قراءة انطباعية في نص ” ثقبٌ في ترقوة الأيام ” للشاعرة افين حمو

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام “
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2. السقوط لا الولادة

منذُ سقطتُ من سفرجلةِ أمّي
لم تقل ” وُلدتُ “. قالت ” سقطتُ “. السقوط سقوط فاكهة ثقيلة ، سقوط خطيئة ، سقوط غير مرغوب فيه . والسفرجلة ليست رحماً ، هي فاكهة مرة ، قابضة ، عطرة وحزينة في نفس الوقت . اختيار عبقري . لم تسقط من تفاحة شهية ، بل من سفرجلة مرة .
والأرضُ تتدرّبُ على قضمي .
منذ اللحظة الأولى ، العلاقة مع الأرض ليست احتضاناً بل قضماً . كأن الوجود كله يتدرب على أكل هذه الطفلة الزائدة .
تُركتُ على بابِ القيامة كاسمٍ زائدٍ .
يا الله.. ليست على باب الجامع أو الميتم ، بل على باب القيامة . مكان لا يطرقه أحد. واسم زائد ، يعني أنها حتى في سجل الغياب زائدة .

هذا هو جذر النص النسوي هنا : فكرة البنت غير المرغوب فيها . ” لم تُشعلِ النساءُ خبزَ الفرحِ لي ” – في القامشلي ، كما في كل قرانا ، يخبزن ويوزعن الخبز الحلو عند ولادة الصبي . هي لم تنل هذا الخبز . ولا حتى ” مرّت صدقةٌ على جسدي ” لدفع العين . كأنها لا تستحق أن يُخاف عليها .

3. الأم والبنت.. ثقبان في جسد واحد

أجمل وأقسى صورة في النص :
كنتُ الثقبَ في ترقوة أمّي ، وحجرَ عثرتِها .
الأم ليست الجنة هنا . الأم نفسها مثقوبة بابنتها . البنت عبء ، حجر عثرة في طريق أم أخرى متعبة . وهذا اعتراف نسوي نادر وشجاع جداً . ليست كل الأمهات قادرات على أن يكنّ ملائكة . هناك أم تتخبط في دمها كصلاة لا تجد قبلة .

صورة الأم التي تنظر إلى الأكواب الفارغة وتعتذر عن “توريطنا في حياة الهررة ” – هذه الصورة تلخص فقراً مدقعاً وجوعاً وجودياً . حتى حياة القطط أصبحت أمنية بعيدة. نحن أقل من الهررة .

آفين لا تلوم أمها ، هي تراها. تراها في الخفاء تتخبط . وهذا هو الفرق بين كتابة المرأة وكتابة الرجل عن الأم . الرجل يقدس الأم ، المرأة ترى نزيفها .

4. الأب – العالم الذي لا يُصلح إلا بالبروق

الأب في النص لا يظهر كحضن ، بل كظاهرة طبيعية عنيفة :
أبٍ لا يُصلحُ العالمَ إلّا ببروقٍ ولَطْعٍ على العيون
يُصلح العالم بالضرب . البروق هي صفعات ، واللطع على العيون . ومعه نتعلم الخوف ليس من الخارج ، بل ” من صوته ” .. ” صياحِ جدارٍ “. الأب جدار يصيح . لا باب فيه .

ثم يأتي الإرث :
ننامُ في عناقٍ مُحكمٍ مع الألم ، إرثًا لا يُغتفر .
العناق الوحيد المحكم في طفولتها كان مع الألم . هذا ليس تشبيهاً ، هذه سيرة ذاتية لجيل كامل من بنات القامشلي والجزيرة اللواتي كبرن بقلوب متصدعة وشفاه تتشقق من النداء على بيع الكزبرة .

النقلة هنا : من وجع وجودي إلى وجع اقتصادي مباشر. تبيع الكزبرة ، وتسرق عدس جوعها من قدور معذبة . الفقر ليس خلفية ، هو الشخصية الرئيسية .

5. الخاتمة – حكمة المنفيات

النهاية ليست ثورية ، بل حكيمة ، حكمة امرأة كسرتها الأيام فتسامحت معها :
نامي الآن لا تحتفظي بالمرارة فقد كسرنا جرارَ اليقين
تقول لأمها : نامي. كأنها الآن هي الأم. تبادل أدوار مؤثر. كسرنا جرار اليقين ، لم نعد نؤمن بالعدالة ، وتغاضينا عن نفاقها. لم نعد ننتظرها .
أتممنا درزَ أيامِنا بما تبقّى من خيوط وتركناها للهواء الطلق
” درز ” كلمة خياطة ، نسائية بامتياز . هنّ يخيطن أيامهنّ الممزقة بما تبقى. ثم يتركنها ” تنضج ببطء ككستناءٍ منسيةٍ على جمرِ خيباتِنا “.

الكستناء المنسية على الجمر .. هي في فرنسا الآن ، والجمر هو خيبات القامشلي . نضوج بطيء في المنفى ، بنكهة احتراق .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…

فواز عبدي

في شقة صغيرة في مدينة دورتموند، جلس دارا أمام شاشة الكومبيوتر يتصفح أرشيفاً رقمياً عن معرض دمشق الدولي. لم يكن يبحث عن شيء محدد. فقط كانت لديه رغبة عارمة في أن يربط بين ذاكرته الممزقة وبلدٍ لم يعد يعرفه إلا من صور باهتة وأخبار تأتي من بعيد محمّلة دائماً برائحة من آثار الحروب، وأحاديث…

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…