ا. د. قاسم المندلاوي
انتهت مشاركة المنتخب العراقي في نهائيات كأس العالم 2026 بخروج مبكر، شأنه شأن معظم المنتخبات العربية والآسيوية ، باستثناء منتخبات مصر والمغرب، واليابان وأستراليا. ولم تقدم هذه المنتخبات المستوى الذي كانت تطمح إليه جماهيرها ، رغم ما أُنفق على إعدادها من إمكانات مالية وبشرية ، الأمر الذي أدى إلى خيبة أمل واسعة لدى جماهيرها في الداخل والخارج .
ولا يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل فني تفصيلي للمباريات ، وإنما إلى تسليط الضوء على أبرز أسباب التراجع ، واستعراض أهم المتطلبات اللازمة للنهوض بكرة القدم العراقية مستقبلاً
أولاً: أبرز نقاط الضعف
يمكن تلخيص أبرز أوجه القصور التي ظهرت خلال البطولة بما يأتي :
1 – ضعف المستوى المهاري والخططي ، مع محدودية الوصول إلى منطقة جزاء المنافس وصناعة الفرص .
2 – بطء الانتقال بين الدفاع والهجوم ، وضعف سرعة الأداء ، إضافة إلى كثرة الأخطاء في التمريرات .
3 – تراجع اللياقة البدنية ، وعدم القدرة على المحافظة على المستوى نفسه طوال (90) دقيقة ، مما أدى إلى الأداء في الدقائق الأخيرة وخسارة العديد من المباريات .
4 – كثرة الإصابات ، ولا سيما في الشوط الثاني ، نتيجة ضعف التحمل البدني والإجهاد .
5 – التوتر النفسي وفقدان الثقة منذ بداية المباريات ، وهو ما انعكس على كثرة الأخطاء والالتحامات العنيفة وحالات الطرد، كما حدث مع المنتخبين القطري والعراقي ..
6 – قلة الاحتكاك الدولي مع المنتخبات الأوروبية ومنتخبات أمريكا الجنوبية ، مما انعكس سلباً على الخبرة الميدانية .
– ندرة اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، وخاصة المهاجمين الهدافين
8 – الحاجة إلى إعداد أفضل لحراس المرمى
9 – استمرار المشكلات الإدارية والتنظيمية داخل الاتحادات الرياضية العربية بصورة عامة
ثانياً: تشابه النتائج بين مونديال 1986 و2026
عند مقارنة مشاركة العراق الأولى في كأس العالم بالمكسيك عام 1986 مع مشاركته في مونديال 2026، نجد تشابهاً لافتاً في النتائج
ففي مونديال 1986 خرج المنتخب العراقي من الدور الأول بعد خسارته أمام باراغواي (1-0)، والمكسيك (1-0)، وبلجيكا (2-1)، وسجل هدف العراق الوحيد آنذاك اللاعب الراحل أحمد راضي
وفي مونديال 2026 تكرر المشهد تقريباً، إذ غادر المنتخب البطولة من الدور الأول بعد خسارته أمام النرويج (4-1) ، وفرنسا (3-0) ، والسنغال (5-0) ، وسجل هدف العراق الوحيد اللاعب أيمن حسين
إن هذا التشابه ، رغم مرور أربعين عاماً بين المشاركتين، يعكس استمرار حالة الركود في كرة القدم العراقية ، وعدم تحقيق التطور المنشود . ولا شك أن هذا الواقع تأثر بظروف سياسية وأمنية واقتصادية معقدة مر بها العراق خلال العقود الماضية ، من حروب وحصار وإرهاب وأزمات داخلية ، تركت آثارها على مختلف القطاعات ، ومنها القطاع الرياضي .
ثالثاً: ما المطلوب في المرحلة المقبلة ؟
1 – أصلاح الإدارة الرياضية
اختيار قيادات رياضية كفوءة علمياً وإدارياً ، تتحلى بالنزاهة والروح الرياضية ، وتبتعد عن المحاصصة الحزبية والعنصرية والشوفينية، لإدارة الرياضة في العراق وإقليم كوردستان ..
2 – تعزيز التعاون
تطوير التعاون والتنسيق بين اللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية في بغداد ونظيراتها في إقليم كوردستان، بهدف بناء منظومة رياضية موحدة ترتقي بالرياضة العراقية إلى مستويات أفضل .
3 – تطوير البنية التحتية
إنشاء وتوسعة المجمعات والمنشآت الرياضية وفق المواصفات العالمية ، وتجهيزها بأحدث المعدات والأجهزة التدريبية
4 – التخطيط المبكر للاستحقاقات المقبلة
الاستعداد للمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 2028
وضع برنامج طويل الأمد للإعداد للمشاركة في كأس العالم 2030، الذي تستضيفه إسبانيا والبرتغال والمغرب
رابعاً: متطلبات النجاح
لتحقيق نهضة حقيقية في كرة القدم العراقية ، ينبغي العمل على
1 – بناء قاعدة رياضية واسعة في المدارس والأندية
2 – نشر كرة القدم في جميع المحافظات والأقضية والنواحي والقرى
3 – أنشاء مدارس كروية متخصصة لرعاية الموهوبين في بغداد والموصل والبصرة والنجف الأشرف، وفي أربيل والسليمانية ودهوك وكرميان ، مع توفير المدربين المؤهلين والتجهيزات الحديثة
4 – دعم المدربين مادياً ومعنوياً، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في الدورات التدريبية داخل العراق وخارجه
5 – تطوير منظومة التحكيم من خلال الدورات والتأهيل المستمر.
6 – الاهتمام بالبطولات المدرسية وبطولات الأندية والفئات العمرية المختلفة
7 – دعم المنافسات المحلية بما يسهم في اكتشاف المواهب وصقلها
خامساً : توسيع المشاركة الرياضية
من المهم العمل على تنظيم واستضافة البطولات العربية والإقليمية والآسيوية ، لما لها من أثر كبير في تطوير الخبرات الفنية والإدارية
كما ينبغي توسيع الاحتكاك الخارجي من خلال
1 – تنظيم بطولات داخل العراق وإقليم كوردستان في الألعاب الجماعية ، ودعوة المنتخبات والأندية العربية والآسيوية للمشاركة
2 – إقامة مباريات ودية ومعسكرات تدريبية خارجية مع منتخبات وأندية من أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا ، بهدف اكتساب الخبرة ورفع مستوى الأداء .
خاتمة:
إن بناء كرة قدم عراقية قادرة على المنافسة لا يتحقق بردود الأفعال المؤقتة بعد كل بطولة ، وإنما يتطلب مشروعاً وطنياً طويل الأمد يقوم على الإدارة الكفوءة ، والتخطيط العلمي ، والاستثمار في الناشئين ، وتطوير البنية التحتية ، وتعزيز التعاون بين جميع المؤسسات الرياضية في العراق وإقليم كوردستان ، فالنجاح في الرياضة ليس وليد الصدفة ، بل هو ثمرة رؤية واضحة، وعمل مؤسسي.