محي الدين حاجي
كنا في أيام الدراسة نجمع أنفسنا، نحن طلاب القرية، بعد ظهر كل يوم خميس، وننطلق مشياً على الأقدام نحو ديارنا؛ دفعتنا إلى ذلك حالتنا المادية البسيطة من جهة، وانعدام السيارات في ذلك الوقت من جهة أخرى. وفي يوم الجمعة بعد العصر، كنا نسلك في عودتنا طريق “الدواب” الضيق لأنه كان الأقصر بالنسبة لنا.
نمر من قرية موزلان عبر ( بورى شيخ اسماعيل ) الى كرك التي كنا احيانا نمر بجانب بيت المرحوم عبدالمطلب ميرو ونشرب من الجرة ( ده ن) الماء في وسط الحوش ونكمل الى قرية مامه شور و كرى كه را وعند وصولنا إلى بوابة “ديريك” من جهة “گَرى كَه را”، ندخل طريقاً يمتد بين سورين من الأحجار، تحيط به بساتين الكروم التابعة للإخوة المسيحيين، المحملة بعناقيد العنب الأبيض والأسود، وبعض أشجار التين والفستق. وعلى تلك الأسوار الحجرية القديمة، كان المشهد يفيض بالحياة البرية؛ فغالباً ما كنا نرى أمامنا الأفاعي السوداء وهي تعبر الطريق بهدوء، بينما تقف “الضب” وزواحف “المارماروك” (السحالي الكبيرة) شامخة فوق الأحجار تراقب المارة. نمرُّ بجانب المقبرة والكنيسة ونبع المياه المحاذي لها، ومن هناك ندخل إلى قلب المدينة.
لم تكن ديريك يوماً حكراً لطائفة أو لقومية أو لدين، بل كانت بحق مدينة التعايش السلمي والتلاحم الأخوي بين جميع الأديان والمكونات؛ ففي أيام الجمعة كانت تصدح أصوات خطب المساجد، لترد عليها نواقيس وأجراس الكنائس يوم الأحد في تناغم روحي بديع ودون أي إكراه. وكلمة “كريف” كانت تتردد دوماً على لسان كل مسلم تجاه أخيه المسيحي وبالعكس. وكانت اللغة الكردية هي لغة الجميع، يتحدث بها أبناء المدينة بمختلف منابتهم بكل سلاسة وبدون أي تعصب، في تجسيد حي لروح الانسجام والمحبة والوئام التي ميزت هذه الأرض. هذا التعيش الفطري عشناه في أبهى صوره داخل الصفوف المدرسية؛ حيث كان الطالب المسلم يجلس جنباً إلى جنب مع زميله المسيحي على طاولة دراسية واحدة، يتشاركون المقعد والكتب والضحكات في كل الحصص والدروس، عدا حصة التربية الدينية التي يذهب فيها كلٌّ إلى درسه.
كان كل واحد منا يحمل مونه أسبوعه التي جاء بها من بيته بضعة أرغفة من خبز التنور، اللبن، البيض، و”السيرك”. كنا نستأجر غرفة نتشاركها مع طلاب القرية أو نسكنها بمفردنا، ولا سيما في البيوت التي اشتهرت باستضافة الطلاب مثل بيت حليمة (حلو) أو بيت حجي نجم الذي كان يتألف من سبع إلى ثماني غرف منفصلة .
ولقلة الإيجار ومناسبته لأحوالنا المادية، كانت غرفنا على الأغلب في بيوت قديمة؛ تلك الغرفة البسيطة كانت تمثل المطبخ والحمام وغرفة النوم معاً. وفور عودتنا من المدرسة متعبين وجائعين، كنا نسارع إلى إشعال “بابور الكاز”، نمسكه باليد ونستخدم “الإبرة الحديدية” الرفيعة لتسليك رأسه وتنفيسه حتى تشتعل ناره الزرقاء، ثم نأخذ بعض حبات البندورة والبيض لنصنع أكلتنا المفضلة والسهلة والسريعة: “الجظمظ” (الطرشك)، التي كانت تملأ الغرفة برائحة الدفء والشبع.
أما “الحمام” فكان عبارة عن زاوية خلف الباب مصبوبة بالبيتون (الأسمنت) وممدد منها أنبوب إلى خارج الغرفة لتصريف المياه. لم يكن هناك دوش أو ماء ساخن جاهز، بل كنا نغلي الماء بطنجرة على البابور، ونستحم مستعينين بقطعة من صابون الغار الحلبي الأصيل برائحته الزكية التي تفوح في المكان، وإلى جانب البابور منقلة، وإبريق شاي، وبضعة كؤوس، وصحنين أو ثلاثة.
في تلك المرحلة، كانت المدارس تصبغ بأجواء عسكرية صارمة؛ إذ أتذكر جيداً البدلة الدراسية ذات اللون الخاكي (الرمادي الاخضر)، والبوط العسكري الثقيل الموحد لجميع الطلاب، والكتافيات التي كنا نضعها على الأكتاف الإجبارية. وحتى حلاقة شعر الرأس كانت خاضعة لرقابة مشددة، فتبدو في طابور الصباح وكأنك واقفٌ في جبهة قتال دائمة من فرط الانضباط. وفي كل صباح، وقبل الدخول إلى الصفوف، كنا نقف متراصين في باحة المدرسة لترديد “تحية العلم” المقترنة بشعارات حزب البعث التي يصدح بها الميكروفون وتتردد في الساحة.
خلال دراستنا واحتكاكنا بطلاب القرى الأخرى ونشاط الحركة السياسية في المدينة، تعرفنا على الشخصية الوطنية المرحوم والمناضل “أبو قهرمان” (من الحزب الديمقراطي الكردي – البارتي)، الذي جلّ حياته وأفناها في سبيل القضية الكردية (الكردايتي). وبحكم معرفته السابقة بي نظراً لزياراته المتكررة لقريتنا، كان يطلب مني أن أقرأ نشرة “دنكێ كورد” للحزبيين شهرياً، رغم أنني لم أكن حزبيّاً . لقد كان يحاول بشتى الوسائل توعيتنا تحذيرنا من الانجرار وراء تنظيم “الشبيبة”، مؤكداً لنا أنه مرادفٌ لحزب البعث وأفكاره. ونتيجة لتلك التوعية، وتخلفنا المستمر عن حضور الاجتماعات الحزبية المفروضة، تم فصلنا لاحقاً من الشبيبة. والمفارقة آنذاك، أننا وبكوننا مجردين من الجنسية السورية وضمن فئة “أجانب الحسكة”، تم اعفاؤنا من حصة مادة “الفتوة” العملية، رغم التزامنا بالزي والطقوس الصباحية.
أما على الصعيد الدراسي، فقد كان لي شغفٌ خاص؛ حيث كانت مادتي المفضلة على الإطلاق هي اللغة الإنكليزية، وكنت دائماً من الطلاب الأوائل والمتميزين فيها. ويعود الفضل في ذلك إلى الأستاذ القدير “اديب بهنان”، الذي كان يمتلك أسلوباً محنكاً في التعليم، يجمع فيه بين الصرامة الأكاديمية والتمكن التام، مما جعلنا نعشق المادة ونبدع فيها.
وفي المدرسة أيضاً، كانت لكل زاوية وكل أستاذ قصة تركت فينا أثراً لا يُمحى؛ أتذكر أول “كف” من أستاذ اللغة العربية محمود عبارة من السويداء، وفركة الأذن من أستاذ الاجتماعيات إحسان الأسود ، وأول ضحكة تعلو مع أستاذ اللغة الإنكليزية إسحاق وهو يطلق كلمته الشهيرة “شط آب”. كما لا أنسى أول فحص طبي لنا على يد طبيب الصحة الدكتور حسن مهوس (أدام الله في عمره) الموجود الان بالقامشلي، وأول تحية علم مع مدرب الفتوة حبيب صاحب كلمة ( ولكككك)، والتوجيهات الأولى من الموجه أديب. كنا ننقسم في دراستنا إلى قسمين: فرنسي وإنكليزي. وبعد انتهاء الدوام، كنا نشتري أوراق الفحص من “أبو عبدو الحلبي” وسمعته الشهيرة: “أعوذ بالله من نيتكم”. ورغم إعفاءنا وفصلنا لاحقاً، كنا نذهب مع زملائنا وبشكل إجباري للمسيرات الليلية بالمشاعل لترديد الشعارات والمدح واللعنات السياسية.
وفي أوقات الفراغ، كنا نجول في أسواق ديريك القديمة، التي لا تزال وجوه أصحاب دكاكينها محفورة في الذاكرة: رمضان عبد المجيد، محمد شلال، حجي صلح، كبرو، عبد الله درى، سيد راؤوف، بيت كولكى، إبراهيم خاحو، حاج قادر، حجي حبش، سعيد عيني، حاجي سليمان، إبراهيم صبري، إبراهيم بأنه قصر، سليم، عبد الكريم، نواف، حجي يحيى وأحمد خلف، ونوفوتية إيليا. وإلى جانبهم الخياطون جميل وشفيق، ومصلحي الراديو والمسجلات سعيد سعدون وخالد، ودكاكين رضوان الحديدي، ناهيك عن الحلاقين الذين أضافوا على السوق حيوية ومنهم الحلاق ايشوع.
أما أيام الامتحانات النهائية في فصل الربيع، فكانت لها طقوسها الخاصة؛ إذ كنا نأخذ كتبنا وندرس في الهواء الطلق بجانب الثكنة (القشلة) التماساً للهدوء والتركيز. وفي تلك الأيام الخوالي من صبانا، عشنا حدثاً مميزاً هزّ المدينة بفرحه، وهو تدشين سد بورزى، الذي صار شاهداً على ربيع أيامنا وعزيمتنا.
رحلت تلك الأيام بمرها وحلوها، وتفرقت بنا السبل، ولكنها بقيت محفورة في الوجدان كأجمل سنوات العمر؛ سنوات الكفاح، والبساطة، والصداقة الحقيقية. سنواتٌ تداخلت فيها صرامة الزي الموحد والبوط العسكري الثقيل وهتاف الساحات، مع رائحة صابون الغار وبخار مقلاة “الجظمظ”، وجمال العيش المشترك على مقاعد الدراسة، وطموح التميز بالإنكليزية مع الأستاذ بهنان، ودفء الوعي القومي.. كل ذلك صنع منا رجالاً صلبين، يحملون قيم ديريك ونقاء طفولتها أينما ذهبوا.