سيرة ذاتية لمقهى.. قراءة في المجموعة القصصية “يوسف الجميل” للكاتب نيروز مالك

جوان سلو

“كانت القهوة قد ابتردت في فنجانه عندما رفعه إلى فمه، وارتشف منه رشفة صغيرة. وضع الفنجان وهو يتأمل أمامه، عبر الواجهة الزجاجية الكبيرة. لا شيء يثير الانتباه في ساحة “سعد الله الجابري”، كل ما فيها يشتت الذهن.. وقبل أن تشده البلادة إلى الكسل أمسك بالقلم، وعاود الكتابة من جديد”

يمتد المقهى كحيّزٍ وجودي يأخذ من حميمية البيت أسراره، ومن الشارع علنيته، ليجد فيه الجالس إلى طاولته وكأنه يتوسط جسراً يربط بين هذين العالمين، هذا المقهى الذي يتخذ من حكايات الناس لذةً، ومن حضورهم سمة كينونته، ومن وجوههم أيقونات تعلق على جدرانه، فنرى ونقرأ ونسمع ونشر بتاريخ مدينة مدونة على شكل صور احتفظت بنظرات ساكنيها وابتساماتهم ويومياتهم، والتي امتزجت هي أيضاً مع شقوق الجدران وصارت تسرد لنا سيرة مقهى عاشق للحياة، للفكاهة، للحب.

أدار يوسف نظره عن واجهة المقهى الزجاجية المطلة على ساحة “سعد الله الجابري” بعد أن أبعد فنجان القهوة من أمامه إلى آخر الطاولة، ثم انكبّ على أوراقه متابعاً الكتابة من جديد:

لأول مرة، منذ ثلاثين سنة، أحس منير، وهو يسير إلى المقهى، بأن الطريق طويلة، وأن جسمه قد أصبح خفيفاً! ابتسم:” نعم لقد أصبحتَ خفيفاً، فأنت أُحِلتَ منذ اليوم إلى التقاعد.. فما الأمر الذي سيشغلك بعد الآن؟

صدرت عن دار ميزوبوتاميا للنشر في سوريا – القامشلي عام ٢٠٢٥، مجموعةٌ قصصيةٌ من القطع المتوسط بعنوان “يوسف الجميل” للكاتب نيروز مالك، عاشقِ حلب وحكاياتها، وراصدِ التحولات التاريخية التي حصلت فيها، فكانت المقاهي خشبةَ المسرح الكبير الذي تُعرَض عليه هذه التحولات الزمنية. ومن ذلك مقهى القصر الذي استخدمه الكاتب نيروز حيزاً جامعاً لأغلب قصصه القصيرة، ومن شخصياتٍ كيوسف وعبد الله ومنير وغيرهم، رواةً لقصص زوار المقهى ورواده. فنجد أن مقهى القصر، وعبر سنوات عمره التي قاربت الثمانين، قد حفظ وجوه زواره من مختلف طبقات المجتمع الحلبي: مثقفين، وموظفين، وصغار كسبة، وفلاحين، وقرويين عابرين، وطلبة جامعات، وشباب، ومرضى قادمين من مدن بعيدة، ليأخذوا من المقهى مستراحاً لهم من عناء السفر.

وكان أدباء مدينة حلب وريفها يتخذون من “مقهى القصر”، الذي يعود تاريخ بنائه إلى خمسينيات القرن العشرين، والقريب من سينما أوغاريت، ملاذاً لهم، يجتمعون حول طاولاته في أوقات مختلفة من النهار، وبالأخص في الفترة التي تبدأ عند الرابعة عصراً، وتستمر حتى نحو التاسعة ليلاً. فقد شكّلت المقاهي نقطةً بارزةً بوصفها المكان الذي يشغل الناس في المشهد الفكري والثقافي.

 

بين مقهيَين…

 

يتخذ الكاتب من مقهى القصرفي وسط مدينة حلب، القريب من ساحة سعد الله الجابري، مكاناً لتدوين أحداث قصص أبطاله ورُواته. وتتتبّع القصة الأولى حياة منير، هذا الموظف المتقاعد بعد ثلاثين عاماً من العمل الحكومي، فتبدأ الأحداث في يوم خريفي متجهاً إلى المقهى، ليجد نفسه يواجه تغييرات مفاجئة عكست تحولات زمانية ومكانية رافقت واقعه الحديث الفوضوي. وتتوارد القصة على لسان يوسف، الذي يشرح لنا الصدمة التي وجد فيها منير نفسه لحظة تقاعده، وتأمله للطريق والذكريات قبل ثلاثين عاماً، وعلاقته بالمقهى في أيام شبابه بوصفه نافذةً إلى ماضيه البعيد. فيقرأ، وهو يسير إلى المقهى، نعوات رفاقه على الجدران، وتراوده رغبة في شراء بطاقة يانصيب، كما كان يفعل قبل زمن بعيد، ثم يفاجأ بالمقهى مغلقاً بحجة التصليحات والترميم، فيشعر بالغضب والرغبة في البكاء، لشعوره بالأسى لأنه لم يزر المقهى قبل إغلاقه.

وبعد إعادة افتتاح المقهى، تتسارع خطوات منير نحو المكان، ليُصدم مرة أخرى حين يراه قد تحول إلى صالة ألعاب إنترنت للشباب، فيخرج خائباً، حتى تنتهي القصة بعودة إلى يوسف الراوي، الذي يضع نقطة النهاية للعبة الخيبة والخذلان، وكأنه يكتب تأريخاً لانهيار مكان حميم في الذاكرة الفردية، ضمن ذاكرة أكبر حجماً، هي ذاكرة مدينة تمزقت بفعل الحرب.

وفي قصة عبد الله يوسف، يأخذنا نيروز مالك إلى مقهى الشباب، حيث يفاجأ الراوي بعودة صديقه عبد الله بعد انقطاعٍ استمر خمس سنوات عن ارتياد المقهى. وبعد استفساره عن حاله، يخبره أن المرض أقعده عن الحضور سابقاً، ويكشف له عن حادثة وقعت له في ساعة متأخرة من مساء أحد الأيام، حين باغته عدد من المسلحين التابعين للأجهزة الأمنية في النظام السوري السابق، وهم يبحثون عن شخص اسمه “يوسف عبد الله”. ولحسن حظه، استجوبوه في تلك اللحظة قبل أن يعتقلوه، فأخبرهم، مستنداً إلى وثائقه الرسمية، أن اسمه “عبد الله يوسف”، فغادروا من دون أن يعتذروا عن سوء الفهم الذي وقعوا فيه، تاركين إياه طريح الفراش لأيام عدة، يرتعد خوفاً كلما هامت في ذاكرته نظرات الترهيب في ليلة الرعب تلك.

 

سيرة مشحونة بالتوتر

لا يخفى على القارئ أن القصص تعالج صراع الزمن والهوية، والبحث عن الذات بين جدران مقهى احتوت تاريخ روادها، ليجد أن الزمن قد تصدى لأمنياتهم وذكرياتهم، في محاولةٍ منه لقتلٍ تدريجي لذواتهم الماضية، جاعلاً من المقهى رمزاً لديمومة الزمن القاسي، وشاهداً على تحولات المدينة التي تعيش الصراع ذاته بين الحداثة والأصالة.

تتنقّل الشخصيات من طاولة إلى أخرى، تتسامر في ليالي الصيف والشتاء، تعيش لحظات الخيبة والحزن والخوف، فتمتزج قصصهم معاً مكونةً تاريخاً شفوياً مشحوناً بالتوتر، تتناقله الأعين قبل الشفاه، يمرُ بسلاسة بين الحاضر والماضي، مما يخلق إيقاعاً يعكس تفتّت الذاكرة في مواجهة الزمن، الشيخوخة، الحداثة. وبهذه اللغة القريبة من البوح الشاعري النفسي، يقدم لنا الكاتب “مالك” قصصه بلغة طبيعية توازي حالات الشخصيات النفسية، جاعلاً من الفصول والأيام والأوقات عناصرَ درامية موازية لها.

لكن ما يؤخذ على الكاتب إطالته لبعض الفقرات التي تُغرِق القارئ في التفاصيل الذهنية والتردد ما يُضعف الحبكة الهادئة ويُبطئ الإيقاع السردي. فنراه أحياناً يحصر المفارقات في مشاعر الحنين والغضب الداخلي دون حوارات صدامية مع من شخصيات أخرى، ما يجعل القصص أقرب ما تكون إلى مونولوج درامي ذاتي.

“كان أبي يضحك، ويقول له:” ماذا؟ اليوم أيضاً تريد الهرب من وردة يا خالي! ثم يضيف: إلى متى ستظن بأن الهروب هو الحل الأمثل لك؟“.

كان خال والدي يغضب ويسأله:” ما الحل الأمثل برأيك؟ أن أبقى مشدوداً إليها طيلة حياتي؟ أنا أكرهها يا ابن أختي، أكرهها يا خالو.. أنا لا أقدر على رؤيتها، أتمنى الموت على مشاهدتها أمامي كل صباح!”.

 

المقهى مرآة النفس البشرية

 

تهيم في فضاء المجموعة القصصية غيوم رمادية تعبّر عن أزمة الثقة بين الشخصيات أنفسهم من جهة كأفراد، وبين السلطة كجماعات، فنقرأ اللغة السردية تتراوح بين هذين العالمين ما يخلق عزلة أعمق، وهوّة من الصعب ردمها، فيوميات الرعب والخوف والخيبة وفقدان الأمل ما تزال تعشش في أنفس رواد المقاهي الذين كانوا يجدون فيها متنفّسا لهم من عناء الحياة، غير مقتنعين أن للسلطة دور في تشويه لغتهم وهويتهم، فيلقون اللوم على أنفسهم، وكأنهم سبب المأساة اليومية. هنا نجد الكاتب متعمّداً يُقحِم المقهى في صيرورة الأحداث لأنه يجدها مرآة تعكس خيبات الناس، وربما خيبته من واقع ذليل مقيّد، تحكمه الأهواء السلطوية، أهواء مغلّفة بالحداثة المزيفة.

“تصور، لا يلتفتون إليك، إنما ينسحبون من حولك دون كلمة، وأنت، تصور، تقول لهم، تطلب منهم، إن كانوا يريدون منه أن يذهب معهم ليدلهم على منزل الجار، الجار الذي جاؤوا يبحثون عنه؟ تصور، وأنت..

واختنق عبد الله يوسف بصوته، سكت بعد أن شق النشيج صدره.

ظللت صامتاً، أنظر إليه، وأفكر بأسباب عودته إلى الحانة، إلى احتفاله الصغير، وإلى عينيه المملوءتين بدمع عصيّ لا يسقط”.

 

 

جوان سلو:

كاتب قصصي وروائي من سوريا. القامشلي

00963987037994

Jwanslw5@gmail.com

    

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

لا أذكر منذ متى أحلم بزوجيْ حذاء يناسبان رجْلي اللتين لا يفارقهما ناظريَّ ، وبي سخط وقهر وقنوط!

أذكر أن أبي كان يعاني من المشكة نفسها، وهو يتحسر على امتلاك زوجي حذاء يريحان رجليه حين يمشي، ويبقيهما أمامه حين يجلس في مكان ما، ليعرف كل من يراه أنهما يخصانه.

لم أصدقه حين كان يشدد على حرمانه…

ا. د. قاسم المندلاوي

اختُتمت منافسات كأس العالم 2026 ، التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 منتخبا للمرة الأولى في تاريخ البطولة ، بدلًا من 32 منتخبًا ، في تجربة تنظيمية جديدة للاتحاد الدولي لكرة القدم ( فيفا ) وقد شهدت البطولة إقامة 104 مباريات خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو…

كيفهات أسعد
ثَمّةَ كائنٌ خمسينيّ في مكانٍ ما،
بعيدا عن أخطاء أبيه.
حزينٌ في مكانٍ ما،
تعيسٌ في مكانٍ ما،
يطمئنّ على أوجاعه كاملة،
ويطمئنّ على الطغاة
الذين دخلوا قلبه مرةً
ثم رحلن،
كعناكبَ سوداء،
أو كنصفِ حوريةٍ ونصفِ ملاك.
ثَمّةَ كائنٌ خمسينيّ
ترك التدخين،
والنساء،
والخبز الأسمر والأبيض،
ترك السكر والنشويات.
ينام بقلب طفل،
ويصحو بهِمّة شيخ.
لم يعد يفرّق
بين الوردة وفنجان القهوة.
لم يعد يلتفت
إلى من انتحرت
بكامل أناقتها،
وبياضها،
وزينتها،
وحُلِيّها،
ومرحها.
في مكان ما،
هناك خمسينيّ
لم يعد…

نصر محمد / ألمانيا

وأخيراً…

بعد طول انتظار، يرى كتابي «على بيادر الذاكرة – شذرات من غربة دافئة» النور.

كتاب يلامس وجع الغربة وحنين البعيد، ويضم نصوصاً سردية تختزنها الروح بين الفقد والاشتياق، والبحث عن الوطن في ثنايا الأمكنة والذكريات.

الغربة هنا ليست مجرد مكان، بل تجربة إنسانية…