صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية «ظلّ الرمال» للكاتب والمؤرّخ والخبير العسكري والاستراتيجي السعودي خالد المرعيد، الذي يستلهم سيرة حقيقية من تاريخ عائلته، ويتّخذ من شخصية جدّه تركي بن ماجد بن مرعيد محوراً لاستعادة مرحلة حافلة بالتحولات في تاريخ المملكة العربية السعودية، عبر سرد يمزج بين الذاكرة العائلية والتاريخ الوطني، ويعيد الأحداث الكبرى إلى فضائها الإنساني، بما يحمله من حب وفقد ووفاء وشجاعة وانتظار.
ينطلق المرعيد في روايته من أثر شخصي وعائلي عميق؛ إذ يهدي الكتاب إلى الرجال الذين عبروا الحروب والطرق البعيدة وحملوا الوطن على أكتافهم، وإلى الآباء الذين دفعوا أبناءهم نحو الراية وواجهوا الفقد، قبل أن يخصّ جدّه تركي بن ماجد بن مرعيد، مؤكداً أن سيرته وبطولاته ألهمتاه كتابة الرواية.
يبني الكاتب في روايته عالماً روائياً تتعاقب فيه الأجيال وتتجاور المجالس الطينية وبيوت الوادي وطرق القوافل والخيل والآبار والصحراء مع الوقائع السياسية والعسكرية التي شهدتها الجزيرة العربية.
تتحرّك «ظلّ الرمال» بين زمنين متداخلين: زمن الحكاية التي تتناقلها الأسرة جيلاً بعد جيل، وزمن التاريخ الذي شهد قيام الدولة السعودية وتحولاتها. ومن خلال هذا التداخل، تتحول سيرة تركي بن ماجد بن مرعيد إلى نافذة تطل منها الرواية على حياة أجيال عاشت الخوف والحروب والرحيل والتحولات، وشاركت بطريقتها في حماية الأرض وترسيخ الاستقرار.
وتعود الرواية بجذور الحكاية إلى مرعيد، الجد الأول، وإلى علاقته بآل سعود، قبل أن تنتقل إلى ماجد بن مرعيد وما حمله من إرث الوفاء والارتباط بالدولة. ويصور السرد هذا الإرث بوصفه قيمة تنتقل بين الأجيال وتختبرها الأزمنة الصعبة؛ إذ تستعيد الرواية وقوف مرعيد مع الدولة السعودية الأولى، ثم انتقال هذا المعنى إلى ابنه ماجد الذي عاصر التحولات اللاحقة وشهد قيام الدولة السعودية الثانية.
ويكتسب اسم «تركي» نفسه دلالة داخل البناء الروائي، فقد اختاره ماجد لابنه تيمناً بالإمام تركي بن عبدالله، ليغدو الاسم جسراً رمزياً بين تاريخ البلاد وتاريخ العائلة، وبين رجال مضوا وآخرين سيواصلون حمل ما ورثوه من قيم ومسؤوليات. ومن هذه العتبة تبدأ الرواية في بناء الشخصية المركزية التي سترافق القارئ عبر مراحل العمر المختلفة، من الطفولة والصحراء والخيل إلى المسؤولية والأسرة والحروب والفقد.
في قلب التاريخ
تتابع الرواية نشأة تركي وتكوّن شخصيته تدريجياً، وتمنحه حضوراً يتجاوز صورة الفارس التقليدية. فهو رجل يتعلم قراءة الناس والأرض، والإصغاء إلى الصحراء، وضبط القوة بالحكمة، والتعامل مع المسؤولية بوصفها التزاماً أخلاقياً تجاه الآخرين. وتظهر هذه الملامح في مواقف متعددة، من حل النزاعات بين الناس إلى حماية القوافل والبيوت، ثم في المراحل اللاحقة حين يصبح بيته جزءاً من زمن التحولات والحروب.
تشكل استعادة الرياض عام 1319هـ واحدة من الذرى الأساسية في الرواية، ويتدرج السرد نحوها عبر فصول «الطريق إلى الرياض» و«ليلة المصمك» و«العودة». ويستعيد الكاتب اللحظة من داخل تجربة الرجال الذين ساروا في تلك الرحلة، وما رافقها من انتظار وترقب وخوف ويقين.
ويمتد المسار بعد استعادة الرياض إلى السنوات اللاحقة وما حملته من رحلات ومعارك في سبيل توحيد البلاد، فتدخل أسرة تركي زمناً جديداً تتداخل فيه مشاعر الاعتزاز بالواجب مع الخوف من الخسارة. ويتحول البيت الذي امتلأ بالأبناء والخيل والمجالس إلى مساحة تختبر فيها الرواية معنى التضحية حين يصبح التاريخ جزءاً مباشراً من مصير الأسرة.
يعتمد خالد المرعيد في «ظلّ الرمال» على سرد يضع التفاصيل اليومية إلى جوار الوقائع الكبرى؛ فالقهوة والنار والخيل والريح والمجالس والولادات والزيجات ومخاوف الأمهات تتحرك بالتوازي مع التحولات السياسية والعسكرية. ومن خلال هذه التقنية يكتسب التاريخ وجوهاً وأصواتاً وأسماء، ويغدو القارئ قريباً من الإنسان الذي عاش الحدث بدلاً من الاكتفاء بمراقبته من مسافة زمنية بعيدة.
وتنهض الرواية كذلك على فكرة انتقال الذاكرة شفهياً بين الأجيال. فالحكاية تبدأ من مجلس عائلي ومن سرج قديم معلق على الجدار، ومن أحاديث الشيوخ والجدات عن رجل مضى وظل اسمه حاضراً. وفي الصفحات الأولى يكتشف الراوي أن ما يبحث عنه يتجاوز سيرة رجل واحد إلى حكاية بيت كامل عاش الحروب والولاء والفقد وحاول أن يحفظ أسماء رجاله من الغياب.
وبذلك تقيم «ظلّ الرمال» جسراً بين الرواية التاريخية والسيرة العائلية، وتستعيد مرحلة تأسيسية من تاريخ المملكة عبر مصائر بشرية صغيرة وكبيرة: رجال يخرجون عند الفجر، نساء ينتظرن خلف الأبواب، أطفال يكبرون في زمن مضطرب، آباء يورثون أبناءهم الأسماء والقيم، وفرسان يعود بعضهم فيما يبقى بعضهم الآخر في ذاكرة من انتظروهم.
خالد المرعيد.. التاريخ بخبرة عسكرية
يأتي اشتغال خالد المرعيد على هذه المادة من تقاطع الخبرة الشخصية والعائلية مع اهتمامه بالتاريخ العسكري السعودي. فالمرعيد لواء ركن متقاعد، وكاتب ومؤرّخ مختص بالشؤون العسكرية والسياسية، وخبير عسكري واستراتيجي، وحفيد أحد رواد استعادة الرياض عام 1319هـ مع الملك عبد العزيز. كما أمضى خمسة وثلاثين عاماً في الحرس الوطني، وشغل عدداً من المواقع القيادية والعسكرية، ومارس أعمال القيادة والتخطيط والتدريب.
وحصل المرعيد على دورة القيادة والأركان من كلية ليفنوورث الأمريكية وماجستير في العلوم العسكرية، إلى جانب دورات عسكرية وأمنية واستخباراتية وإدارية داخل السعودية وخارجها، وهو عضو في اتحاد المؤرخين العرب وعضو في جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون الخليجي.
وسبق أن أصدر كتاب «ملحمة المجد الخالدة – استعادة الرياض عام 1319هـ من المنظور العسكري»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 2009 والثانية عام 2021، وترجم إلى الإنجليزية عام 2024، إضافة إلى «مسيرة حياة.. لخدمة وطن» عام 2023، و«ملاحم الدولة السعودية: التأسيس – الصمود – التوحيد» عام 2025. وكتاب «الحرس الوطني السعودي: التكوين – القادة – الإنجاز» وهو عمل توثيقي يؤرخ لمسيرة الحرس الوطنيّ ويرصد منجزاته الأمنية والعسكرية والتنموية، ويوثق سيرة 50 شخصية قيادية.
وتأتي «ظلّ الرمال» لتفتح في تجربة المرعيد مساراً سردياً مختلفاً؛ فبعد اشتغاله على التاريخ الوطني والعسكري في مؤلفاته السابقة، ينتقل هنا إلى الرواية، مستفيداً من المعرفة التاريخية ومن ذاكرة الأسرة في آن واحد، ليمنح الوقائع وجهاً إنسانياً، ويستعيد من خلالها أولئك الذين عاشوا الأحداث داخل البيوت وعلى ظهور الخيل وفي الطرق البعيدة.