عبد الجابر حبيب
لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.
أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.
لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما فتحت له الباب
أجد العمر واقفاً عند العتبة
بمفاتيح صدئة.
أيها العمر،
الهارب إلى مستودع الحكايات،
لست مستعداً لك
كي تفتش جيوب ذاكرتي
وتصادر أسماء الذين أحببتهم.
اترك لي ذاك الوجه
الذي ما زال يعرفني.
وما زلت أجد فيه
محطة استراحة لكل خيباتي.
اترك لي يدي الوحيدة
كي أتحسس بها الأشياء
قبل أن تتحول إلى غبارٍ بلا سيرة.
كما أختها التي بُترت بسيف الجنون.
اترك لي فمي
كي أنادي الذين ابتعدوا،
فتعود أصواتهم
من الجهات المتعبة بالأرق،
كمن يجدّف بقاربٍ عكس الأمواج.
لا تلمني
أن صار النسيان حيواناً مدللاً في رأسي؛
ينام فوق الذكريات،
ويعضّها حين أحاول إيقاظها.
ويعذبني كلما قرأت تجاعيد المساء.
يا لحكمة القدر!
في كل صباح
أجد اسماً ناقصاً على الطاولة،
ومرثية في جريدتنا اليومية،
وصورة شاحبة في المرآة،
وصوتاً مكسوراً في ذاكرتي،
وباباً لا أتذكر من أغلقه آخر مرة
أو مَن كان يسكن وراءه.
ومع ذلك،
ثمة شيء يرفض أن يموت في داخلي،
شيءٌ أعوج، عنيد، مثل انتظاري،
له رائحة التراب بعد المطر،
ينهض من قاع العتمة
ويجرّني من قميصي،
يأمرني: انهض.
لا أعرف لماذا كنت أضحك،
ولا لماذا كان الجسد،
بعد كل هذه السنين،
قادراً على ارتكاب الركض.
كنت أريد أن أصل إليها فقط،
إلى تلك الورقة التي طارت فوق البيوت،
وحملت معها شيئاً من اسمي.
فما زال في حياتي ثقبٌ
ربما أصغر من نافذة أمنياتي
ينتظر مني أن أحمل فأساً يوقظ الحجر
لأفتحه.
مرة أخرى،
ذلك الصوت القادم من وراء الأفق
يجرني إلى كهف مهجور،
فأنهض مذعوراً أكثر من ذلك الحصان،
فأجمع على عجل عظام النهار
وأربطها بخيط الضوء،
وأخرج كالهارب من عاصفة ضوئية،
لا لأنتصر على الموت،
فالموت أقدم من حيلنا جميعاً،
بل لأسرق منه دقيقة واحدة
لا يعرف أين أخفاها
في آخر زيارة له عند مرضي،
دقيقة تكفي لأضع فيها رأسي
على كتف الحياة،
وأسمع نبض قلبي
وهو يقرع أبواب الجسد
بجنون شابّ
تأخر كثيراً عن موعده.
موعده المكتوب
على جذع شجرة توت هرمة
في شرق النهار.