نصر محمد / ألمانيا
مع حلول الليل
أتّكئ بيديّ على مصطبة الشباك
المطر يرتمي بهدوء في حضن التراب
ومن بهجتها
الأرض الندية تنثر رائحة العذوبة
أتأمل الأبنية
في شباك كل بيت
صورة لك تنظر إليّ
يميناً ويساراً أتأمّلك
في كل مكان
قامتك أنت
تحت كل شجرة
ظلّك أنت
في الضوء المنبعث من كل بيت
بريق عينيك وهما تبتسمان لي
وعلى غفلة
يقاطعني صوت الجرس
فأصحو لأدرك أنك
لم تكن سوى
حلماً…
حلماً فحسب.
تبدأ القصيدة بفعل جسدي هادئ جداً: “أتّكئ بيديّ على مصطبة الشباك”. ليس وقوفاً ولا جلوساً، بل اتكاء. حالةٌ بين. وهذا الاتكاء يمهّد للحالة كلها: لستِ في يقظة تامة ولا في نوم تام.
ثم تفتح الحواس واحدةً واحدة:
السمع واللمس: المطر يرتمي بهدوء في حضن التراب. صورة أمومية، المطر ليس ساقطاً بل عائد إلى حضن.
الشم: الأرض الندية تنثر رائحة العذوبة. هنا ترجمة “محمد زادة” موفّقة جداً، جعل الأرض هي الفاعل الذي ينثر، لا مجرد مصدر للرائحة.
ومن هذه الطبيعة الصغيرة، تنتقل عين الشاعرة إلى المدينة.
قلب القصيدة: الاستحواذ الجميل
هنا يكمن جمال روشن يوسف الحقيقي، وقد حافظتَ أنت عليه:
في شباك كل بيت
صورة لك تنظر إليّ
يميناً ويساراً أتأمّلك
في كل مكان
قامتك أنت
تحت كل شجرة
ظلّك أنت
هذا ليس حباً عادياً، هذا تحويل للغائب إلى بنية للعالم. العالم يفقد حياده. الأبنية لم تعد أبنية، الشجر لم يعد شجراً، الضوء لم يعد ضوءاً. كل شيء أصبح استعارة لك.
التكرار بكلمة “أنت” في نهاية الأسطر – قامتك أنت، ظلّك أنت – يعطي إيقاعاً يشبه الدقّ الخفيف على القلب. وهو أسلوب معروف في الشعر الكردي الأصلي، والترجمة حافظت على موسيقاه دون أن تثقل العربية.
وأجمل سطر بالنسبة لي:
في الضوء المنبعث من كل بيت
بريق عينيك وهما تبتسمان لي
انتقلت من الظل إلى النور، ومن القامة الكاملة إلى تفصيل صغير جداً: بريق العينين. التدرج سينمائي.
يقظة قاسية وناعمة في آن واحد
وعلى غفلة
يقاطعني صوت الجرس
فأصحو لأدرك أنك
لم تكن سوى
حلماً…
حلماً فحسب.
هنا القصيدة تكسر نفسها عمداً. كل ذلك البناء الكوني الشاسع يُختزل في كلمة “حلماً”. الجرس – وهو صوت واقعي، مزعج، يومي – هو ما يعيدها إلى الواقع. وهذا تناقض جميل: عالم الحلم كان أكثر دفئاً واتساعاً من عالم اليقظة.
ترجمة محمد زادة
ترجمة شفافة، لم يحاول أن “يزخرف” النص الكردي أكثر من اللازم، وهذا يُحسب له. حافظ على بساطة روشن. اللغة الكردية في شعر عفرين تميل إلى المباشرة العاطفية، وزادة نقلها إلى عربية مباشرة أيضاً.
التعليقات (0)