مقالات

جكرخوين يعود إلى فولفسبورغ ، مهرجان الشعر الكردي بين وهج التنظيم وعثرة المنبر

نصر محمد / ألمانيا

لم تكن الأمسية التي احتضنتها جمعية فولفسبورغ الكردية في الرابع والعشرين من هذا الشهر ، مجرد مهرجان شعر عابر ، بل كانت وقفة وفاء ثقافية بامتياز ، استحضرت روح شيخ الشعر الكردي الخالد جكرخوين في الذكرى الثانية والأربعين لرحيله. هناك ، في تلك القاعة التي ضمّت شعراء ومحبي الكلمة من شتات المدن ، كان التأكيد الأبلغ بأن القصيدة الكردية ما زالت الحارس الأمين للهوية ، وحافظة الذاكرة .

تابعتُ فعاليات المهرجان من إسدال ستارته الأولى حتى الأخيرة ، فحملتُ معي حصيلة من الانطباعات ، منها ما يستحق الإشادة والثناء ، ومنها ما أضعه هنا بكل محبة وحرص ، نقداً بناءً نبتغي منه مهرجاناتٍ قادمة أكثر إشراقاً واكتمالاً .

أولاً : ما يُحسب للمهرجان ، لوحة تنظيمية مضيئة

يُحسب للجنة المنظمة في جمعية فولفسبورغ الكردية والقائمين على المهرجان “هشيار عمر لعلي” و “أنس قاسم” و “حاجم موسى” و “ماجد سليمان” و “دل إيش بافي كاسر” أنها قدمت عملاً تنظيمياً رائعاً بكل المقاييس :

1. حفاوة الاستقبال وكرم التكريم : كان الترحيب بالضيوف والشعراء لافتاً ومفعماً بالود ، حيث تم تكريم جميع الشعراء المشاركين وعددهم ثلاثة عشر شاعراً وشاعرة ، ومن ضمنهم الشاعر عارف حسين الكردي العراقي والذي قدّم قصائده باللهجة الصورانية ، بشهادات تقدير وهدايا رمزية بالغة الجمال ، عبارة عن شارة علم كردستان وأقلام أنيقة نُقش عليها “مهرجان الشعر الكردي” باللغة الكردية ، لفتة رقيقة تترك أثرها العميق في النفس .

2. أناقة التقديم : أدار عرافة المهرجان باقتدار الشاعر دل إيش بافي كاسر وطالبته الشابة آية سليمان ، فكان أداؤهما متناغماً ، جزلاً وحيوياً ، منح المهرجان رونقاً خاصاً وحيوية محببة .

3. بساتين من الشعر وصور تلامس الروح : وهذا هو جوهر المهرجان وبيت القصيد ، فقد أزهرت المنصة بقصائد آسرة وصور شعرية باذخة الجمال ، حملت بصمة قامات شعرية كردية لها حضورها الراسخ . تجلت هذه الروعة في نصوص الشاعر القدير لالش ميرزا ، وفي دفء إلقاء الشاعر باران حسو ، وفي عمق قصائد الشاعر هشيار عمر لعلي ، ومعاتبة جوان كدو لحبيبته التي تركته ، حيث حلّقوا بالحضور في فضاءات من الجمال الخالص ، مع كامل تقديري واحترامي لباقي الشعراء المشاركين الذين أغنوا المهرجان بحضورهم .

4. تجلّي روح التآخي : ومن اللحظات الأكثر تأثيراً ، مبادرة السيدة ليلى قاسم ، عضو جمعية بيلفيلد الكردية ، التي قدمت هدية رمزية نفيسة لجمعية فولفسبورغ ، تمثلت بعلم كردستان مطرّز يدوياً بخيوط زاهية على قماش أبيض ناصع ، ومن صنع يدها ، في تعبير صادق وعفوي عن أواصر الأخوة والتضامن بين جمعياتنا الكردية في المهجر . وأيضاً قام الشاعران غسان حزني ولالش ميرزا بإهداء ديوانيهما إلى جمعية فولفسبورغ .

ثانياً : ملاحظات برسم المهرجانات القادمة

وكما لكل عمل ناجح ثغراته، اسمحوا لي أن أسجل بعض الملاحظات التي أتمنى أن تجد طريقها للاعتبار :

1. تسييس المنبر الثقافي : كان الأجدر أن تقتصر الكلمات الرسمية على كلمة اللجنة المنظمة والجمعية المضيفة ، صاحبة الدعوة ، إلا أن المنصة شهدت إلقاء كلمة باسم حزب سياسي . وهذا بلا شك يخرج المهرجان من إطاره الثقافي الجامع والرحب إلى إطار حزبي ضيق ، لا يخدم الشعر ولا يليق بالشعراء .

2. التمييز في الجلوس : لوحظ تخصيص مقاعد في طرف القاعة لأعضاء حزب سياسي بعينه ، حتى خُيّل إلينا في الوهلة الأولى أنهم لجنة تحكيم القصائد . إن مثل هذا التمييز يخلق شعوراً بعدم المساواة بين الحضور ، بينما يفترض في المهرجان الثقافي أن تكون كراسيه متساوية للجميع ، يحتضنهم صف واحد .

3. انحراف بعض النصوص عن مسار الشعر : اعتلى أحد الشعراء المنصة قائلاً : “قصيدتي بدون عنوان وستعرفون العنوان من خلال القصيدة”، ليبدأ بعدها هجوماً مباشراً على طرف سياسي معين . هنا ينحدر الشعر من عليائه كرسالة جمال ومحبة وسلام ، ليتحول إلى منبر للتهجم . وكان من واجب لجنة اختيار وتقييم القصائد التدقيق في المحتوى مسبقاً ، صوناً للمهرجان وبقاءً له في فضائه الأدبي النقي .

4. مصادرة حق الجمهور في الحوار : ما إن أنهى الشاعر الثالث عشر قصيدته ، حتى أُسدل الستار مباشرة على المهرجان ، دون فسح المجال للجمهور لإبداء الرأي أو فتح باب النقاش . ولقد رأيتُ بأم عيني عدداً من الحاضرين دوّنوا ملاحظات قيّمة حول القصائد والمهرجان ، وكنا نتمنى لو خُصصت نصف ساعة أخيرة لحوار مفتوح ، فالمهرجان لا يكتمل إلا بجمهوره، والكلمة لا تزهو إلا بمن يتلقاها .

في المحصلة ، كان مهرجان الشعر الكردي في فولفسبورغ خطوة ناجحة ومهمة على درب صون اللغة والثقافة الكردية في بلاد المهجر ، وإن جهود جمعية فولفسبورغ الكردية وكل القائمين على هذا العمل تستحق كل الشكر والعرفان .

إن الشعر الكردي ، كما أراده جكرخوين وأوصانا ، هو شعر لكل الأكراد ، فوق الأحزاب وفوق الانقسامات . نأمل من لجنتنا المنظمة الكريمة في الدورات القادمة أن تحافظ على هذا الإرث الجامع ، بأن يبقى المنبر للشعر وحده ، والكراسي متساوية للجميع، والكلمة الأخيرة للمحبين .

بوركت جهود كل من ساهم وشارك ، وإلى مهرجان أبهى وأجمل في العام القادم .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى