مقالات

على ضفاف العمر: تأملات في الذاكرة والحياة.. حين اكتشف المعلم شغفي بالقراءة:

د . مرشد اليوسف
في المرحلة الابتدائية، وتحديدًا في مدرسة القره مانية – الصف الثاني، بدأت ألاحظ في نفسي ميلًا خاصًا إلى القراءة، ولا سيما قراءة قصص الأطفال المصوّرة. كنت أجد فيها عالمًا مختلفًا يأخذني بعيدًا عن تفاصيل الحياة اليومية، ويفتح أمام خيالي أبوابًا لم أكن أعرفها من قبل.
وقد كان لأحد أساتذتي، وهو معلم شاب (لا أتذكر اسمه)من مدينة سلمية، فضل كبير في تشجيع هذا الميل المبكر. كان قد لاحظ اهتمامي بالقراءة وشغفي بالقصص، وربما أدرك، بحس المعلم الذي يرى ما وراء الدرجات المدرسية، أن هذا الطفل الذي يقضي وقته مع الكتب يمكن أن يكون للقراءة مكان خاص في مستقبله.
وأذكر أنه، بمناسبة حصولي على الدرجة الأولى في الصف الثاني، أهداني مجموعة من قصص الأطفال المصوّرة كان قد جلبها معه أثناء العطلة الانتصافية، وكان من بينها قصص السندباد وقطر الندى والسبعة الحمراء وميكي ةبندق وحارس الظلام والملوك الأبيض و سر الوادي المنعزل وغيرها. لم تكن تلك القصص بالنسبة إليّ مجرد هدية من معلم إلى تلميذ متفوق، فقد بقيت في ذاكرتي بوصفها واحدة من الهدايا التي تركت أثرًا في مسيرتي، وربما كان أثرها أكبر مما كان يدركه ذلك المعلم الشاب نفسه.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت أفهم، ولو بصورة غامضة في طفولتي، أن الكتاب يمكن أن يكون صديقًا، وأن القصة يمكن أن تفتح للطفل نافذة على عالم أوسع من عالمه الصغير.
ولعل هذه التجربة جعلتني أؤمن اليوم بأن مواهب الطفل تظهر غالبًا في السنوات الأولى من التعليم، لكنها لا تنمو من تلقاء نفسها دائمًا، فهي تحتاج إلى بيئة تكتشفها وتمنحها الفرصة لكي تتطور. وهنا يأتي دور المعلم والأسرة معًا. فقد يكون الطفل موهوبًا في القراءة أو الكتابة أو الرسم أو الموسيقى أو الرياضيات، لكن الموهبة إذا لم تجد من يلاحظها ويشجعها، قد تبقى كامنة، وربما تضيع مع مرور السنوات.
إن المعلم لا يقتصر دوره على نقل المعلومات إلى تلاميذه، فقد تكون مهمته الأهم أحيانًا أن يكتشف في طفل صغير شيئًا لا يراه الآخرون، وأن يقول له بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: لديك شيء جميل، تابع طريقك.
وكم من موهبة بدأت بكلمة تشجيع، وكم من كاتب أو فنان أو عالم كان يحتاج في طفولته إلى شخص واحد فقط يؤمن بقدرته!
ولذلك، عندما سألني أحد الأصدقاء ذات يوم: كيف يصبح الإنسان كاتبًا؟ وجدتني أعود، دون أن أشعر، إلى تلك الطفولة البعيدة وإلى تلك القصص التي كان معلمي قد أهداني إياها.
قلت له إن الكتابة لا تبدأ من القلم، وإنما تبدأ من القراءة. والكاتب لا يصنع نفسه في دورة تدريبية قصيرة، ولا يتعلم الكتابة كما يتعلم الإنسان مهارة تقنية محددة؛ فالكتابة ثمرة معرفة تراكمية تتشكل عبر سنوات طويلة من القراءة والتأمل والتجربة.
يقرأ الإنسان أولًا، ثم تتراكم في داخله الكلمات والصور والأفكار والأساليب والتجارب الإنسانية. يقرأ التاريخ والأدب والفلسفة والسير والعلوم، ويقرأ ما يوافقه وما يختلف معه، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا في تكوين صوته الخاص.
ولهذا كنت أقول دائمًا للمسؤولين في مركز روجافا للدراسات الاستراتيجية (الذي كنت أعمل فيه باحثا) إن الكاتب مشروع طويل الأمد. فالكتاب الذي نكتبه اليوم قد يكون وراءه عشرات السنين من القراءات التي لا تظهر في صفحاته، وذكريات الطفولة التي لا نتذكرها إلا فجأة، ومعلمًا شابًا ربما نسي هو نفسه تلك الهدية، لكنها بقيت في ذاكرة تلميذه عقودًا طويلة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، عندما أنظر إلى الوراء، لا أتذكر فقط أنني كنت تلميذًا حصل على المرتبة الأولى في الصف الثاني، بل أتذكر ذلك الطفل الذي أحب القصص، والمعلم الذي انتبه إلى هذا الحب، والقصص الصغيرة التي دخلت حياته في تلك المرحلة المبكرة.
ومن يدري؟
ربما كانت تلك القصص المصوّرة الأولى هي البذرة الصغيرة التي نمت، بعد عقود، لتصبح شغفًا بالقراءة والبحث والكتابة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى