نصر محمد / ألمانيا
في الوقت الذي كانت فيه صفحات التواصل الاجتماعي في الحسكة تضجّ بصور المظاهرات والاتهامات المتبادلة ، بين من يرى فيها مطالبة بسيادة الدولة ومن يرى فيها فتنة نائمة ومخططاً مدروساً ، خرج صوتٌ آخر ، هادئٌ ومختلف .
صوت الشاعرة فيروز رشك ، ابنة عامودا المقيمة في الحسكة منذ الصغر ، اختارت أن تردّ على كل هذا الضجيج بطريقتها الخاصة . لم ترد ببيان سياسي ، بل بقصيدة حب . وكأنها تقول لنا : في خضم كل هذا الصراخ عن الانقسام ، نحن بحاجة لمن يذكرنا بما يجمعنا : الإنسان ، القلب ، والغيرة التي هي وجه آخر للحب . هذا النص الذي كتبته تحت شعار ” جمعة الحب للحسكة وأهلها ” هو محاولة صادقة لإخراج ما في داخل الروح بالطريقة التي تريدها الروح نفسها .
هذا النص قصيدة نثرية بامتياز ، تقوم على فكرة محورية واحدة كررّتها الشاعرة كـ لازمةٍ موسيقية : “أغارُ”.
لكنها غيرة لا تشبه الغيرة التقليدية . هي غيرة وجودية ، كونية ، تغار فيها الشاعرة ليس من امرأة أخرى فحسب ، بل من كل شيء يلامس الحبيب ولا تلامسه هي .
تبدأ الشاعرة بالغيرة من المحسوس القريب ، الطريق الذي يحفظ وقع خطاه ، النساء اللواتي يبتسمن له ، ثم ترتقي إلى الغيرة من المجرد والبعيد : من نسمة داعبت جفنه ، من ماضيه الذي خبأ أسماءً ، من قصائد كتبها لغيرها ، من رسائل قديمة ، من عطر نام على عنقه ، وصولاً إلى ذروة الغيرة اللامعقولة :
” من كفٍ تستريحُ في كفكَ لحظة
لأنثى قد تُصادفها
في مدينةٍ لم تزرها
في يومٍ لم يأتِ بعد “.
هنا تتحول الغيرة من شعور آني إلى قلق وجودي على مستقبل لم يحدث .
القصيدة غنية بالصور المبتكرة التي تكشف عن حساسية شاعرة حقيقية :
* ” وكأنَّ ابتساماتهنَّ تسرقُ من فمكَ نجمةً ” – صورة ضوئية جميلة تجعل الابتسامة نجمة .
* ” لم تتكونْ هالاتٌ سوداءُ تحتَ أجفانِهنَّ بعدَ الفوزِ بغنيمةٍ تسمى القصيدة ” ، هنا تصف الشاعرة معاناة الكتابة بصدق ، فالقصيدة ليست ترفاً بل غنيمة متعبة تُنال بعد سهر.
* ” قهوةٍ تكونَ أنتَ فيها الرشفةَ الأولى ” ، اختزال جميل للحب في طقس الصباح اليومي .
* ” وتمشِّطُ شعرَ الصدفةِ بأنكَ عائد ” ، صورة تنقل انتظار المراهقة ببراءة وألم .
اللغة رقيقة ، أنثوية ، اعترافية ، لكنها لا تسقط في المباشرة . الشاعرة تستخدم مفردات بسيطة لكنها تركبها بشكل غير متوقع ، وهذا ما يمنح النص شعريته .
النهاية كانت قوية وصادقة : ” كيف استبحتَ مشاعري لأكتبَ عنكَ أشياءَ قد لايستوعبها حتى شيطانُ الشعر “.
هذا الاعتراف بأن الحب جعلها تكتب ما يتجاوز طاقتها هو قمة التسليم العاطفي .
إن أهمية هذا النص في هذا التوقيت بالذات أنه يأتي كفعل مقاومة ناعمة .
هي لا تنفي الواقع السياسي المعقد في الحسكة ، لكنها ترفض أن يكون هو كل الحكاية . تذكرنا بأن في هذه المدينة ، وراء كل علم يُرفع وكل هتاف يُهتف ، هناك قلب يغار ، وامرأة تشتعل بنظرة ، وقصيدة تُكتب بعد سهر .
لهذا ، فإن ” جمعة الحب للحسكة وأهلها ” التي دعت إليها الشاعرة ، ليست شعاراً رومانسياً ساذجاً ، بل هي دعوة عميقة لإعادة الاعتبار للبعد الإنساني . فالمدن لا تُبنى فقط بحل المعادلات السياسية ، بل تُحفظ أيضاً بقصيدة حب صادقة .
هذا هو غذاء الروح الذي آمنتَ به ، وهذا هو ما يجب أن يطالعه كل واحد منا بطريقته .

التعليقات (0)