الزمن، ومعنى الفقد. اقتراحٌ لا يقول إن النهاية شرطٌ للفهم، بل إن المعنى قد يتشكل داخل الحركة نفسها، سواءٌ كانت حركة عودةٍ إلى مركز، أو حركة اتصالٍ بين نقاطٍ متعددة.

حين يُنظر إلى المدينة بهذه العدسة، لا يعود السؤال: لماذا هي دائرية؟ بل ماذا تفعل هذه الدائرية في طريقة عيش الناس لذواتهم وذاكرتهم ومكانهم؟

إذا كان الشكل الدائري في هولير يقدّم نفسه كخيارٍ عمراني، فإن البنية الشبكية تكشف أن هذا الخيار لم ينتج عزلة هندسية، بل شبكة من العلاقات المكانية المتداخلة. فالدائرة ليست مجرد إحاطةٍ بمركز، بل إعادة تعريفٍ مستمرة لهذا المركز، بينما النسيج العنكبوتي يعيد تعريف فكرة الاتصال نفسها، بحيث لا يعود المركز نقطة ثابتة، بل عقدة في شبكة متحركة.

في المدينة المستديرة -المتشابكة، لا تبدو العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة امتلاك أو عبور، بل علاقة مرافقة وانخراط. كأنك لا تعيش المكان بقدر ما تسير داخله ومعه، ولا تتقدم فيه بقدر ما تتنقل بين دوائره وخيوطه في آنٍ واحد. هذا الإحساس ينتج زمناً مختلفاً عن الزمن الخطي المعتاد؛ زمناً لا يُقاس بالوصولات الحاسمة، بل بالتكرار والتشابك معاً، حيث يعيد المعنى إنتاج نفسه عبر الدوران كما عبر الاتصال.

هنا تتقاطع هذه الرؤية مع المنطق الدائري في الثقافة الإيزيدية، حيث لا يُفهم الوجود كخط يبدأ وينتهي، بل كحركة عودة وتجدد داخل دورة كونية أوسع. وفي الوقت نفسه، يتقاطع مع فكرة الترابط الكلي الذي يجعل من العالم شبكة من العلاقات لا يمكن فصل عناصرها دون خسارة المعنى.

ولا يمكن فصل ذلك عن البنية الاجتماعية الأوسع التي تتخلل الحياة اليومية، حيث تظهر الدائرة في التجمعات ذات الشكل الحلقي، ويظهر النسيج في تشابك العلاقات اليومية، وفي الرقص الجماعي الذي يذيب الفرد داخل الإيقاع دون أن يمحو حضوره، وفي أنماط التشارك التي تعيد توزيع المركز بين الجميع. في كل ذلك، تتجلى المدينة بوصفها شكلاً مركباً: دائرة في حركتها، وشبكة في ترابطها.

أما الذاكرة، فتبدو هي الأخرى محكومةً بهذا المنطق المزدوج. فهي لا تعمل كأرشيفٍ خطيٍ، بل كحركة التفافٍ من جهة، وتشابكٍ من جهة أخرى. كل استدعاءٍ للماضي ليس عودةً إليه كما كان، بل إعادة تموضع داخله، ضمن شبكة من العلاقات التي تغيّر موقعه ودلالته معاً.

في هذا السياق، تصبح هولير أكثر من فضاءٍ جغرافي؛ إنها بنية إدراكية تُدرّب ساكنيها على التفكير بطريقة غير خطية وغير منفصلة في آنٍ واحد. المدينة لا تقول ذلك مباشرة، لكنها تمارسه في إيقاعها ومساراتها: دورانٌ لا ينفصل عن تشابك، وعودةٌ لا تنفصل عن اتصال.

وهنا يظهر السؤال الأكثر عمقاً: ماذا يعني أن يعيش الإنسان داخل منطقٍ دائري-شبكي للمعنى؟

هل يصبح الانتماء حالة استقرار، أم يتحول إلى حركة دائمة لا تستقر على قرار؟ ربما تكمن الإجابة في أن المدينة لا تلغي الاستقرار، لكنها تعيد توزيعه بين الحركة والارتباط، بين العودة والاتصال، بين الدائرة والشبكة.

في النهاية، لا تبدو هولير مدينة تُفهم مرة واحدة، بل تجربة تُعاد قراءتها باستمرار. وكل قراءةٍ جديدة ليست اقتراباً من حقيقة ثابتة، بل دوراناً إضافياً وتشابكاً أعمق حول سؤالٍ لا يفقد ضرورته: كيف يمكن للمكان أن يشكّل وعي من يسكنه دون أن يحاصره، وكيف يمكن للدائرة والشبكة معاً أن تصنعا شكلاً للحرية بقدر ما هما شكلٌ للانتماء؟

في هذا السؤال تحديداً، تستمر المدينة كما تستمر الفكرة: لا تنتهي، بل تواصل الدوران والتشابك.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مروة بريم

تسألني انتظارها بلطف، أختارُ مقعدًا في الصفوف الخلفية، وتختفي في إحدى أُبهاء الكنيسة لبعض الوقت، أراقب بصمت تفاصيل المكان، بعضهم مستغرقٌ في صلاته، وآخرون في حركة وقورة ومهيبة بين المقاعد، يبدو تمثال السيدة العذراء في صدر المعبد كغيمة تعلّقت بها العيون وهي تتأهّب لتنفيذ ميثاق الهطول بعد طول جفاف. يتدفق صوت الأرغن كماء عذب…

تنكزار ماريني

إنَّ رواية “مالينا” لإنغيبورغ باخمان ليست مجرد كتابٍ يُقرأ، بل هي مواجهةٌ مع نمطٍ مغايرٍ من التفكير والشعور؛ إنها قصة امرأةٍ تتداعى وتتحطم أمام عالمٍ لا يجد متسعاً لمشاعرها العميقة.

ما هي “الأنا”؟
البطلة كاتبةٌ تتسم بحساسية مفرطة، تنشد حباً مطلقاً. تعيش في شقةٍ مع رجلين، أو بالأحرى، مع وجهين لذاتها:

إيفان: حبها الكبير، لكنه يمثل عالماً…

اطلعنا على ما نشره الاستاذ محمد كلش حول مؤتمر فيدرالية اللغة الكردية، ومن منطلق الاحترام المتبادل، وحرصًا على توضيح الحقائق للرأي العام، نورد بيان الآتي:

أولًا، إن انسحاب الأستاذ من المؤتمر كان قرارًا شخصيًا اتخذه قبل انتهاء أعماله، ولذلك لم يشهد بنفسه جميع الجلسات والقرارات والنتائج النهائية، واعتمد في كثير من استنتاجاته على ما نُقل إليه…

نظّم مكتب منتدى الكلمة الحرة، بالتعاون مع منظمة أحلام صغيرة، دورة تدريبية بعنوان “فن الإتيكيت والبروتوكول الدبلوماسي”، وذلك في مقر المنتدى بمدينة قامشلو، بإشراف المدرب الدولي عبد الرحيم مقصود.
وشهدت الدورة مشاركة 30 ناشطة وناشطًا، حيث تناولت محاور متعددة تتعلق بقواعد الإتيكيت وفنون التعامل الرسمي، وأسس البروتوكول الدبلوماسي، وآداب التواصل، وآليات بناء العلاقات المهنية، بما يسهم…