شعر

لا تعبروا من هنا

أفين بوزان

 

أيها العابرون في وجه النار

لا تكثروا من رفع السيوف؛

فما انحنتْ شجرةٌ للريح

إلا لتعودَ أكثرَ ارتفاعاً.

 

خذوا أسماءكم من على أبوابنا

خذوا خرائطكم المطويةَ في جيوبكم

خذوا ظلالكم التي ألقتها الشمسُ علينا

واتركوا لنا التراب؛

فهذا الترابُ يعرفُ أقدامنا

ويحفظُ في عروقه

أسماءَ الذين مضوا

ولم يسلموا مفاتيحَ الغياب.

 

لا تلمسوا القمح ..

فالقمحُ عندنا ليس خبزاً

إنه ذاكرةٌ خضراء

تشقُّ صدرَ التراب

كلما ظننتم أن الترابَ انتهى.

 

ولا تقتربوا من النوافذ ..

خلف كل نافذةٍ أمٌّ

تُربّي الغيابَ على كتفها

وخلف كل ستارةٍ

وجهٌ تعلم أن ينتظر

دون أن ينحني.

 

نحنُ الذين ..

إذا هدمتمُ البيتَ

حملنا عتبتَهُ ومشينا

وإذا اقتلعتمُ الشجرةَ

حفظنا ظلها في صدورنا

وإذا صادرتمُ الطريقَ

شققنا من أقدامنا طريقاً آخر.

 

فلا تقولوا: خذلكم الزمن.

 

الزمنُ معنا؛

لأننا دفنّا فيه موتانا

وزرعنا فوقهم

ما يكفي من الربيع.

 

ولا تقولوا: انطفأنا.

 

نحنُ أبناءُ النار والنور

كلما أكلتنا

تركتْ لنا في الرماد

فماً جديداً للهتاف.

 

أيها العابرون في وجه النار

ماذا ستفعلون

حين يرفضُ الحجرُ أن يكون حجراً؟

حين تستيقظُ الأبوابُ من خشبها؟

حين يخرجُ من الجدار

صوتٌ لا تعرفونه

ويقولُ لكم:

هذا المكانُ لنا ..

وهذا التاريخُ لنا ..

وهذا الحزنُ لنا ..

وهذا المساءُ الذي طالَ انتظاره لنا.

ماذا ستفعلون

حين تصبحُ الذاكرةُ أكثرَ صلابةً من الحديد

وحين تصيرُ دمعةُ أمٍّ

أثقلَ من كلِّ مدافعكم؟

 

لا نطلبُ منكم رحمةً

ولا ننتظرُ منكم اعترافاً؛

فالحقُّ الذي يحتاجُ إلى إذنٍ

ليس حقاً ..

والأرضُ التي تحتاجُ إلى شاهدٍ

لا تحتاجُ إلينا.

 

نحنُ شهودها.

 

نحنُ القمحُ حين يدفن

والنهرُ حين يحاصر

والنافذةُ حين تكسر

والصوتُ حين يمنع

وجريدة من نور صباحية

ثم يعودُ من آخر الليل

أعلى.

 

فامضوا ..

إن استطعتم.

 

خذوا النارَ معكم؛

فقد تعلمنا منها

أن ما يحترقُ لا يختفي دائماً

وأن بعضَ الحرائق

تتركُ في العتمة

بدايةَ شمس.

 

أما نحن ..

فلن نخرجَ من هذه الأرض

إلا كما يخرجُ الفجرُ من الليل:

لا مستأذناً ..

ولا معتذراً ..

ولا حاملاً في يده

إلا حقهُ في الظهور.

 

أيها العابرون في وجه النار

لقد تأخرتم كثيراً؛

فالطريقُ الذي ظننتموه خلفنا

صار أمامنا

والبابُ الذي أغلقتموه

صار في أيدينا

والاسمُ الذي حاولتم محوه

صار أكثرَ وضوحاً

كلما كتبناه

بالتراب ..

بالقمح ..

بالدم..

وبالحياة.

 

فامضوا…

 

نحنُ هنا.

 

ولن نكونَ بعد اليوم

الكلماتِ التي تعبرون بينها.

 

نحنُ الكلمةُ التي تقف.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب