مقالات

اليوم الأخير في دمشق

سيروان حاج بركو
في مثل هذا اليوم قبل ٣٦ عاماً وصلت المانيا. كتبت عن رحلتي إلى المانيا في كتابي “خارج السباق – من عامودا إلى عامودا”.
في دمشق أقمنا في حي الأكراد (ركن الدين) عند أقربائنا لعدة أيام قبل السفر، دمشق التي لا أتذكر منها سوى بيت العمة فطومة وأفراده، وبضع لحظات من صباح يوم الجمعة، عندما نزلنا حاملين الصحون الفارغة معنا لنعود بها مليئة بالفول والحمص من المطعم الصغير، ما أروع هذا، أن تمضي إلى السوق بصحون فارغة وتعود بها مليئة بالطعام اللذيذ، كانت المرة الأولى والأخيرة التي أمارس فيها هذا الطقس الدمشقي الذي أدهشني، فقد وجدنا أنفسنا بعد أيام في مطار دمشق بانتظار الطائرة حاملين تأشيرات الدخول إلى ألمانيا الشرقية، لم تكن الفيز أو التأشيرات ملصقة بالجوازات كما هي العادة، بل كانت في أوراق مستقلة كما درجت عليه الأعراف في الاتحاد السوفييتي وباقي دول المعسكر الاشتراكي، كي لا يتعرض زوار هذه الدول إلى المتاعب في سفارات دول المعسكر الرأسمالي إبان الحرب الباردة بين الكتلتين، وكانت وجهتنا إلى ألمانيا الديمقراطية، إلى برلين الشرقية التي انهار فيها الجدار الفاصل بين الدولتين في العام الذي سبق مجيئنا، لكن انهيار الجدار لم يكن يعني زوال دولة ألمانيا الشرقية مباشرة، إذ إنَّ الاتحاد الفعلي بين الدولتين لم يكن قد تم بعد.
بانتظار الطائرة رفقة الركاب الآخرين والمهرِّب وأعوانه كنتُ أتأمل المطار، أنظر حولي مندهشاً، حتى أن أخي الأكبر طلب مني أن أتوقف عن التلفت هنا وهناك كي لا نثير الريبة، فقال له شرطي واقف بقربنا: دعه يتفرج فربما تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يشاهد فيها بلده.
يبدو أن الشرطي أيضاً يعرف بأمرنا، إذ إننا صعدنا إلى طائرة غريبة بالنسبة لطائرات الركاب المدنيين، كانت طائرة خاصة بالمظليين، ولم تكن هناك مقاعد كما في الطائرات العادية، كان هناك صفان من المقاعد المتقابلة فقط، فمن حظِيَ بكرسي جلس، أما الباقون فقد وقفوا ممسكين بشرائط جلدية متدلية من سقف الطائرة ليحافظوا على توازنهم كما في باصات الهوب هوب الشعبية، وكانت الطائرة ممتلئة بالركاب، رجالاً ونساءً وأطفالاً، وكان عمي معنا وبعض أشخاص نعرفهم أيضاً. استمرت الرحلة خمس ساعات وسط جو خانق وحرارة قاتلة بسبب التدفئة، شعرنا بالضيق والملل شأننا شأن باقي الركاب، حتى أن أخي الصغير دوست طلب من أمي عدة مرات بإلحاح أن تعود معه إلى عامودا، فلا ماء، ولا طعام، ولا تواليت، خمس ساعات من الضيق والتململ والتعب والترقب إلى أن حطت الطائرة في مطار برلين الشرقية.
اليوم الأخير من تاريخ جمهورية ألمانيا الديمقراطية
ازدادت الأمور سوءاً بعد وصولنا إلى مطار برلين الشرقية، لأن عمال المطار لم يستطيعوا إيجاد سلم يناسب طائرتنا العجيبة، لتعم الفوضى من جديد بين الركاب غير العارفين بأسباب انتظارنا في الطائرة. كان أحد أعوان المهرِّب قد أحضر معه بعض علب الحلوى الدمشقية، وكان يحاول أن يهدئنا بأن فتح إحدى العلب/ الهدايا، ودعانا لأكل الحلوى: “تاكلوا حلو؟!”. قالها ضاحكاً وكأنه يحكي نكتة، فيما الركاب الجائعون ينظرون إليه شزراً. فجأة ظهر المهرِّب ومعه الحل، قال بأننا سننزل من الطائرة من القسم المخصص لإخراج البضائع والحقائب، أي عبر الزحلوقة، وهكذا تزحلقنا نحن الركاب والمهرِّب وأعوانه واحداً تلو الآخر لنجد أنفسنا على الأراضي الألمانية متعبين وعطشى وجائعين.
دخلنا إلى بهو المطار دون أية إجراءات، فالفوضى كانت عارمة، وهرع البعض لإحضار الماء والساندويش، وكان أبي وأخي والمهرِّب من ضمنهم، قبل أن يأتي رجال شرطة ألمانيا الشرقية ليسألونا عمَّا نفعله هنا بدافع الفضول، سألوا عمي الأصغر عن جوازاتنا فأجابهم بأنها مع أبي وهو يشير مستخدماً يديه وفمه لرجال الشرطة بما معناه أنه مضى لإحضار الساندويش، مما أثار ضحك البوليس فتركونا في بهو المطار دون أن ينتظروا مشاهدة جوازاتنا حتى.
كانت هناك حالة من الفوضى في المطار سببها تاريخ وصولنا إلى ألمانيا الشرقية، نحن في اليوم الثاني من شهر أكتوبر 1990، أي أننا وصلنا عشية اتحاد ألمانيا الشرقية بألمانيا الغربية فعلياً، ويبدو أن والدي والمهرب كانا يعرفان مسبقاً خطة الرحلة المبنية على هذا التاريخ، كان هذا اليوم هو الفرصة الأخيرة للوصول إلى ألمانيا بهذه الطريقة وبتأشيرات سهلة جداً مقارنة بتأشيرات ألمانيا وباقي دول أوروبا الغربية المستحيلة لهذا النوع من المسافرين؛ فالليلة هي ليلة فاصلة في تاريخ ألمانيا، وهي الليلة الأخيرة من عمر دولة ألمانيا الشرقية، ليلة استثنائية من الفوضى لن تستمر إلى يوم الغد. لقد استفدنا من فساد دولة ألمانيا الشرقية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، حصلنا على التأشيرات عن طريق المال كحال كل تأشيرات الدخول إلى الدول الاشتراكية وقتها، ونزلنا إلى أرض المطار بواسطة طائرة لا يمكن أن يستقبلها أي مطار مدني في دولة من دول أوروبا الغربية، ولم نكن شخصاً أو اثنين، وإنما ما يقارب المائة شخص، معجزة اشتراكية شيوعية من مطار دمشق إلى مطار برلين الشرقية، بطلها مهرِّب مجنون لعب على أوتار اللحظات الأخيرة من حياة دولة، ليحط بنا الرحال في ألمانيا الشرقية الشيوعية وهي تعيش اليوم الأخير من وجودها على خريطة الأرض.
أخذنا المهرِّب إلى بيت عائلة من أقربائه في برلين، وكانت نية والدي أن نمضي إلى بلدة هالترن الصغيرة والتي تقع قرب دورتموند في ألمانيا الغربية، وذلك بسبب وجود بيت جيراننا في عامودا هناك، وكان مهربنا قد أوصلهم بنفسه قبل فترة إلى ألمانيا، كانت نية والدي أن نقدم أوراقنا هناك كي نحصل على سكن في نفس البلدة، ولما علم أفراد عائلة أقرباء المهرب بنوايا والدي نصحونا بأن نسافر الليلة قبل إعلان اتحاد الألمانيتين في الغد، فلا أحد يعرف ما هي القوانين التي ستصدر عند الصباح.
اليوم الأول من تاريخ ألمانيا الموحدة
استقللنا القطار السريع منتصف الليل من برلين باتجاه دورتموند حيث كان هناك مهرب آخر من عامودا بانتظارنا في محطة القطار صباح يوم الوحدة الألمانية، ليأخذنا بسيارته إلى بلدة هالترن والتي ما زلنا نعيش فيها إلى الآن.
وصلنا إلى بيت جيراننا أولاً، وهناك عرفنا بمسألة اللجوء، لم نكن نعرف ذلك من قبل، كنا نعتقد بأننا سنحصل على إقامات عادية، قالوا لنا أن نقدم أوراق لجوئنا في هذه المدينة كي نحصل على بيت فيها دون غيرها، كان بيت جيراننا صغيراً وبالكاد يتسع لهم، لذلك لم نبقَ عندهم ولو لليلة للراحة. ذهبنا إلى مركز البوليس مساء نفس اليوم وقدمنا أنفسنا كطالبي لجوء، نمنا تلك الليلة في بيت من البيوت المخصصة لنشاطات الشباب في ألمانيا في العطل المدرسية والجامعية، أو معسكرات الشباب كما يقولون حيث يأتي الطلبة للإقامة لمدة تتراوح بين الأسبوع والشهر، وفي اليوم التالي حصلنا على سكن مؤقت، وبعد أشهر حصلنا على بيت في هالترن، إلا أننا ارتكبنا بعض الأخطاء أثناء الإدلاء بأقوالنا كان من شأنها أن تؤخِّر حصولنا على الإقامة ثمانية عشر عاماً، وحاول بعض الأصدقاء تصحيح الأمر لكن والدي كان عنيداً ذلك العناد الكردي الشهير ورفض تغيير أقواله، إلى أن كبرنا وصححنا الأمر بأنفسنا لنحصل على الإقامة، لقد جعلنا ذلك العناد الذي يتباهى الشعب الكردي بامتلاكه ويتغنَّى به الشعراء أيضاً نعاني لعقدين من الزمن تقريباً!!
بقينا من سكان مدينة هالترن إلى الآن، أصبحَتْ مركزنا، كما كانت عامودا مركزنا ذات يوم.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى