د . مرشد اليوسف
عندما كنا نعيش في القرية، كان معظم طعامنا يأتي من منتوجات الأرض .
والقليل يأتي من السوق، بل كانت الأرض نفسها تطعمنا. ففي الربيع، كانت الأراضي البور، والحدود الفاصلة بين الحقول، والمساحات الممتدة بين سيقان القمح والشعير، تمتلئ بأنواع كثيرة من النباتات والحشائش البرية التي كانت أمهاتنا يعرفنها واحدةً واحدة، وكأنهن يحملن في ذاكرتهن خريطة خفية للأرض وما تخبئه.
كانت هناك نباتات ورقية خضراء مثل الخردل والقنيبرة والمريرة، التي كنا نسميها (ستري زرك)، والبربارة أو (الحمكة)، وغيرها من النباتات التي كانت تتحول، بعد غسلها وطبخها، إلى أطباق شهية تفوح منها رائحة الربيع.
لكن بين كل تلك النباتات كان هناك نوع آخر، كان له مكانة خاصة في قلوبنا:
الكرنك (الكعوب) .
وكان من أطيب ما تنبت الأرض، وكنت أراه شيئًا يشبه الكنز الصغير الذي تخبئه لنا الحقول.
ومع ذلك، لم يكن الكعوب هو أعظم أسرار الربيع.
كان هناك ما هو أثمن منه:
الفطر
(كاف كليلك).
كنت أرافق أمي باستمرار في رحلاتها لجمع تلك النباتات. كنت أمشي خلفها بين الحقول، أراقب عينيها وهما تبحثان بين الأعشاب وسيقان القمح، وأتعلم منها أسماء النباتات وأماكن نموها وكيف تميز الصالح منها عن غيره. وكانت أمي تعرف الأرض كما يعرف الإنسان خطوط كفه. فما إن تقع عيناها على نبتة حتى تعرفها، وتعرف إن كانت تستحق أن تُقطف أم تُترك.
كنت أعود إلى أقراني وأتحدث بسعادة عن طبخ أمي، وعن الأطباق التي كانت تصنعها لنا من نباتات الربيع وخاصة الكباب كرنك . لكن أمي كانت تضع لي حدودًا واضحة لا يجوز تجاوزها.
كانت تقول لي بحزم:
احكِ لهم عن الأكل كما تشاء، لكن إياك أن تقول لهم أين وجدنا الفطر، أو أين رأينا الكعوب».
كنت أستغرب في داخلي: ما سر هذه السرية كلها؟ ولماذا تخشى أمي أن يعرف الآخرون مكان نبتة أو فطر ينبت في البرية؟
لكنها كانت تكرر تحذيرها، وكأنها تحرس سرًا عائليًا ثمينًا.
ثم كانت تقول عبارتها التي بقيت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم:
العثور على بلات(مستعمرات) الكعوب والفطر بين سيقان القمح الأخضر حظ ونعمة يسوقها الله لنا، فيجب التكتم عليها.
كانت أمي تؤمن أن الأرض لا تعطي أسرارها للجميع، وأن بعض أرزاقها تأتي مصادفةً لمن يحسن البحث عنها. ولذلك كان العثور على بقعة مليئة بالكعوب أو الفطر أشبه بالعثور على كنز.
واليوم، عندما أتذكر تلك الأيام، أفهم لماذا كانت أمي تخفي أماكنها.
لم تكن تخاف أن يأخذ أحدٌ الفطر والكعوب فحسب، كانت تخشى أن تضيع بركة المكان.
ففي عالم القرية القديم، كان للرزق حرمة، وللأرض أسرار، وللأمهات قوانينهن الخاصة. وكان الطفل يتعلم منذ صغره أن بعض الأشياء يمكن الحديث عنها، وبعضها الآخر يجب أن يبقى سرًا بينه وبين أمه… وبين الأرض.
ولعل أجمل ما بقي من تلك الأيام ليس طعم الفطر ولا مذاق الكعوب، وإنما تلك الصورة البعيدة لأمي وهي تنحني بين سيقان القمح الأخضر، تبحث بعين خبيرة عن رزق صغير تخبئه الأرض، ثم تلتفت إليّ وتقول:
«لا تخبر أحدًا أين وجدناه… فهذا رزق ساقه الله إلينا».