نصر محمد/ ألمانيا
رسالة أخرى
تلك اليمامة
خانتني من جديد
كلما اختتمتُ رسالتي
و أرسلتها لك
مزقتها في السماء
ورمت بقاياها في أعماق البحار
كي تأكلها الأسماك
بمن أثق إذاً
ساعي البريد
مات بقذيفة طائشة
في زوايا المدينة
ولا تزال جثته على أريكة عتيقة
يدغدغها الغبار!
وذاك العدو
قطع أسلاك الكهرباء
فلا أضواءَ في الشوارع
كيف أكتب رسائلي إليك
بعد رحيلك المدينة في صمت تام
كأنها مملكة الجحيم
فوق الراجمات والصواريخ ورشقات الرصاص والصراخات
هاهنا فقط طيفك يؤنس وحدتي
لماذا هربت إلى المجهول
لا أعلم ماذا أفعل حتى أراك
كاميرات الزمان تشوه الأحداث
لا نرى سوى جثث ممزقة تحت الأنقاض
الفراشات التي تصور الأحداث
فقدت أجنحتها
يلحفها الصقيع بين الركام
كلما حاولت اختصار المسافات
رأيت بأنني أشعلُ شموعي فوق وهم الليل
شموعي لا تضىء، حالكة لياليك
سوف أكتب أخر رسالة لك
وأعلقها بتلك الشجرة
بعد أن أنهي الرسالة
سأمزق قلبي وأخلعه من يساري
وأرميه في مياه جارية
ربما تصل إلى بحور أوهامك
إنها رسالتي الأخيرة
لا تمزقها
عندما تلمسها
ستعلم أنها ليست ورقة
ستشم رائحة دموع أمك
ودماء أطفال مدينتك
ستعلم كم كان قلمي يئن من الوجع وهو يكتب لك
ما يوماً كتبت لأجلي لك
قد أحرقت شريط ذكرياتي منذ زمان بعيد
فقط ألبي رغبة كهلة لا تعرف الكتابة
هل عرفت الآن
لماذا أكتب لك……؟
القراءة:
1. الخيانة الأولى : اليمامة
تفتتح الشاعرة نصها بخيانة كبرى ، ليست خيانة رجل ، بل خيانة الرمز .
اليمامة في المخيال الشعبي هي حمامة السلام ، رسول المحبين . لكنها هنا ” خانتني من جديد “. هذه البداية تضعنا فوراً في قلب العبث . حتى رموز السلام خانت ، وتمزق الرسائل وترميها للأسماك في أعماق البحار .
هي صورة سريالية قاسية : الرسالة التي يجب أن تطير ، تغرق . الحب الذي يجب أن يصل ، يؤكل .
2. ثلاثية الموت : الساعي ، الضوء ، والمدينة
تبني الشاعرة مشهد الخراب بثلاث ضربات متتالية ، كأنها تكتب تقريراً عن انهيار العالم :
* ساعي البريد مات بقذيفة طائشة : ماتت وسيلة التواصل الإنساني الأقدم . ولم يمت في ميدان معركة ، بل ” على أريكة عتيقة يدغدغها الغبار ” .. يا لهذه الصورة ! موت عبثي ، ساكن ، مغبر ، لا بطولة فيه.
* قطع أسلاك الكهرباء : انقطع النور . ليس فقط كهرباء المدينة ، بل نور الكتابة والرؤية .
* المدينة في صمت تام كأنها مملكة الجحيم : هنا المفارقة العظيمة . الجحيم عادة صاخب ، لكن جحيم عفرين صامت . صمت ما بعد القصف ، صمت الموت .
هي لا تكتب لك ، هي تكتب لمدينة لا تصلها الرسائل .
3. لغة المرأة في الحرب
وهنا يكمن جوهر النص كـ نص نسوي مقاوم .
الرجال في قصائد الحرب يكتبون عن الراجمات والصواريخ ورشقات الرصاص . كبار تكتب عنهم أيضاً ، لكنها تمر فوقهم بسرعة لتعود إلى تفاصيلها كامرأة وأم :
” كاميرات الزمان تشوه الأحداث ”
“الفراشات التي تصور الأحداث فقدت أجنحتها”
هذه أنثوية خالصة . هي لا تثق في كاميرات الأخبار ، في السردية الرسمية للحرب . هي تثق في الفراشة . والفراشة ماتت من الصقيع بين الركام . انظري كيف حولت آلة التصوير إلى كائن رقيق مجنح ، ثم قتلته .
ذروة النص النسوي تأتي في النهاية :
” ستشم رائحة دموع أمك ودماء أطفال مدينتك ”
هي لا تكتب كشاعرة تريد أن تظهر براعتها ، هي تكتب كـ ” كهلة لا تعرف الكتابة ” – كما تقول. تتنازل عن أناها الشعرية لتصبح لسان حال كل الأمهات الأميات اللواتي لا يملكن قلماً . هذه هي الكتابة بالإنابة ، وهي أسمى وظائف الأدب النسوي في مناطق النزاع .
4. البنية واللغة
النص قصيدة نثر، لا وزن ولا قافية، وهذا مناسب تماماً للفوضى التي يصفها.
* الإيقاع : إيقاعه ليس موسيقياً ، بل إيقاع لهاث . جمل قصيرة مقطعة : خانتني . مات . قطع . كيف أكتب ؟ لماذا هربت ؟ كل جملة كأنها شهقة.
* الفعل المهيمن : هو فعل التمزيق . اليمامة تمزق ، الشاعرة ستمزق قلبها. الكتابة هنا فعل تمزيق للذات وليس فعل تجميل .
* الصورة الأخيرة : ” سأمزق قلبي وأخلعه من يساري وأرميه في مياه جارية ” .. هذه هي الرسالة الحقيقية . بعد فشل الورق ، واليمامة ، والساعي ، لم يبقَ إلا الجسد نفسه ليكون رسالة . القلب كزجاجة في بحر . وهي تعرف أن هذا القلب لن يصل إلى حبيب ، بل إلى ” بحور أوهامك”.
نص عظيم ، موجع، وصادق . ليس فيه ادعاء شعري ، فيه وجع خام . وهذا ما يجعل الشاعرات في زمن الحرب يتفوقن على الشعراء ، لأنهن لا يكتبن عن الحرب ، بل يكتبن من داخلها كأمهات وشهود .







التعليقات (0)