جوان سلو
* يعتبر التأريخ الأدبي الكردي وسيلةً لتدوين سيرة الكُتّاب والشعراء والمتصوفة والأمراء الذين أنجبتهم اللغة الكردية على امتداد الجغرافيا الكردستانية، وهو شكلٌ من أشكال الدراسات النقدية والتوثيقية لنَتاجات هؤلاء الذين حفظوا الموروث الشعبي والشفاهي وتناقلوه عبر الزمن. إذ تصدى لهذه المهمة مؤرخون لم يكتفوا بتقسيم تاريخ الأدب والشعر الكردي فقط، بل عملوا على تدوين السيرة الشخصية لهؤلاء الشعراء والأمراء والأدباء، ونَتاجاتهم الأدبية، في تقسيم يتناسب مع الأحداث الزمنية التي رافقت سِيَرهم، ونتيجة الحروب والأزمات والثورات التي رافقت سيرة شعب لا يعرف صديقاً له سوى الجبال. تعرّضت هذه النتاجات الأدبية، وبنسبة كبيرة، إلى الضياع والاندثار، إلا أن ما بقي في الصدور ظلّ ينازع الزمن ويمارس فعل المقاومة.
* صدر عن دار ميزوبوتاميا للنشر الترجمة العربية لكتاب «تاريخ مشاهير الكُرد» لبابا مردوخ روحاني (شيوا)، في عمل موسَّع، ترجمه عن الفارسية كلٌّ من عباس علي موسى وسامان علي.
* التأريخ بين التوثيق والمقاومة
يتكوّن الكتاب من ثلاثة مجلدات ضخمة تتضمن (2842 صفحة) مرتّبة على قسمين رئيسيين:
· قسم الأعلام من الشعراء والعارفين والعلماء والأدباء.
· قسم الأمراء والأُسر الكردية التي لعبت أدواراً سياسية وتاريخية محورية.
يستهل المجلد الأول من تاريخ مشاهير الكرد المتصوفة والعلماء والأدباء والشعراء. هذا المشروع الذي نهض به مؤلفه بابا مردوخ روحاني (شيوا): مشروع جمع السير وتثبيت الأسماء في سجل الذاكرة قبل أن تتبدد في زحمة النسيان. صفحات تُضيء البدايات وتؤسس للمسار: تُعرّف بأوائل الرواد الذين مهدوا مدارس العلم والأدب واللغة والتصوف من الكرد، ووضعوا لُبنات صارت مناراتٍ للأجيال.
يضم هذا الجزء تراجم نخبة من الأعلام ممن تقدموا زماناً ومكاناً منذ بدايات القرن الهجري الأول وحتى نهايات القرن الثالث عشر، ممن أثروا في علومهم وفنونهم وشهاداتهم على عصرهم، وجاءت مادته محققة وموثقة لتكون مرجعاً لطلاب المعرفة وباحثي التراث. وعلى خطى هذا الافتتاح، تمتد بقية الأجزاء لتكمل الصورة وتتابع السير حتى تلتقي بالمعاصر.
ويواصل المجلد الثاني من تاريخ مشاهير الكرد المتصوفة والعلماء والأدباء والشعراء تقديم الرسالة التي نهض بها مؤلّفه بابا مردوخ روحاني (شيوا): وهي إنقاذ الذاكرة من غبار النسيان. وهي صفحات كُتبت في أزمنة عسيرة، وتُقرأ اليوم شهاداتٍ على نفوس صبرت، وراياتٍ رُفعت للعلم والفضيلة وسط النار والدم.
وهذا الجزء استكمال للمجلد الأول، يضم تراجم الراحلين في القرن الرابع عشر الهجري، ومن وارتهم الأرض من أعلام القرن الخامس عشر الهجري، حيث يضم تراجم الأعلام الكرد في التاريخ الحديث والمعاصر ممن أسسوا لمدارس واتجاهات تركت أثرها في الثقافة والمعرفة.
في هذا المجلد، يُدرك القارئ الحَذِق عُمق معاناة وألم هذا الشعب أكثر من أي وقت مضى، وأحياناً يشعر بها؛ المعاناة التي هي نتيجة جهلهم بأنفسهم، واعتداءات الغرباء، ونهب الأملاك، والحزن الناتج عن فقدان الأحبة وغياب السلام والطمأنينة.
وقد توزّعت مادته على النحو الآتي:
· 1337 عَلَماً من الشعراء والعارفين والعلماء في المجلّدين الأول والثاني.
· 68 مقالاً تاريخياً في المجلّد الثالث حول أقوام كردية قادت إمارات وحواضر كبرى.
· 89 أميراً وقائداً بارزاً ضمن باب خاص بالأمراء والأُسر والقيادات السياسية والعسكرية.
يتضمّن الكتاب آلاف الأبيات الشعرية والقصائد بـ (الفارسية والكردية والعربية)، وإلى جانب ذلك، يتضمّن الكتاب عشرات التعليقات والتوضيحات في الهوامش؛ استغرقت بعضُها ساعات من البحث والمقارنة والعودة إلى المراجع الأساسية، بهدف تصحيح المعلومات عند الحاجة، وتحديد الأسماء والأماكن، وربط الأخبار بسياقها التاريخي الأوسع، بحيث لا يتلقّى القارئ النص مترجَماً فحسب، بل مشروحاً ومُوثَّقاً قدر الإمكان.