نصر محمد / المانيا
تتسم كتابات نزهت سيدو بصدق العاطفة وشفافية البوح وعمق الرؤية. فقصائدها ليست مجرد كلمات موزونة، بل هي مناجاة للوطن ورسائل حب للارض وتأملات في جوهر الانسان والحياة، حتى غدت الكلمة لديها شهادة حية على رحلة طويلة من الاحساس والتجربة والوفاء للقيم الانسانية النبيلة.
ان تجربة نزهت سيدو هي تجربة امرأة كوردية سورية حولت وجع الغربة الى قصيدة، وحنين الوطن الى هوية لا تذوب. هي شاعرة لم تكتب لتمجد ذاتها، بل كتبت لتكون صوتا لمن لا صوت لهم، حاملة هموم المرأة وقضايا شعبها في قلبها اينما حلت. وستبقى قصائدها شاهدا على ان الكلمة الصادقة قادرة على عبور الحدود والبقاء حية في ذاكرة الوطن مهما طالت مسافات المنفى.
القراءة
قرأت النص كمن يفتح بابا مواربا منذ سنوات ويدخل على مهل.
هذا ليس نصا عن الحسكة فقط، بل هو نص عن كيف يسكن المكان الانسان لا العكس.
- بنية الغربة في النص
بنيت الشاعرة النص على مفارقة مركزية جميلة جدا، هي هنا وهناك.
هنا في اوروبا، كل شيء مرتب، له عنوان وله موعد دقيق. الارصفة تحفظ وقع الخطوات، والمقاهي تعرف القهوة. غربة صارت اليفة حتى صار لها مفتاح في الجيب.
وهناك في الحسكة بيت ضاق، وجدران شاخت، وغبار اعوام، لكنه البيت الوحيد الذي لا يحتاج الى عنوان. فالقلب يكتب عنوانا واحدا فقط.
هذه المفارقة هي جوهر ادب المهجر. ان تتقني لغة الغياب كما يتعلم المرء لغة لا يحبها لكنه مضطر الى اتقانها. وهذه الجملة وحدها تصلح ان تكون قصيدة.
الغربة في النص ليست مسافة جغرافية، بل هي حالة وجودية.
اعيش هنا بنصف حياة، اما النصف الاخر فمعلق على مسمار خلف باب البيت.
صورة موجعة ودقيقة. فالنصف المعلق هو ما يبقي الباب مواربا.
- لغة الحواس لا لغة الافكار
جمال النص انه لا يبكي بالشعارات، بل بالحواس والتفاصيل الصغيرة، وهذا ما يمنحه صدقه وحرارته.
في حاسة الشم تحضر عبارات مثل اشم في البلل تراب الحسكة ورائحة خبز ساخن ورائحة التراب.
وفي السمع نسمع صرير الباب حين كان يفتح.
وفي اللمس يحضر ذلك الحجر الذي كنت امر فوقه، واليد التي تستعيد مقبض الباب.
وفي البصر تظهر صورة الضوء وهو يدخل البيت كضيف يعرف اهل البيت.
الشاعرة لا تتذكر الحسكة بوصفها خريطة، بل بوصفها جسدا حيا. والبيت عندها ليس جدرانا فحسب، بل عتبة ونافذة وزاوية خبأت فيها اشياء لا قيمة مادية لها، لكنها تكتسب قيمتها من الذكريات التي تحملها.
وهنا يتحول البيت من مكان الى هوية، الى المكان الذي كان يعرفها قبل ان تعرف نفسها.
- بلاغة الانتظار
يكرر النص فعل الانتظار بذكاء وهدوء. البيت ينتظر، والباب ينتظر اليد، والوطن الصغير يهمس كل ليلة بان يوما سيأتي وتحدث العودة.
حتى العتبة تتحول الى ذاكرة تحمل طفولة كاملة.
ويتكرر لفظ ربما في النص ليكشف قلق المغترب الدائم.
ربما تغيرت الشوارع، وربما شاخت بعض الجدران، وربما غيرت الاشجار اماكن ظلالها.
انه الخوف الابدي لدى المغترب من ان يعود يوما فلا يجد ما تركه كما كان.
لكن هذا القلق يقابله يقين داخلي واضح، حين تقول الشاعرة انها ستعرف المكان مهما تبدلت ملامحه.
وتأتي النهاية لتقلب المعادلة كلها بجملة فلسفية هادئة وعميقة.
البيت الحقيقي لا يقع على الخارطة. البيت الحقيقي هو المكان الذي كلما ابتعدت عنه عاد اليك.
هنا ينتقل النص من الحنين الجغرافي الى الحنين الوجودي. فلم تعد الشاعرة مجرد مهاجرة بعيدة عن مدينتها، بل امرأة تمشي بعيدا عن بيتها كي تكتشف ان البيت الحقيقي لا يقع على الخارطة.
- الصوت الانثوي
في السطر الاخير يكشف النص بوضوح عن صوته الانثوي حين تقول الشاعرة كنت فقط امرأة تمشي بعيدا عن بيتها.
وقبل ذلك تحضر عبارة قد اكون بعيدة.
هذا الكشف المتأخر يمنح النص بعدا اضافيا، فالغربة عند المرأة تبدو مضاعفة. غربة المكان وغربة الجسد الذي يحمل البيت والذاكرة داخله.
لم تحمل الشاعرة معها مجرد حقيبة ملابس، بل حملت الحسكة في حقيبة القلب، وتركت جزءا من ذاتها هناك، بينما اصطحبت معها صوت الام.
والام هنا تصبح البيت داخل البيت، والذاكرة التي تظل حية مهما ابتعدت المسافات.
النص كله يقوم على العتبة، فلا هو داخل البيت تماما ولا هو خارجه. انه نص انتظار وعودة مؤجلة، لكنه انتظار يحمل قدرا من الطمأنينة، لان الجدران التي تحبنا لا تعاتبنا على الغياب.
ويأتي السطر الاخير ليختصر المعنى كله
وثمة بيت لم يتعلم بعد كيف ينساني
هذه الجملة هي خلاصة النص وروحه. فالبيوت التي احبتنا بصدق لا تتعلم النسيان.
حتما ستعودين.