بدري دورسن
ارتمت الرغبة على قارعة الطريق، وجلست الروح على شفيرها تهمس بوهن: حسبي.
ليست مشقة السفر بما تكتنزه الأقدام من مسافات،
بل بوحشة تكرار الخطى، كمن يطبع بصمته على الماء كل صباح.
صار الوجود لوحة عتيقة أسرف الناظر في تأملها،
حتى محت كثرة التحديق ما تبقى من رونقها،
فما عاد يبصر فيها إلا غبار المألوف.
خبا في الصدر ذلك الوقود الذي كان يقذف بالقلب نحو غدٍ مختلف،
فقد ابتلعتنا الأيام المتشابهة كصرات ساعة لا تمل تكرار نغماتها.
هناك، على حافة الإعياء،
اكتفت الروح بالصمت، وتوقف القلب عن مطاردة سراب اسمه الغد،
وهو لا يحمل في جعبته سوى مرايا الأمس المشوهة.
تلاشت ألوان المستقبل،
وأصبحت الأيام تشبه بعضها في ولاء باهت،
بلا نبض يخترق الرتابة، ولا نبوع يكسر حلقة التكرار.
وليس أقسى من أن تتكرر التفاصيل حتى تفقد هيبتها،
فلا يبقى من العمر سوى إطار خاو،
تبحث فيه الروح عن زاوية لم ترها من قبل،
لتبدأ من جديد، أو لتنتهي بكرامة.
بل شبعت الأرواح، وكلّت العيون،
من زيفٍ يتوشح بالحق، ونفاقٍ يتقمص الصدق، وتملق يرقى على درج الضمير.
فمن كان عميلا صار قدوة،
ومن كان لا يساوي شيئا بات صاحب منصب،
فلم يعد يهمهم سوى كراس يتسابقون عليها، وجيوبٍ يتنافسون في ملئها.
وضاع في دهاليز صفقاتهم المغلقة أرواح المخطوفين والمغتالين،
فلا شهيد يذكر،
بل أصبحت جثثهم أرقاما في دفاترٍ سوداء،
ولا مخطوف غائب يرجى،
ولا يفتح ملف وتراكم عليه الغبار،
وثمنا بخسا في صفقات لا يعلو عليها إلا جشع المتقاسمين.
هناك، حيث انقلبت الموازين، وصار السفيه واعظا، واللص حارسا،
أدركت الروح أن أعتى أنواع العذاب،
ليس أن تمشي في طريق طويل، بل أن تشهد وهواجسك تصبح ترابا،
وأن تبحث عن العدل، فلا تجد في الزحام إلا وجوها تلبس أقنعة الباطل.
وحين يبلغ التيه مداه، وتنكشف الأقنعة عن وجوهها الخاوية،
أدركت أن ما يدوم في هذا الوجود ليس زيف المناصب، ولا بريق الصفقات،
بل وجه الحق الذي لا يزول، وميزان لا تمحوه الأيام.
وكل نفسٍ راجعة إلى أصلها،
وكل ظالم إلى حسابه، ولو تسلق درجات الوهم،
وكل صباح مهما تشابه، يحمل في طياته سر انفراجه،
أو موعدا مع نهايةٍ تليق بمن عاش شامخا، وإن تعب.