سيلفا بوزان
أخافُ ..
أن يتسربَ البردُ إلى شوارعِ المدنِ المهدَّمة
فترتجفَ الحجارةُ التي ماتَ أهلها
وتظل النوافذُ المفقوءةُ
تبحثُ في العراء
عن أكتافٍ تسدلُ عليها ستائرَ المساء.
أخافُ أن يمطرَ المساءُ
فوقَ بيتٍ نسيَ سقفه…
وأن يبتل سريرُ طفلةٍ
كبرتْ في منفىً بعيد ..
بينما دميتها تحتَ الأنقاض
ما تزالُ مغمضةَ العينين
تنتظرها ..
في لعبةِ الغميضة.
أخافُ من تاريخٍ محترقٍ
يتفحمُ في كينونةِ قلبي؛
كلما نبشتُ رماده
لأستردَّ ملامحي ..
تطايرتْ وجوهُ أحبتي
كفراشاتٍ احترقتْ
وهي تهتدي إلى الضوء
وبقيتُ وحدي
السوادَ العالقَ
على أصابعِ الذاكرة.
ومن قميصٍ مهترئٍ
ما زال يحتفظُ
بانحناءةِ كتفٍ غائب؛
أضمه أحياناً
كما تضمُّ امرأةٌ
جثماناً لم يعثر عليه ..
وأستنشقُ عند ياقتِه
آخرَ ما نجا
من رائحةِ رجلٍ
صار الغيابُ أقربَ إليه من اسمه.
وفي خزانتي ثوبٌ قديم ..
كنتُ جميلةً فيه
قبل أن يتعلمَ الحزنُ مقاسَ جسدي؛
ما تزالُ أكمامه الفارغة
ممدودةً نحوي كذراعين قطعتا
في اللحظة الأخيرة من العناق.
وعلى رفِّ العمر
قارورةُ عطرٍ رخيصة؛
كل شيءٍ فيها عابرٌ
إلا الذين ماتوا في رائحتها.
أفتحها ..
فتخرجُ منها مدينةٌ كاملة:
شجرةُ توت ..
صوتُ أمي من المطبخ ..
وقعُ حذاءِ أبي عند الباب ..
وضحكتي الصغيرة
قبل أن تعرفَ
أنَّ للبلادِ مقابرَ
أوسعَ من خرائطها.
فأُغلقها مذعورةً؛
أخشى أن يتسربَ الماضي كله
فلا يبقى لي غداً ..
شيءٌ صالحٌ للبكاء.
ثمةَ أشياءُ صغيرة
أشدُّ فتكاً من الكوارث:
شعرةُ أمي في مشطٍ قديم ..
مفتاحٌ يحفظُ ذاكرةَ بابٍ هدم ..
فنجانٌ ماتتْ قهوته باردةً ..
ورقمٌ في هاتفي
لا أجرؤ على محوه؛
كأنَّ حذفه ردمٌ أخيرٌ للقبر.
وأحياناً تراودني رغبةٌ مرعبة
أن أتصلَ به ..
لأسمعَ الرنينَ
يتصاعدُ طويلاً
من جيبِ التراب.
وأخافُ الحبَّ؛
فما إن أحبَّ أحداً
حتى أبدأ سراً بجمعِ تفاصيله:
ضحكته ..
رائحةَ معطفه ..
والطريقةَ التي ينطقُ بها اسمي…
كأنني لا أحبه ..
بل أُهربه..
قطعةً قطعة ..
إلى ذاكرتي
قبل أن تصلَ إليه الكارثة.
حتى كلمةُ «وداعاً»
ترعبني؛
إنها تابوتٌ صغيرٌ من اللغة
يتسعُ لإنسانٍ كامل.
وأخافُ من قصيدةٍ
تتعثرُ على فمِ الرحيل ..
تبحثُ عن استعارةٍ
تتسعُ لهذا الخراب
فلا تجدُ غيرَ صدري؛
فتجلسُ فيه كأرملةٍ أخيرة
وتغزلُ من شراييني
كفناً للذين أحببتهم.
لعلَّ قصائدي كلها
ليستْ سوى محاولاتٍ يائسة
لإقناع الموتى
بأنَّ اللغةَ
جسدٌ آخر.
أكتبُ: أمي ..
فتخرجُ يدها من طفولتي
وتسوي شعري.
أكتبُ: أبي ..
فيسعلُ البيتُ خلفَ الباب.
أكتبُ: الوطن ..
فتضيءُ نافذةٌ
في مدينةٍ من الرماد.
أكتبُ: أنا…
فلا تظهرُ امرأة.
وهنا يبدأ خوفي الحقيقي:
أن أكونَ قد فقدتُ نفسي
وأنا أركضُ خلفَ الذين فقدتهم ..
وأن تكونَ نجاتي
مجردَ اسمٍ أكثرَ تهذيباً
لموتٍ تأخَّر.
لكنَّ خوفي الأشدَّ
ليس الموت…
بل أن أنسى.
أن يبهتَ صوتُ أمي ..
وتختلطَ ملامحُ أبي بوجوهِ المارة
وأن أفتحَ قارورةَ العطر
فلا تنهضَ المدينة..
وأن ألمسَ القميصَ
فلا ترتجفَ أصابعي.
أخافُ أن أُشفى تماماً؛
فبعضُ الجراح
آخرُ أعضاءِ أحبتنا
في أجسادنا ..
وشفاؤها
قد يكونُ موتهم الأخير.
أتركُ في قلبي نافذةً مكسورة
وأدعُ للبردِ ممراً صغيراً ..
وأُبقي قارورةَ العطر قربَ وسادتي
والقميصَ القديم
معلقاً في جهةٍ
لا تشيرُ إليها البوصلة.
لعلَّ الذين رحلوا ..
إذا أضاعوا طريقهم في الأبد
يشمون رائحتهم في أشيائي
فيعودون إليَّ…
ولو في حلم.
فأمدُّ يدي في العتمة
ولا أجدُ سوى البرد
وأفهمُ متأخرةً
أنَّ الذين يسكنون القلب
لا يموتون حين يدفنون…
بل حين لا نعودُ
نرتجفُ
من شدَّةِ الحنين إليهم.

التعليقات (0)