مقالات

قراءة انطباعية في نص “آه ِ، لبنان !!!” للشاعرة حياة قالوش

نصر محمد / ألمانيا

1. التمرد على الشكل من داخل الشكل
أول جملة هي مفتاح القراءة النقدية كلها . حياة شاعرة كلاسيكية ، ابنة الوزن والقافية ، لكنها هنا تختار أن تكتب قصيدة نثر .

لماذا ؟
لأن وجع لبنان أكبر من أن يُحشر في بيت شعر . القافية قيد جميل ، لكن الوطن حين ينزف لا يحتمل الزينة . هذا تمرد أنثوي واعٍ : أن أترك ما أتقنه لأكون صادقة مع وجعي . وهذا بحد ذاته موقف نسوي ، أن تختار المرأة صدق الشعور على جمال الصنعة .

وضعها لرمز الدم 🩸 🩸 ليس زخرفة ، هو إعلان أن هذه القصيدة مكتوبة بدم ، لا بحبر .

2. الحب كسؤال وجودي لا كجواب
القصيدة مبنية على سؤالين يعودان كاللازمة ، كالوجع المزمن :

لماذا أنا ؟ لماذا أنت ، يا أنا ؟

هي لا تسأل ” لماذا أحبك يا وطني ؟” بل تسأل ” لماذا أنا أنت ؟”
هنا تذوب الحدود بين الأنثى والوطن . هي ليست عاشقة للبنان ، هي لبنان نفسه في جسد امرأة . هو ليس خارجها، هو هويتها .

ولهذا تقول :
أنتَ جهتي العمياء ، وأنا اسمك المحفور في دفاتر التراب
الجهة العمياء هي الجهة التي نتوجه إليها حتى ونحن لا نراها . كالقبلة . لبنان قبلتها العمياء .

والصورة المقابلة بديعة : هو جهة ، وهي اسم محفور في ترابه . هو المكان ، وهي الذاكرة . هو الجغرافيا ، وهي التاريخ .

3. معلقة بين خوفين .. صورة المرأة – الوطن
أجمل ما في النص هو تحويل حياة لدور المرأة اللبنانية التقليدي ” المعلقة ” إلى موقف بطولي .
أبقى معلّقة بين خوفي عليك وحبّي لك ، كما تبقى الشجرة صامدةً في الحقول ، كما يبقى النهر يسقيك بلا كلل .

المرأة المعلقة عادة هي المرأة الضعيفة التي لا حول لها . لكن حياة تقلب الصورة : المعلقة هنا هي الشجرة الصامدة ، هي النهر الذي يسقي بلا كلل . التعليق ليس ضعفاً ، بل هو الصمود نفسه . هي معلقة مثل أيقونة فوق الجدار ، تحرس .

وهنا يظهر صوت الأمومة الكامن في كل أدب نسوي لبناني :
تحمل الصبر وحنين الأمهات وروح الأجداد .. تقرأ تعبه ، خبزه القليل ، صبره الطويل . هذه ليست نظرة عاشقة ، هذه نظرة أم ترى ابنها جائعاً وصابراً .

4. من الأنثى إلى القمح والزيتون
تتدرج القصيدة في طلباتها، وهذا تدرج ذكي جداً :

في البداية تريد أن تذوب في نشيده ، أن تستريح عند قدم جبل . طلب رومانسي صغير .

ثم في النهاية يتغير الطلب كلياً :
خذ الخوف من عيني ، خذ النار من قلبي واجعلني قمحًا في سهولك أو شجرة زيتون
لم تعد تريد أن تكون حبيبة ، تريد أن تكون طعاماً وبقاءً . القمح هو رغيف لبنان ، والزيتونة هي صموده . المرأة هنا تقدم جسدها ليتحول إلى خبز وصمود . هذا هو قمة العطاء النسوي ، أن تتحول من كائن يُحَب إلى كائن يُطعِم ويحمي .
فإن سقطتُ يوماً وإن ضعتُ فليكن اسمي آخر ما يُقال على شفتيك .
هذه ليست نهاية عاشقة ، هذه وصية شهيدة . تريد أن تموت واسمه على شفتيها ، أو أن يموت هو واسمها على شفتيه . حب حتى آخر نبضة تبحث عن وطن .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

قراءة في مونودراما “خجي”

فواز عبدي انتهيت قبل عدة أيام من ترجمة مونودراما "خجي" إلى الكردية؛ اللغة التي نطق بها سيامند وخجي، ولأن المونودراما قدمت رؤية…