نصوص أدبية

سيرة غير ذاتيّة

سيرة غير ذاتيّة
هوشنك أوسي
أتعبني الوجودُ.
يهدّدني كفأسٍ تهدّدُ شجرةَ جوزٍ،
فأُتعبهُ بالأسئلةِ المنسابةِ تحتَ جفنيهِ
كزجاجٍ متكسّرٍ ممزوجٍ بملحٍ.
تارةً يحملني كمنديلٍ ورقيٍّ،
يجفّفُ به عرقَ جبينهِ.
وتارةً يجعلني ممحاةَ آثامهِ.
نتقاسمُ السجائرَ، وكؤوسَ النبيذِ، والنمائمَ والنكاتِ.
نتبادلُ الشتائمَ، ونتراشقُ بالمسافاتِ.
معًا، نتمشّى على رملِ بحرِ الشمالِ.
ندخلُ ماخورًا يرتادُه صيّادون متقاعدون.
ونخرجُ معًا من صالةِ قمارٍ، مُفلسَيْنِ.
أرفضُ أن أتبادلَ معه العشيقاتِ.
عشيقاتُه قصائدُ تخونُ شعراءَها،
وقصائدي آثامُ المجازِ الرائعةُ،
لا تُخطئُ الرقصَ والتصويبَ من بعيدٍ.
تنقّحُ مساراتِ الجهاتِ، وتصحّحُ مذكّراتِ الريحِ، قصائدي.
أشعرُ بالوجودِ كلّما أصبحتُ على الجانبِ الآخرِ منهُ.
ولا يشعرُ بي حين أكونُ في حدقتِهِ.
أتعبني الوجودُ بعتههِ، وإخلاصِهِ لزيفِهِ…
هذا البلطجيُّ الذي سطا على العدمِ دون رحمةٍ.
نعم، أتعبني.
***
تتبّعني الغيبُ في ظلماتِهِ، حتى بعد مقتلي.
أرادَ تقصّيَ دفينِ المجاهيلِ في كلامي.
استهلكني الكلامُ عن العشيقاتِ للعشيقاتِ.
استنزفتني الكتابةُ لهنَّ عنهنَّ،
وتقاسمتني الدروبُ نحوهنَّ.
عشتُ لهنَّ، وللكتابةِ، وللثوراتِ المفقوءةِ أعينُها.
حاولتُ مداراةَ وحدتي عن فضولِ الأفقِ، وفشلتُ.
حاولتُ توريةَ أحزاني وكآبتي في نصوصي، وفشلتُ.
لا شيء يدهشني سوى ارتجاجِ نهودِ الفتياتِ، وهنَّ يمشينَ أو يرقصنَ.
الخطُّ الفاصلُ بين النهدينِ،
الظاهرُ من فتحاتِ قمصانِهنَّ وفساتينِهنَّ،
سيفٌ حارقٌ مسلّطٌ على رقبتي،
وحبلُ مشنقةٍ يتهدّدني.
خطٌّ فاصلٌ بين الوجودِ وجدواهُ،
وخيطٌ واصلٌ بين الحياةِ والموتِ.
لا يزعجني شيءٌ أكثرَ من الحياةِ التي لم أعشْها.
لا يمكنني مفاتحةَ المدنِ بكلِّ ما لديَّ من هزائمَ وغيابٍ.
لم أكن حطّابًا يومًا، لكنني متّهمٌ بقتلِ غابةٍ.
لم أكن صيّادًا،
فلماذا تقاضيني فراخُ الحجلِ أمامَ الجبالِ؟
لستُ بحرًا، لكنَّ قلبي مليءٌ بالنوارسِ.
سيرتي سيرةُ حربٍ تائهةٍ،
أضاعت مكانَ وتاريخَ مولدِها،
وتبحثُ عن ضحاياها في القصائدِ.
لا ضريحَ لي
يدلُّ قتلتي على اكتمالِ جريمتِهم.
لذا ترونهم يلاحقونني في نصوصي.
نعم، أتعبني الغيبُ بمعاتباتِهِ،
وأتعبتُهُ بالرحيلِ والأسئلةِ القاتلةِ.
10/10/2020
أوستند – بلجيكا

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

رسائل من بريد الحرب

روني علي عصفور يستوطن مدخنة بيتنا مذ كان للبيت مدخنة فقد لسانه في الحرب منذئذ لم يغرد في تشييع الشهداء بتر جناحه…