نصر محمد / ألمانيا
بخياله الخصب، يحلق مصطفى عليكو بعيدا في فضاءات الحب والجمال، منحازا إلى الرومانسية، وإلى انفعالات الوجدان وحرارة القلب. ويبدو أن الطبيعة تشكل في تجربته ملاذا ورفيقا وفيا، يلجأ إليها ليستمد من سحرها صوره، ويعبر من خلالها عن مشاعره وقلقه وحنينه.
فهو شاعر مصور بامتياز، يضفي على صوره الشعرية ملامح من إحساسه الروحي والذوقي والنفسي، ويجعل من القصيدة مساحة تتداخل فيها الرؤية الشعرية مع عين الفنان التشكيلي. شعره لا يقف عند حدود اللحظة، بل يمتد إلى أعماق الذاكرة، ويتشابك فيه الماضي بالحاضر، والحلم بما هو آت.
مصطفى عليكو شاعر يكتب من فيض الروح وانسياب الموسيقى الداخلية، في قصائد تفوح منها رائحة الأرض ودفء الذاكرة وعبق جياي كورمينج، حتى ليخيل إلى القارئ أن كثيرا منها كتب في تلك الساعة المعلقة بين الليل وطلوع الفجر.
وقد صدر للشاعر مؤخرا ديوانه الشعري “أفروديت” عن دار النخبة للنشر والتوزيع في القاهرة.
أولا: الغلاف بوصفه النص الأول
ليس غلاف “أفروديت” عابرا أو محايدا، خصوصا أن صاحبه فنان تشكيلي يعرف جيدا قيمة اللون والصورة والإشارة.
تظهر على الغلاف امرأة ترتدي فستانا أزرق وأصفر، مرسومة بألوان مائية سائلة، تكاد ملامحها تذوب في فضاء اللوحة. وجهها حزين ومراوغ، فيما يبدو جسدها وكأنه في حركة دفاع أو انسحاب. وفي الزاوية يظهر توقيع الفنان “INAYAT”، بينما كتب عنوان “أفروديت” بالأزرق، تحيط به لمسات زخرفية حمراء.
والفنان التشكيلي لا يختار غلاف كتابه اعتباطا. لذلك تبدو أفروديت عليكو هنا مختلفة عن صورتها الأسطورية المألوفة. ليست إلهة حب بعيدة وباردة، بل امرأة شرقية الملامح والوجدان، امرأة ملونة وحزينة، ترفع يدها كأنها تحاول حماية نفسها من ريح لا تهدأ.
ومن هنا يبدأ الشعر قبل أن نفتح الصفحة الأولى.
ثانيا: أفروديت تبحث عن فضاء يتسع لها
يفتتح الديوان بنص “أفروديت” في الصفحات 7-9، وهو نص يمكن النظر إليه بوصفه مفتاحا أساسيا لقراءة التجربة:
“أفروديت خاضت لجة بحر إيجة
هربا من سرير كان أضيق من أن يحتويها”
منذ السطرين الأولين تتكشف ملامح الرؤية الشعرية. أفروديت ليست امرأة خائنة بقدر ما هي امرأة متمردة على ما يضيق بها. والسرير الضيق يتجاوز معناه المباشر ليصبح قابلا للتأويل: حب قديم، علاقة مستنفدة، زواج تقليدي، وطن يضيق بأهله، أو حتى هوية مفروضة لا تتسع لحرية الإنسان.
إنها تبحث عن “حياة جديدة”، وعن “حب زارها في حلم ذات ليلة”.
لكن الحلم يصطدم بالواقع، وحين تجد الشاعر نفسه “مقيدا برحى لا فكاك منها”، تحسم موقفها بوضوح قاس ونبيل:
“هذا ليس حلمي
هذه تسمى خيانة
ومضت
فالأنثى لا تقبل بالشريكة”
في هذا المقطع تظهر بوضوح عين الفنان التشكيلي في شعر عليكو. إنه لا يحاكم المرأة ولا يدينها، بل يلتقط لحظة القرار ويرسمها كما هي. فالمرأة هنا ليست كائنا تابعا أو هامشيا، وإنما صاحبة إرادة وموقف، ترفض أنصاف الحلول، حتى لو كان ثمن ذلك الوحدة والغياب.
وينتهي النص بذلك الانكسار الجميل الذي سيعود بأشكال مختلفة في أنحاء الديوان:
“تلك كانت أفروديت
علتي وكانت هي الدواء”
بهذه المفارقة يختصر الشاعر تجربة الحب كلها: الجرح والشفاء في شخص واحد، والغياب والحضور في ذاكرة واحدة.
ثالثا: المرأة بوصفها ذاكرة للتاريخ والجمال
في نص “عشتار” في الصفحة 20، تتجلى مرة أخرى العلاقة الوثيقة بين الشاعر والفنان التشكيلي. فالمرأة في مخيلة عليكو لا تظهر بوصفها فردا معزولا، بل بوصفها صورة مركبة، تتداخل فيها الأسطورة والتاريخ والفن:
“يا عشق عشتار الأزلي
يا بسمة الموناليزا على أبواب روما
يا نيران الهوى في عروق كليوباترا
يا أستير بنت يعقوب”
هنا تتجاور عشتار البابلية، والموناليزا، وكليوباترا، وأستير، لتصبح المرأة ملتقى لصور متباعدة في الزمان والجغرافيا، لكنها تتوحد في وجدان الشاعر.
وكأن كل نساء التاريخ والفن يعبرن من خلال وجه واحد.
أما لغة النداء المتكررة في قوله: “أيتها المبحرة، أيتها المسافرة، أيتها الساكنة”، فتمنح النص إيقاعا بصريا، يشبه حركة ريشة تعود إلى الوجه نفسه في كل مرة، لكنها ترسمه من زاوية جديدة.
الحب عند عليكو ليس حادثة عابرة في حياة الإنسان، بل قدر قديم قدم الحكاية البشرية نفسها، يمتد إلى زمن “قابيل وهابيل”، ويتحول من تجربة شخصية إلى سؤال وجودي عن الإنسان ورغبته وفقده وحنينه.
رابعا: عفرين… النص الكامن خلف النصوص
حين نعرف أن الشاعر ابن عفرين، تبدأ كثير من الصور المتفرقة في الديوان بالاتصال بعضها ببعض، وكأن ضوءا خفيا يمر بينها جميعا.
في نص “الألم” في الصفحة 44 يقول:
“أريد أن أموت واقفا
بعناد كردي
كسنديانة
بجبل ليلون”
هنا يتجاوز النص حدود التعبير العاطفي المباشر. جبل ليلون ليس مجرد مكان جغرافي، والسنديانة ليست مجرد شجرة. كلاهما يدخل في تشكيل الذاكرة والهوية والانتماء.
أما عبارة “بعناد كردي”، فتأتي كإعلان داخلي عن التشبث بالذات في مواجهة الاقتلاع والفقد.
بهذا المعنى، يتحول المكان في شعر عليكو من خلفية للمشهد إلى كائن حي، يسكن الشاعر بقدر ما يسكنه الشاعر.
الفنان الذي اعتاد أن يرسم زيتون عفرين وأشجارها وملامحها، يبدو هنا وكأنه يرسم بالألفاظ ما لم تعد اليد وحدها قادرة على استعادته.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في النص الأخير “أربعة عشر ندبة وليلة”، في الصفحتين 65-66:
“لا منفى أمر من وطن يسكنك
ولا امرأة كامرأة استوطنت قلبك
تقف أمامه كغريب”
في هذه الأسطر تتجاور صورتا الوطن والمرأة حتى تكادا تتطابقان. كلاهما يسكن القلب، وكلاهما قادر على أن يجعل صاحبه يشعر بالغربة أمام ما يحب.
وهل ثمة صورة أكثر مرارة للمنفى من أن يسكنك الوطن، بينما تقف أنت على بابه غريبا؟
من هنا نفهم حضور صور مثل “شجرة توت، بئر ماء، رائحة هال، ذاكرة تأبى النسيان”. فهي ليست مجرد مفردات للزينة أو استكمال المشهد الشعري، بل شظايا مكان كامل، وملامح قرية عفرينية تستعيد وجودها داخل القصيدة.
خامسا: عامودا بوصفها مرآة للحنين
ويأتي نص “علي مراد عائد من عامودا” في الصفحة 33 ليضيف بعدا آخر إلى علاقة الشاعر بالمكان والذاكرة.
علي مراد فنان تشكيلي وشاعر من عامودا، ومصطفى عليكو، الفنان العفريني، يخاطب صديقه عبر سلسلة من الأسئلة المشبعة بالحنين:
“هل زرت هناك حيث كانت أول صرخة لك
هل تيممت بتراب سور كنت يوما تسترق النظر من فوقه
هل كرم ملا حسن ما يزال كما هو؟”
شرمولا، كرم ملا حسن، التبغ الأصفر، سلة التين… أسماء وصور تتوالى كما لو أنها لقطات من ألبوم قديم.
عليكو يرى عامودا بعيني صديقه، لكنه في الوقت نفسه يعثر في عامودا على شيء من عفرين. وهكذا تتحول المدينتان إلى مرآتين متقابلتين، تنعكس في كل منهما ذاكرة الأخرى.
إنهما مدينتان كرديتان تتبادلان الحنين.
وفي هذا النص يصبح المنفى أوسع من فقدان مدينة واحدة، إذ يتحول المكان الكردي كله إلى فضاء عاطفي مشترك. وكأن وطن الإنسان في الشتات لا يعود محصورا في حدود مسقط الرأس، بل يمتد ليشمل كل مكان يشبه ذاكرته وينتمي إلى وجدانه.
ألوان الديوان الثلاثة
يمكن قراءة ديوان “أفروديت”، بما يضمه من ثمانية وثلاثين نصا، بوصفه لوحة كبيرة لفنان تشكيلي يكتب بالكلمات، ويمكن اختزال عالمه اللوني في ثلاثة ألوان أساسية:
الأزرق، لون أفروديت وبحر إيجة والحلم والمرأة البعيدة.
الأخضر، لون سنديان ليلون وزيتون عفرين واستمرار الحياة رغم الاقتلاع.
والأصفر، لون تبغ الجزيرة وقمح عامودا ودفء الذاكرة.
وهذه الألوان لا تظهر دائما بوصفها مفردات مباشرة في القصائد، لكنها تكاد تشكل المزاج البصري العام للديوان.
لغة عليكو في معظم النصوص بسيطة ومباشرة، بعيدة عن التعقيد اللغوي والاستعراض البلاغي. وربما يعود ذلك إلى طبيعة الفنان فيه، إذ يبحث عن الصورة أكثر مما يبحث عن الزخرفة.
يقول:
“أحبها وحبها قدري”
بوضوح يكاد يشبه عفوية طفل، ثم ينتقل إلى صورة أكثر رهافة حين يقول:
“همزة تضفي لاسمك بهاء
يشبهني مرة ويشبهك مرتين”
فتقترب العبارة هنا من رقة خطاط يتأمل شكل الحرف قبل معناه.
“أفروديت” في النهاية ليس ديوان حب بالمعنى التقليدي وحده، كما أنه ليس ديوان منفى خالصا. إنه نص تتقاطع فيه المرأة مع الوطن، والحب مع الفقد، وعفرين مع الغربة، والرسم مع الشعر.
يمكن القول إنه ديوان رجل فقد مدينتين: مدينة من حجر وتراب وشجر اسمها عفرين، ومدينة من لحم وحلم اسمها أفروديت.
وبين المدينتين ظل الشاعر يحمل ذاكرته، ويكتب ندوبه، ويحاول أن يحول الفقد إلى صورة، والصورة إلى قصيدة، والقصيدة إلى شكل آخر من أشكال البقاء.