أفين بوزان
يؤرّقني الشتاءُ .. لأنني
كلما فتحتُ نافذةَ المساءِ
رأيتُ غيابكَ عارياً تحت المطر
وكان قلبي معطفاً مثقوباً
لا يردُّ عن جسدي بردَ الذكرى
ولا يخبّئ ارتجافَ العمر.
أمرُّ على الزجاج
فيلحقني ضبابُكَ ..
كأن يدكَ القديمةَ ما تزالُ
تفتّشُ عن اسمي
في الجهاتِ المبللة
وأكادُ أكتبُكَ…
لكنني أخشى
أن يعودَ الحبرُ إليَّ
على هيئةِ امرأةٍ قاتلة.
يا غائباً تركَ المعاطفَ للريح
والشوارعَ لخطانا
والليلَ لي وحدي
ماذا أفعلُ بالطرقاتِ
التي حفظتْ خطاكَ
ولم تحفظْ لي
سوى وجهي؟
أوقدتُ ناراً صغيرةً في صدري
وألقيتُ فيها رسائلنا؛
فكلما احترقتْ رسالةٌ
أضاءَ حريقها وجهي ..
وكلما صارَ حبُّنا رماداً
كبرَ في عينيَّ
مطرٌ آخر.
حتى مفكرتي
لم تعد تعرف
أيها قصيدةٌ ..
وأيها جرح؛
فبعضُ الكلامِ كتبتهُ بالفرح
وبعضهُ سالَ من أصابعي
كدمعةٍ تخشى أن تُرى
وبعضهُ كان طفلةً
ترقصُ في مدينةِ الألعاب
ثم عادتْ من المراجيح
بلا مدينة…
ولا يدٍ تمسكُ بها.
علمتني ألا أنتظرَ القطاراتِ طويلاً
فالمحطاتُ مقابرُ صغيرةٌ للمواعيد
وأن أتركَ للرحيل
باباً لا يراهُ أحد؛
فربما كان قطاري
يأتي من جهةٍ أخرى
من جهةٍ
لا يعرفها الغياب.
وأنا الآن أسافر…
لا أعرفُ أين ينتهي بي الطريق
لكنني أعرفُ أن قلبي
لم يعد يريدُ عودتكَ؛
يريدُ فقط
أن يجدَ نافذةً
لا يكتبُ عليها المطرُ اسمكَ.
فإن جاءَ الشتاءُ من بعدي
وقرأَ على زجاجِ المدنِ
امرأةً تشبهني
فلا تقلْ: تلكَ التي انتظرتني…
قلْ: تلكَ التي نجتْ
حين ظنَّ الحبُّ
أنها لن تنجو.
سأمضي ..
وفي حقيبتي حلمٌ أبيضُ
لم تلمسهُ يداكَ
وسأتركُ للريح
صورنا المحترقةَ
كي تحملها بعيداً.
فربما في آخرِ الطريق
تولدُ لي مدينةٌ
لا يعرفُ أهلُها اسمكَ
ويكونُ لي قلبٌ جديدٌ
أعلقُ عليهِ معطفي
وأدخلُ الشتاءَ وحدي…
دون أن أشعرَ بالبرد.