غير منصف

صدور ديوان شعر «محراب الحنين» باللغتين العربية والكوردية للدكتور عدنان بوزان

ليست كل القصائد تكتب بالحبر؛ فبعضها يكتب بما يتركه الغياب في الروح، وبما تخبئه الذاكرة من وجوهٍ وأمكنةٍ وأصوات، وبذلك الجزء من الإنسان الذي يظل واقفاً عند عتبة الماضي، مهما ابتعدت به الطرق. ومن هذه المسافة بين ما كان وما لم يعد، وبين الوطن حين يكون مكاناً والوطن حين يتحول إلى ذاكرة، وبين الحب حين يكون حضوراً والحب حين يصبح أثراً، يولد «محراب الحنين».

يأتي «محراب الحنين» بوصفه تجربةً شعرية تتجاوز الحنين بمعناه العاطفي المباشر، لتلامس ذلك العمق الإنساني الذي يتشكل فيه الفقد والذاكرة والحب والمنفى والوطن والرحيل. فالحنين هنا ليس مجرد التفاتةٍ إلى الماضي، ولا رغبةً في استعادة زمنٍ مضى، وإنما هو حالةٌ وجودية يعيشها الإنسان حين يجد نفسه بين أماكن غادرها، ووجوهٍ ابتعدت، وأحلامٍ لم تكتمل، وأشياءَ ظن يوماً أنها ستبقى، ثم اكتشف أن أكثر ما يبقى منها هو أثرها في داخله.

إن عنوان الديوان نفسه، «محراب الحنين»، يحمل عالماً واسعاً من الدلالات. فالمحراب هنا ليس مكاناً بالمعنى المادي، وإنما فضاءٌ داخلي تلجأ إليه الذاكرة حين تضيق بها الحياة، وتعود إليه الروح حين تعجز عن استعادة ما فقدته في الواقع. إنه مكانٌ رمزي تلتقي فيه الأزمنة، ويصبح فيه الغائب حاضراً، والبعيد قريباً، والماضي جزءاً من الحاضر، وتتحول الذكريات من صورٍ عابرة إلى أسئلةٍ لا تهدأ.

في هذا الديوان، تتحول القصيدة إلى مساحةٍ للبوح والتأمل والمواجهة؛ مواجهة الإنسان لذاكرته، وللأمكنة التي غادرها ولم تغادره، وللوجوه التي ابتعدت وظلت حاضرةً في تفاصيله، وللأسئلة التي يكبر بها الإنسان دون أن يجد لها إجاباتٍ نهائية. فالأمكنة ليست جغرافيا صامتة، والطرق ليست مجرد مسافات، والليل ليس مجرد زمنٍ عابر؛ كل شيء هنا يحمل ذاكرة، وكل صورةٍ يمكن أن تكون باباً إلى حكاية، وكل حكايةٍ تقود إلى جزءٍ من الإنسان.

ويضم «محراب الحنين» 37 قصيدة في 192 صفحة، تتقاطع فيها عوالم الحب والفقد والوطن والمنفى والليل والرحيل والذاكرة، وتلتقي التجربة الإنسانية باللغة الشعرية في محاولةٍ للإمساك بما يصعب قوله في الكلام العادي. لذلك لا تأتي القصيدة هنا لتشرح الحنين، بل لتمنحه صوتاً وصورةً وإيقاعاً، ولتمنح القارئ فرصةً لأن يرى شيئاً من ذاته في مرآة الكلمات.

وفي هذا الديوان، لا يقف الوطن عند حدود المكان، ولا يصبح المنفى مجرد جغرافيا بعيدة؛ فكلاهما يتحول إلى حالةٍ داخلية. قد يغادر الإنسان وطنه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يغادر الوطن الذي يسكنه. وقد يبتعد عمّن أحبهم، لكن بعض الوجوه لا تحتاج إلى حضورٍ كي تظل مقيمةً في الذاكرة. ولهذا فإن الرحيل في «محراب الحنين» ليس نهاية الطريق، بل بداية رحلةٍ أخرى؛ رحلةٍ طويلة داخل الإنسان نفسه.

وتتخذ الذاكرة في هذه التجربة مكانةً خاصة؛ فهي ليست أرشيفاً للماضي، وإنما كيانٌ حيّ يعيد تشكيل الحاضر. تستعيد ما فقدناه، وتوقظ ما حاولنا نسيانه، وتمنح الأشياء التي غابت عنا حياةً جديدة في اللغة. ومن هنا تصبح القصيدة نوعاً من مقاومة النسيان؛ محاولةً لإنقاذ الوجوه والأمكنة والأصوات من العبور الصامت نحو الغياب.

كما يحضر الحب في الديوان لا بوصفه حالةً منفصلة عن بقية التجربة، وإنما بوصفه أحد أعمق المداخل إلى هشاشة الإنسان. فالحب حين يكتمل يصبح حياة، وحين ينكسر يتحول إلى ذاكرة، وحين يغيب قد يبقى أكثر حضوراً من أشياء كثيرة لم تغب. وبين الحضور والغياب، تولد قصائد تبحث عن المعنى في التفاصيل الصغيرة التي يتركها الآخر في الروح.

وصدر ديوان «محراب الحنين» في نسختين، عربية وكوردية، ليحمل تجربته الشعرية إلى فضاءين لغويين يلتقيان في الذاكرة، ويختلفان في التعبير، ويمنح القصيدة إمكانية العبور بين لغتين تحتفظ كلٌّ منهما بخصوصيتها وثرائها. فاللغة هنا ليست مجرد وسيلةٍ لنقل القصيدة من لسانٍ إلى آخر، وإنما جسرٌ تعبر عليه المشاعر والصور والذاكرة، لتصل التجربة إلى قارئها في فضاءين مختلفين في التعبير، ومتقاربين في العمق الإنساني.

ولا تأتي النسخة الكوردية بوصفها مجرد إضافةٍ إلى النسخة العربية، بل بوصفها امتداداً للتجربة الشعرية في فضاءٍ لغوي آخر، بما يتيح للنص أن يعيد تشكيل صوره وإيقاعاته ودلالاته داخل لغةٍ تحمل ذاكرتها الخاصة. وهكذا يصبح الديوان، في نسختيه، مساحةً للقاء اللغة بالذاكرة، والشعر بالهوية، والتجربة الفردية بالوجدان الإنساني الأوسع.

وهكذا يأتي الديوان بوصفه كتاباً عن الإنسان قبل أن يكون كتاباً عن الحنين؛ عن ذلك الإنسان الذي يمضي في حياته حاملاً معه ما لا يستطيع تركه، ويواصل الطريق رغم أن جزءاً منه يظل عالقاً في مكانٍ ما: عند نافذةٍ قديمة، أو في وجهٍ غائب، أو في مدينةٍ لم تعد كما كانت، أو في زمنٍ لا يمكن استعادته إلا بالكلمات.

إن «محراب الحنين» ليس دعوةً إلى البكاء على ما مضى، بقدر ما هو تأملٌ في معنى أن نتذكر، وأن نحب، وأن نفقد، وأن نرحل، وأن نحمل معنا من الأمكنة والأشخاص أكثر مما نستطيع قوله. إنه محاولةٌ للبحث عن الإنسان في ظلال ذاكرته، وعن الحياة في الأشياء التي ظننا أنها انتهت، وعن الشعر في تلك المسافة الغامضة بين القلب والعالم.

إنها قصائد تنظر إلى الحنين لا باعتباره ضعفاً أمام الماضي، وإنما باعتباره إحدى أكثر الطرق صدقاً لاكتشاف الذات. فكل ما نفتقده يترك فينا علامة، وكل ما نحبه يعيد تشكيلنا، وكل مكانٍ نعبره يترك شيئاً من ملامحه فينا. وربما لهذا لا يكون الشعر في النهاية سوى محاولةٍ لمنح ما لا يستعاد حياةً أخرى، ولمنح الغياب لغةً يستطيع بها أن يتكلم.

37 قصيدة… 192 صفحة… ولغتان تلتقي فيهما ذاكرة الشعر.

حين تضيق بنا الحياة عن قول ما في داخلنا، تبدأ القصيدة بالكلام.

ـــــــــــــــــــ

للقراءة أو التنزيل، يمكنكم الاطلاع على النسختين العربية والكوردية من الديوان من خلال الرابط التالي:

https://azadiposts.com/2023-10-06-13-17-40/1059-2026-10-06-00-32-29.html

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى