مقالات

عمالقة موسيقى وغناء الكورد.. قضاء عفرين ( 4 )

الأستاذ الدكتور قاسم المندلاوي

عفرين  مدينة الجمال و الاصالة ،  وموطن الكرم و الشهامة ،  وارض تخزن في ترابها حكايات الأجداد  ، و ذكريات الأجيال . تقف عفرين شامخة بين جبالها الخضراء  ، وسهولها الواسعة ،   تحتضنها أشجار الزيتون التي أصبحت رمزا  لهويتها  ، وعنوانا لصمود أهلها  ، وفي ازقتها و قراها حكايات لا تنتهي عن المحبة و التاخي و البساطة ،  وعن الانسان الذي ارتبط بارضه ارتباط الروح بالجسد .

تزخر الذاكرة الفنية الكوردية بأسماء لامعة جعلت من الموسيقى والغناء وسيلةً للتعبير عن الهوية القومية ،  والدفاع عن اللغة والثقافة ، وتجسيد آمال الشعب الكوردي وتطلعاته إلى الحرية والكرامة . وقد واجه عدد من هؤلاء الفنانين ظروفًا قاسية ، تمثلت في التضييق والمنع والملاحقة ، الأمر الذي اضطر بعضهم إلى مغادرة وطنه ومواصلة مسيرته الفنية في المنافي ، حاملين معهم صوت كوردستان وألحانها ووجدان شعبها .

 وفي هذه الحلقة الرابعة من سلسلة  ( عمالقة موسيقى وغناء الكورد ) ، نسلّط الضوء على أحد الفنانين الكورد الذين ارتبط اسمهم بالأغنية الوطنية والثورية ، وهو الفنان (  بنكين عفريني ) واسمه الحقيقي (  حكمت جميل ) الذي انطلق من منطقة عفرين في غربي كوردستان ، وترك بصمةً في مسيرة الأغنية الكوردية ، من خلال أعمال عبّرت عن التمسك بالهوية والارتباط بالأرض والوطن .

النشأة والمسيرة الفنية

وُلد الفنان بنكين عفريني  في ناحية معبطلي التابعة لمنطقة عفرين في غربي كوردستان ، وينتمي إلى عائلة كوردية . وتشير بعض الروايات إلى أنه عاش فترةً في مدينة قامشلو ، قبل انتقاله لاحقًا إلى دمشق  ، حيث ارتبطت حياته بنشاطه الفني  ، ثم غادر سوريا متجهًا إلى أوروبا في ظل المضايقات التي تعرّض لها بسبب نشاطه الفني ومواقفه الوطنية .

وقد تباينت بعض المعلومات المتداولة بشأن مكان إقامته في مراحل مختلفة من حياته ، وهو ما يستدعي التمييز بين مكان ولادته ومناطق إقامته وتنقله . وتبقى عفرين وفق المعلومات الواردة في هذه السيرة ، موطن نشأته الأول ومحطة انطلاقه في مسيرته  .

امتلك بنكين عفريني موهبةً فطرية في الغناء ، وجعل من الفن وسيلةً للتعبير عن مشاعر شعبه وقضيته . ولم يكن الغناء بالنسبة إليه مجرد ألحان وكلمات ، بل رسالةً ثقافية ووطنية تحمل معاني الحرية والكرامة والانتماء  .

الأغنية الوطنية ومواجهة التضييق .

برز اسم بنكين عفريني في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين أصدر عام 1978  ألبومه الأول بعنوان ( جي بيم ولات كوردستان = ماذا أقول لوطني كوردستان ؟ ) .. وفي عام 1979 اصدر البومه الثاني بعنوان ( ولات تو كوردستان = وطني انت كوردستان )  وبسبب هذا الالبوم  اضطر الرحيل و الهجرة الى اوربا  .

وقد ارتبطت أغانيه بالقضايا الوطنية الكوردية ، وتناولت موضوعات الأرض والهوية والحرية  ، الأمر الذي عرّضه  ، بحسب الروايات المتداولة عن سيرته  ، لمضايقات وتهديدات من أجهزة النظام السوري آنذاك  . وأمام هذه الظروف   ، اضطر إلى مغادرة وطنه عام 1979 متجهًا إلى أوروبا  ، حيث أقام في الدنمارك  ، ثم انتقل إلى ألمانيا  ، مواصلًا نشاطه الفني والوطني في المهجر .

وفي حديثه عن تلك المرحلة  ، يعبّر الفنان عن معاناته من الممارسات التي استهدفت الشعب الكوردي في غربي كوردستان  ، ويشير إلى أن انتشار إحدى أغانيه أثار استياء السلطات  ، وأدى ، وفق روايته  إلى منع ألبوماته ومصادرتها  ، وإغلاق عدد من المحال التي كانت تبيع أشرطة الكاسيت  .

وتكشف هذه التجربة عن جانب من الصعوبات التي واجهها الفنانون الكورد في تلك المرحلة  ، حين أصبح التعبير بلغتهم والغناء عن هويتهم الوطنية سببًا للتضييق على نشاطهم الفني  ، ودافعًا لبعضهم إلى مواصلة رسالتهم بعيدًا عن أرض الوطن   .

أبرز أغانيه وأعماله

قدّم بنكين عفريني مجموعةً من الأغاني التي ارتبطت بالوجدان الوطني الكوردي، ومن أبرز الأعمال الواردة في سيرته

  • قامشلو  وقسم الوفاء  ” اغنية ثورية ”  1978
  • ولاتي كوردستان ” وطني كوردستان ” 1978   
  • شورش (الثورة، 1979)
  • ولات تو كوردستان ”  كوردستان أنت الوطن  ” 1981  
  •   زينار ارب  ” الحزام العربي ”  1984
  • نه رازي مه ” لست  راضيا ”  2000
  •   بيروز  ” مبروك ”   2004  
  • إلى جانب أعمال أخرى (  حوريا مين )

وتعكس عناوين عدد من هذه الأغاني ارتباط تجربته الفنية بالواقع السياسي والاجتماعي الذي عاشه الشعب الكوردي  ، كما تكشف عن الدور الذي أدّته الأغنية في حفظ الذاكرة الجماعية والتعبير عن التطلعات الوطنية  .

الغربة والعودة إلى عفرين

بعد سنوات طويلة من الغربة ، عاد الفنان حكمت جميل ، المعروف باسم بنكين عفريني ، إلى مدينته عفرين  ، ليعيش بين أهله وأقاربه وأحبائه ، وفق ما تذكره الروايات الواردة في سيرته  ، وتمثل العودة إلى مسقط الرأس  ، بعد سنوات من الابتعاد  ، محطةً إنسانية مهمة في حياة الفنان ، الذي ظل اسمه مرتبطًا بأرضه وهويته وأغنيته الكوردية  .

ولا تقتصر أهمية تجربته على عدد الأغاني التي قدّمها أو الألبومات التي أصدرها  ، بل تتجاوز ذلك إلى ما تمثله من صلة بين الفن والهوية  ، وبين الإبداع الفردي والذاكرة الجماعية لشعبٍ ظلّت الموسيقى والغناء جزءًا أصيلًا من ثقافته ووجدانه  .

إن تجربة الفنان بنكين عفريني  ، المعروف باسمه الحقيقي حكمت جميل ، تمثل صفحةً من صفحات تاريخ الأغنية الكوردية التي حملت صوت الوطن إلى ما وراء الحدود  . فقد واصل مسيرته الفنية في ظروف صعبة  ، وظلّ الغناء بالنسبة إليه وسيلةً للتعبير عن الانتماء والتمسك بالهوية والثقافة الكوردية  .

إن الفنانين الذين يحملون تراث شعوبهم في أصواتهم وألحانهم يستحقون أن تُحفظ سيرهم  ، وأن تُوثّق أعمالهم  ، وأن تتعرّف الأجيال الجديدة إلى ما قدّموه من عطاء ،  فالأغنية ليست مجرد لحنٍ عابر  ، بل ذاكرةٌ تحفظ الحكاية  ، وجسرٌ يصل الأجيال بجذورها الثقافية والوطنية .

وفي الختام  ، نتمنى للفنان بنكين عفريني دوام الصحة والعافية  ، ومزيدًا من العطاء والإبداع  ، وحياةً ملؤها الخير والسعادة والطمأنينة  ، تقديرًا لمسيرته الفنية وما تركته من أثر في ذاكرة الأغنية الكوردية .

 

المصادر والمراجع

1. حكمت جميل «بنكين»: «صوت الثورة الكوردية في المنفى»، 21 آب/أغسطس 2025، فيسبوك.

2. «بوك ميديا تحاور الفنان الكوردي القدير بنكين عفريني»، 2 شباط/فبراير 2014، بوك ميديا – فيسبوك.

3. «حوار مع رائد الأغنية السياسية والثورية، الفنان الكوردي الكبير حكمت جميل (بنكين)»، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2011، موقع ولاتي مه.

4. «لقاء مع الفنان الكوردي حكمت جميل»، 2 أيار/مايو 2025، تيك توك.

5. «وصول الفنان بنكين عفريني (حكمت جميل) إلى قامشلو»، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، قامشلو – سيمالكا – بويربريس، فيسبوك.

6. «بانكين عفريني – حكمت جميل»، 30 أيار/مايو 2020، يوتيوب.

7. زبير صالح، «بنكين عفريني»، 27 شباط/فبراير 2019، يوتيوب.

8. «بعد 34 عاماً.. الفنان الكوردي بانكين يعود إلى عفرين»، 31 آذار/مارس 2014، بوك ميديا – فيسبوك.

9. المكتب المركزي للإحصاء، «نشرة السكان حسب المناطق والنواحي»، 17 نيسان/أبريل 2011، ويكيبيديا – الموسوعة الحرة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

لا تبحث عنّي…

أفين بوزان لا تبحث عنّي... لا تبحث عنّي بين غروبِ عمري .. ولا في مواسمِ عبوري .. ولا في الممرّاتِ التي اجتزتُها…

الروح الجنَّتية

شعر: روان أوسو الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود   قليل من الكلام، في كثير من الشفافية الزرقاء هناك روح يحلّق بها خيالها…