كازكازيكا “مالا فنو” حكاية خبزٍ يابس ولبنٍ حامض

عاصم أمين

في إحدى قرى الدرباسية ذات الغالبية الكردية، التابعة لمحافظة الحسكة، وعلى امتداد أرض الجزيرة السورية العليا والتي تسمى كردياً “روج آفا” و التي عرفت بالزراعة مهنةً وبالذاكرةً الشفهية تراثاً وثقافة ونمط حياة منذ مئات السنين. كانت في احدى قراها النائية التي تسمى  (ريحانية رماكا ) تقطن فيها عائلة كردية أصيلة وملاكة وسميت فيما بعد بلقب “مالا فَنّوْ ” – وكلمة ( مالا )تعني بالكرية عائلة و فَنّوْ بالكردية تعني الذي مارس التضليل أو الحيلة – كانت لهم أراضٍ زراعية يعمل فيها هم و أهل القرية والعمال الموسميون في مواسم الحصاد. وكانت تلك المواسم، على مشقتها وطول أيامها، تحمل في طياتها شيئًا من روح الجماعة و الانتماء العشائري التي عُرفت وتُعرف  بها قرى الجزيرة السورية العليا والوسطى “روج آفا” فالعمل في الحقول لم يكن مجرد جهدٍ لإتمام الحصاد، بل كان مناسبةً يتقاسم فيها الناس التعب والطعام والحديث والغناء والرقص كونها جزء من التراث والفلكلور الكردي، ويقف صاحب الأرض إلى جانب العمال بما تفرضه العادة من كرمٍ وإطعامٍ وشراب طوال أيام العمل.

ومن بين تلك المواسم الحصاد الصيفية والتي تسمى باللغة الكردية (بّالايّ)، بقيت في الذاكرة حكاية حصاد طريفة ذات مغزى، ارتبطت باسم عائلة ” فنو” وأصبحت مع مرور الزمن مضرب مثل في  مدينة الدرباسية والقرى المحيطة بها والتي تسمى ( منطقة عشائر كيكان) حتى غدا اختراع أسم  لأكلة شعبية هي «الكازكازيك» كافيًا لاستحضار الحكاية كلها.

كان ذلك قبل عقود و في موسم حصاد القمح والشعير والعدس، حين كان المحصول يُحصد باليد، إما بأيدي أصحاب الأرض وأفراد أسرهم، أو بواسطة العمال الذين كانوا يأتون إلى الحقول طلبًا للعمل في ذلك الموسم. وفي أحد الأيام، وبينما كان العمال منهمكين في حصاد محصول في أرض تعود لعائلة ” فنو” أراد كبير العائلة ان يختبر قدرة ذكاء رئيس العمال ومن معه من العمال، فطرح عليه سؤال اراد من خلاله ان  يعرف ما يرغب العمال في تناوله على الغداء!..

ماذا تريدون أن نقدم لكم على الغداء؟ أتريدون أن نطبخ لكم اللحم والمرق، ذلك الطعام المعروف عند أهل المنطقة ” بالثريد”أم تريدون أن نقدم لكم ” الكازكازيك “كوجبة غداء؟

كان السؤال، في ظاهره، سؤالًا عاديًا يترك للعمال حرية الاختيار بين طعامين، غير أن الرجل كان يخفي وراءه حسابًا آخر. فقد كان يعلم أن إعداد الثريد يتطلب شراء الخراف وما يرافق ذلك من نفقات، في حين أن «الكازكازيك» لا يحتاج إلى شيء تقريبًا؛ فالخبز اليابس موجود، واللبن الحامض متوفر، وكلاهما من خيرات البيت والقرية، ومن بقايا ما تنتجه الحياة الريفية في وفرة.

عاد رئيس العمال إلى رجاله، وأخبرهم بالخيارين. دار بينهم نقاش طويل، إذ كان عليهم أن يختاروا بين الثريد، الذي يعرفونه جيدًا بما فيه من لحم ومرق وخبز، وبين ذلك الاسم الغريب الذي لم يسمعوا به أو لم يتذوقوا طعمه من قبل «الكازكازيك».

تشاور العمال فيما بينهم بشكل دبمقراطي قرابة نصف ساعة. كانوا قد جربوا الثريد مرات كثيرة، أما الكازكازيك فلم يكن أحد منهم يعرف ما هو على وجه اليقين. وفي النهاية، غلبهم فضول التجربة، وقالوا إنهم يعرفون الثريد، لكنهم لم يجربوا الكازكازيك، فلنجرب هذه المرة ما لم نذقه من قبل.

وهكذا حُسم الأمر.في البيت، بدأت النسوة بإعداد الغداء. جرى تكسير الخبز اليابس إلى قطع صغيرة، ثم سُكب عليه اللبن الحامض، وتتابعت الأيدي في إعداد الطعام بهدوء، فيما كان العمال في الحقل لا يعرفون شيئًا عن حقيقة ما ينتظرهم.

ومع اقتراب موعد الغداء، أخذ الجوع منهم مأخذه. كانوا قد أمضوا ساعات في الحقل تحت عناء العمل، وأصبحوا ينتظرون الطعام بفارغ الصبر. وكان الاسم الغريب، «الكازكازيك»، قد أخذ يحتل مساحة واسعة من خيالهم. لم يكن الاسم بالنسبة إليهم مجرد اسم لطعام، بل بدا وكأنه يخفي وراء غرابته شيئًا استثنائيًا ، ربما قد يكون جميع أطعمة مطاعم  مجتمعة في وجبة واحدة داخل منسف واحد،. ولعل غرابة الاسم نفسها جعلتهم يتوقعون أن يكون ما سيقدم إليهم طعامًا فاخرًا أو لذيذًا لم يألفوه من قبل.

وحين وقت الغداء، اجتمع العمال في المكان المخصص لتناول الطعام، وبدأت المناسف تُحضر أمامهم. نظر الرجال إلى ما يوضع أمامهم، فإذا بطبقات اللبن تتراكم فوق قطع الخبز اليابس، حتى لم يعد ظاهرًا لهم ماذا يوجد تحتها. ولأنهم كانوا ينتظرون أكلةً لم يسبق لهم أن تذوقوها، راح الخيال يكمل لهم ما لم تبح به المناسف. لعل اللحم مدفون تحت اللبن، ولعل وراء تلك الطبقات مفاجأةً من صنوف الطعام التي لم تكشف عنها النسوة بعد.

بدأت الأيدي تمتد إلى المناسف.

غاصت الأصابع في اللبن، وبدأ الرجال يبحثون في الأعماق، فإذا بهم يواجهون الحقيقة شيئًا فشيئًا لا لحم هناك، ولا مرق، ولا تلك الوليمة التي رسمتها مخيلاتهم طوال فترة الانتظار.

إنها قطع من الخبز اليابس، غمرها اللبن الحامض.

كانت المفاجأة ثقيلة بقدر ما كان التوقع كبيرًا. وما إن بدأ طعم الحموضة يبلغ ألسنتهم، وبدأت قرمشة الخبز اليابس تظهر بين أسنانهم، حتى اكتشف الرجال الخدعة التي وقعوا فيها. لقد اختاروا الكازكازيك بأنفسهم، بعد أن ظنوا أن وراء الاسم الغريب طعامًا مجهولًا يستحق التجربة، فإذا بهم أمام خبز يابس ولبن حامض، لا يكاد يكلف صاحبه شيئًا.

ومع ذلك، لم يكن الندم قادرًا على تغيير شيء. فقد اختاروا بأنفسهم هذا المصير، ولم يعد أمامهم سوى أن يأكلوا ما اختاروه، ولا سيما أن ساعات العمل الطويلة والجوع لم تتركا لهم رفاهية الاعتراض.

و بقيت هذه الحكاية فلسفةً ودعوة الى إعمال العقل، تتناقلها الألسن في الدرباسية، لا بوصفها مجرد حكاية طعام فحسب، بل بوصفها درسًا صغيرًا من دروس فلسفة العقل في الحياة. صار «الكازكازيك» رمزًا وحكمة عقلية لخيار يبدو في ظاهره فضولاً مغريًا أو مجهولًا، بينما يخفي وراءه حقيقة مختلفة تمامًا؛ وصارت الحكاية منطقاً تروى للتحذير من الوقوع في الاختيار بين أمرين من دون معرفة حقيقة أحدهما، أو الانسياق وراء الاسم والخيال والفضول، ثم اكتشاف الحقيقة بعد فوات الأوان .

أن  الطرافة  في الحكاية أن كبير عائلة ” فنو” لم يجبر العمال على اختيار الكازكازيك، ولم يفرض عليهم طعامًا لا يرغبونه. لقد كان حكيماً  وعادلاً وديمقراطيا وضعهم أمامهم خيارين أحدهما معروف والآخر مجهول، وترك لهم القرار. أصبحت “الكازكازيك” هذا الاسم المُحدث لتلك الأكلة الشعبية البسيطة،  أكثر من مجرد طعام ريفي يحمل البساطة الانسانية. حملت معها حكايةً بقيت حية في الذاكرة الشعبية الكردية، وصار اسمها وحده يستدعي قصة الطمع في المجهول، والانخداع بما لا نعرفه، والحذر حين لا يكون أمام الإنسان إلا خياران، فيختار أحدهما لمجرد أنه لم يجربه من قبل. لم يعد مجرد خبز يابس غمره لبن حامض، بل صار حكايةً وحكمة وفلسفة عقلية تُروى، ومثلًا يُستشهد به، وذاكرةً من ذاكرة الشعب الكردي السوري؛ ذاكرة الناس الذين عرفوا قسوة الأرض وكرمها، وعاشوا مواسم الحصاد بما فيها من تعبٍ وجوعٍ ومودة، وتركوا من تفاصيل حياتهم اليومية حكاياتٍ صغيرة استطاعت، رغم بساطتها، أن تعيش أطول من أصحابها.

لهذا السبب ربماا بقيت حكاية ” الكازكازيك ” كحكمة ومثل إلى هذا اليوم لأن العمال لم يخدعوا بالطعام وحده، بل خدعهم وقع  شعار الاسم  أولًا، ثم خيالهم ثانيًا، ثم اختيارهم أخيرًا. وفي نهاية الحكاية، لم يكن هناك سوى خبز يابس ولبن حامض.

ملاحظة اسم :ان اسم “فنو “هو لقب جاء كنتيجة لهذه  الحكاية الشعبية التي اصبحت في ما بعد حكاية تراثية من التراث الكردي السوري .كما ان كاتب هذه السطور تربطه علاقة قرابة  عائلية بهذه العائلة.

المصدر : العربي الجديد

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

د. ولات محمد

 

(تنويه: يستخدم المقال ملفوظ “العمل” للدلالة على كل نشاط أو منجز بشري: كتابي، سياسي، اجتماعي، فني، عمراني… إلخ).

 

“معظم الناس يفضلون أن يقتلهم المدح على أن ينقذهم النقد”.

نورمان فينسينت

 

النقد ـ بتعريف بسيط ـ نشاط فكري معرفي يهدف إلى قراءة الموضوع المنقود (عمل، شخصية) ثم تحليله وتقييمه على هذا…

نصر محمد / المانيا

تتسم كتابات نزهت سيدو بصدق العاطفة وشفافية البوح وعمق الرؤية. فقصائدها ليست مجرد كلمات موزونة، بل هي مناجاة للوطن ورسائل حب للارض وتأملات في جوهر الانسان والحياة، حتى غدت الكلمة لديها شهادة حية على رحلة طويلة من الاحساس والتجربة والوفاء للقيم الانسانية النبيلة.

ان تجربة نزهت سيدو هي تجربة امرأة…

عامر عثمان ” إيفان “

لا أَشْرِعَةَ تَردُّ الرِّيحَ
إِلَى حَيْثُ تُرِيدُون أَيَّهَا البَائِسُون
فَقَطْ وَهْجُ الله وَقُلُوبكُم المُرْتَجِفَة
لا اكتِرَاثَ لِتَوسِّلاتكِم الهَائِلَة
فَكُونُوا كَمَا أَنْتُمْ
حَيْثُ تَكُونُون
كَسنَابِلِكُم الذَّبيحَة
في الأَمْسِ . . .
وَاليومِ . . .
والغَدِ السَّدِيم . . .

صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب «عندما تبكي العصافير» للكاتب السعوديّ إبراهيم الفايز، وهو مجموعة قصصية تتحرّك بين الواقع والخيال، والسخرية والتأمل، وتقترب من تفاصيل الحياة اليومية لتستخرج منها أسئلة تتصل بالإنسان وعلاقته بذاته والآخرين، وبالمكان والمصير والذاكرة والاغتراب.

تضم المجموعة أكثر من عشرين قصة تتباين في موضوعاتها وأجوائها وطرائق بنائها، ويكشف هذا التنوع…