قراءة في كتاب

سردية الشيخ الموقَّر : محمد عيسى-8-

إبراهيم محمود

 

في سفينة ” نوح ” الكردية

 

” من يعاني وحيداً، فإن معاناته تنبع في الغالب من خياله؛ أما النفس فتُروِّض الألم بسهولة حين تجد رفاقاً يشاركونها المحنة ” .

وليم شكسبير

 

وحيداً وليس كذلك

أن تكون وحيداً، ربما تشعر بالوحدة، لكنك بالمقابل، تعيش عالماً بكامله، بخيالك وذائقتك. أن تكون مع الآخر، لا تعود وحيداً، بقدر ما تتخلّى عن جانب من ذاتك مع الآخر، وربما هو نفسه لا يكون نظيراً لك، فيحدث الخلل: الشعور بالندم الخفي، حيث لا تعود قادراً على استعادة لحظة الوحدة تلك، وليس من السهولة بمكان، بالمقابل، أن تدع الآخر مؤثراً في نفسك، لأنه- ببساطة- صار له حضور في عالمك الشخصي وتحكُّم بك.

في حال كونك حزبياً، تصبح العلاقة أكثر متراسية بينك وبين خارج خانتك الحزبية، مهما أفصحتْ هذه عن مرونتها وانفتاحها. للحزب خاصية بوتقية تشدك من رأسك، بينما تحاول الخروج من جهة رجليك، ليكون فقدان الوحدة في مقام أثر بعد عين، في عملية الانخراط التي لا تخفي سمَتها الحشدية” وهي ترجمة ملطَّفة عن مفردة، لعلها باتت ثقيلة على متداوليها، ألا وهي: القطيعية ” من يمثّل الحشد، يضاف هذا إليه بطريقته.

يمارس اليقين  أحياناً دوره المتنفذ هنا جهة الإيحاء على تجاوز العوائق، إيماناً بوحدة كبرى” جمعية ” حزبياً.

لكن هل يمكن التغطية على يقين موجَّه كهذا تأطيراً، دون النظر إلى الوراء؟

ثمة أرشيف يُقرَّأ من الداخل!

أعني ما يكون في واعية الشيخ، ولم تجر تسميته، كما هو في واعية رفاق حزبه، ومن يحيطون به، حيث إن الأرشيف يمضي بنا إلى الأثر، وتعقّبه، وحقيقته، ما يشبه البصمة الدالة على ما هو فردي وجماعي معاً!

في سردية الشيخ محمد عيسى، وكما قرأت وحاولت التدقيق، يستحيل تجاهل محنته، لحظة قراءة ما سمح لها بالإقامة في مدوَّنته، رغم تبيّن ضبط النفس في اختيار المفردات. وللتاريخ شهادته هنا، قبله ومعه وبعده.

كيف أصبح ” رفيقاً حزبياً ” وملؤه إيمان يصله بواقع أريدَ تنويرُه كردياً، وبروح عصامية حازمة، ليعيش توترات، فيما يشبه أحياناً لعبة شد الحبل الممدود على الهاوية، لعبة قد تفتن الذاكرة ولكنها تثير حفيظة تاريخ.

أسمّيها محنة الشيخ وهو يحاول يمتحن الآخر معه، ولكن سؤال الآخر الممتحَن يبقي جوابه المنتظر خلافه.

ثمة مناورة على الذات ومؤاساة بغية المتابعة، إشعاراً بأن الطريق المرسوم للحزب معبّد إلى نهايته.

لنبدأ من هنا!

 

الآخر طالباً ومطلوباً

لا يكتفي الشيخ محمد بكتابة عبارة جهة من يعتد به: شاعره أوصمان صبري، وهو يشكو ما جرى، بقولته المشبعة بالقهر ممزوجاً بالسخط والانجراح في الروح بعمق:

شيخ، أتوسل إليك.. البارتي انتهى”

نحن إزاء أرشيف كامل، في خطاطة القولة تلك، أو هذه، حيث إن نداء الاستغاثة/ النجدة/ الصرخة معاً” hawar  ” ليس ” هاوار ” جلادت بدرخان ذات يوم مؤلم، إنما ” هاوار ” من يرى” صرْح حلمه ” قد هوى، بناء على حساباته، وأن انهيار هذا الصرح، ليس بيد غاز ٍ، أو غريب، وإنما من ” أهل البيت ” الكرد !

اسم الشيخ يرفع سقف الواقع، بمأثوره اللاشعوري، متعالياً عليه، بصداه الديني، تعبيراً عن هدْر تاريخ متوخّى، والتوسل تضرعٌ، ترجمة لوعة ٍ، تفجعٌ، انكسار داخلي، وهزيمة وشيكة، وتوقع ” غرق سفينة نوح ” الكردية، حيث الإشارة إلى ” البارتي ” الذي يُعتبر ” سفينة إنقاذ للكرد ” ومن هم جديرون هنا بركوبها!

هل يكتفي الشيخ بكتابة قولته: صرخته فقط؟

طبعاً، لا، ففي وجه شاعره، وعبارته، ما يصله بروحه، بشخصه، بحلْمه هو وخوف السفينة من الغرق.

مِن على مسافة زمنية بعيدة، وهو بصوته النائي، بالمنتقى من ذاكرته التي تصله بنهاية خمسينيات القرن الآفل، والحزب ” البارتي” يصدمه هو وشاعره ومن معهما، كما يعلمنا بصوته، وقد تسطَّر. الحزب الذي لما يزل في مرحلة” الرضاعة ” عمراً، فعن أي أبوَّة أو بنوَّة، أو أمومة جهة الحنوّ والتفاني ، يمكن الكلام؟

نقرأ ما اعتبره الشيخُ مكنون شاعره الممزق في داخله:

( كان يساوره شعور عميق بالقلق، إذ كان يرى في انخراط البكوات ضمن صفوف البارتي تهديداً وجودياً للحزب ومشروعه الوطني، وأن دخولهم لن يكون مجرد إضافة عددية أو شكلية، بل سيكون بداية انحراف عن النهج الأصيل الذي تأسس عليه الحزب، وربما سبباً لتصدعه من الداخل وانهياره التدريجي. وكان يعبّر عن هذه الهواجس بمرارة صادقة، ويكلّمني بحرارة تُظهِر عمق خوفه على مستقبل الحركة. كان يستنجد بي برجاء ملحّ، طالباً دعمي ومساندتي كي نقف معاً بوجه الخطر الداهم .ص 122).

هل المشروع الوطني، كعبارة، تتم تهجيته هكذا بسهولة، ليجري وهْبه شرف التسمية/ الصفة” الوطني “؟

ضمناً: من المتكلم هنا؟ أهو الشيخ أم الشاعر؟ إذا كان الشاعر هو المتكلم، من خلال كلام الشيخ، فهل الصوت صوته والنابع من أعماقه وسخونة الموقف الذي يجد نفسه فيه؟ وبناء على أي مقياس، أو منحنى بياني، أفلح الشيخ في تحويل  المستقرَأ من ” توسلات الشاعر” ما اعتبره الترجمة الأمينة النزيهة لمكنونه المحموم ؟

إذا كان الشيخ هو المتكلم، من خلال الكلام المفترض للشاعر، فبناء على أي قاعدة كشْف سبْرية له؟

هناك نوع من التماهي بين الشيخ، وهو يتكلم هكذا، والشاعر، وهو المفترَض أنه مقروء الشيخ، حيث تمدّنا جملة من الصياغات بمفرداتها في هذا المقطع، ما يقلق الشيخ، لا بل ويضيق عليه خناق المعنى وهو معناه:

يساوره شعور عميق- يرى تهديداً وجودياً-النهج الأصيل-التصدع- الانهيار-بمرارة صادقة- يكلمني بحرارة-

يستنجد بي برجاء ملح- الخطر الداهم…

أشعر أحياناً وأنا أقلّب قولة الشيخ عن الشاعر، على وجوهها، وانطلاقاً مما جرى التذكير به، وحتى التشديد عليه، كما لو أن هناك عدواً تاريخياً مستفحلٌ خطرُه، يستعد للانقضاض عليه بصفته ممثلَ شعب بكامله !

أليس في قولة كهذه،  في صولة ذاكرة كهذه، تصعيد لمّاح ودال على الشعور بالخذلان وخيبة الأمل، أو تحطُّم الصورة اليوتوبية لمدينته الكردية المرتقبة على صخرة ” الدستوبيا ” الناتئة والبغيضة، كما يظهر؟

ثمة ما يمكن تلمّسه في كلمات الشيخ، جهة علاقته بالآخر هنا، وكأنه ظهر في المكان والزمان المناسبين، وهو بالمواصفات السالفة الذكر، جديرٌ بأن يكون الحاضر أمام ناظريه، أو في حسابه الذهني، ليوقع باسمه على ما يعتبره تفويضاً منه، وليحرر نفسَه من وطأة الشعور بضعف الحيلة والوسيلة لتحقيق المرتجى.

يتراءى المشهد أكبر من شهوده في حالته هذه، كما لو أن الآخر: المختلف، البعيد عنه، غير مؤهل لركوب سفينته،  وأن الخلاص يليق، فقط، بمن سلك الصراط المستقيم الذي يصله بسفينة إنقاذه الحزبية  افتراضاً.

توضيحاً، ماذا يعني ” النهج الأصيل “؟ بناء على أي مكاشفة منطقية، وواقعية، جرى إطلاقه هكذا؟

أليس في تهويل الوضع تلبيس الآخر، النموذج البكواتي في الحال، ما يعتبره الشيخ ” العصا ” التي لم تكتف بإيقاف العجلة عن التحرك، وإنما خروجها عن المسار وقلْبها بالمقابل؟

تُرى، هل يمكن مفهوم” النهج الأصيل ” بفرد واحد أو اثنين أو ثلاثة، وهو يعني شعباً بكامله في تنوعه؟

لعلّي أرى في صياغة كهذه، تبرئة الذمة الشخصية، له، قبل كل شيء، من كل مساءلة محتملة تاريخياً!

ما يفصح عنه تالياً، يعزز هذا الموقف من ” الآخر: الخطر الداهم ” وذيول المعنى المترتب عليه:

( وبالفعل، أحدث تشكيل القيادة المؤقتة اضطراباً واضحاً في البنية التنظيمية للبارتي. فقبل هذا القرار، كنّا قد وزَّعنا المهام بين أعضاء القيادة، وبدأ كلٌّ منهم أداء واجباته وفق ما أسنِد إليه من مسئوليات..ص122).

أجدني، وكقارىء قبل كل شيء، إزاء من يريد تبرئة ذمته، كما تقدم، وفي الوقت نفسه وضع الكُرَة في مرمى الآخر، إنما الأخطر من هذا وذاك، هو التأكيد على أن ” الرضيع الحزبي” كان سيكبر ويصبح ناضجاً، وسوياً، وفاعلاً، ومنتجاً، وملهماً، ومتعدي كل الحدود التي وضعها الأعداء ومن في ركابهم، لولا ذلك ” الخطر الداهم”، وما يمكن إضافته في مختتم هذا المشار إليه: إذا أردتم معرفة العدو، فلا تذهبوا بعيداً!

 

الأزمة في اسمها المعلوم

كما أشرتَ في أكثر من نقطة، فإنه لا الشيخ، ولا سواه، ولا سوى سواهما، في سياق البحث، بقادر على الزعم أو الادعاء على أنه السلطة المرجعية لقولة الحقيقة المتعلقة بالبارتي: تمهيداً فعلياً، ونشأة وتحولات ٍ!

طبعاً، ليس الشيخ محمد عيسى هو الشاهد الوحيد الأوحد ليس على مرحلة تاريخية في المنحدر التاريخي الوعر والزلق كثيراً، وإنما حتى على أي نشاط يؤرَّخ له فيها، حيث التفرد القطعي غير موجود، كما هو تشابك الروايات، وإن كان في سيرته، ما يصنّفه عالِماً، وفي حدود السائد طبعاً، وفي مسيرته ما يسمّيه مناضلاً، في النطاق الجغرافي الذي يُعرَف به، ومقارنة بمن حوله، أو من هم في محيطه.

هل لي أن أقول هنا عن أن وعي الشيخ بنفسه، وهو الوحيد من نوعه، في الذي جرى، كان دافعاً لأن يُنسِب إلى نفسه من المكانة، لا يستحقها أحد سواه في نوعيتها؟ أليس للاشعور الجمعي الديني مأثرته في إبراز ذلك؟

في كتابه ” صفحات من تأريخ حركة التحرر الوطني الكردي في سورية” ودلالة العنوان” أي القليل القليل جداً من هذا التأريخ ، وما في جعبة العنوان من عناوين فرعية لا تخفي صدمة الجغرافي للتاريخي، ورد الفعل التاريخي على الجغرافي، وتعقّد الجغرافي إدارة أموره اجتماعياً وسياسياً”، ثمة ما ينوّه إلى الأزمة، وربما ما قبل الأزمة، بما أن الأزمة تعني خللاً في سوية الموضوع، لكن الواقع يشير إلى أن البدء، كما يظهر حمل معه ” نطفة أزمته ” ليطلقها وقد انتثرت هنا وهناك:

( لقد كان البارتي يشكو من خلل كبير في تكوينه، فقيادته مكونة من عناصر تدعى التقدمية، ونضالها في هذه الفترة كان متمحوراً حول البورجوازية التي كانت تريد جرهم إلى مواقعها في الفكر والعمل.ص68).

كما أشرت سابقاً، بالنسبة لواضع محمد ملا أحمد، هو نفسه يشكو هذه المحنة ويربط مصدرها بجهة، أو جماعة، وبنية طبقية” البورجوازية ” وما في هذا الإصرار من رافعة اليسارية واستشعاريتها.

وليكون في محتوى العنوان الفرعي” الحملة الكبرى على البارتي في 12 آب 1960″ ومن قبل السلطة في سوريا، ما ينير بنية هذه العلاقات، من خلال البنية النفسية وثقافتها التلقينية كثيراً لمن انخرطوا في اللعبة.

حيث يتحدث، وبما هو دقيق في الدلالة، إلى ” التوسع الأفقي اللافت” في ” نشاط الحزب التنظيمي”

ليكون هناك تنوع جماهيري في الانتساب، أي( من مشارب شتى، وانتماءات طبقية مختلفة)، وفي قراءة المسافة الزمنية القصيرة بين (  التأسيس ” للحزب ” والتوسيع التنظيمي الكبير بين الجماهير من جهة وحملة الاعتقالات في سوريا ضد البارتي والأحزاب الأخرى من جهة أخرى..) ما يقرّبنا من صورة الحدث، حيث المسافة هذه لا تضمن التهيئة المطلوبة لهذه الجماهير، وما يترتب على ذلك من خلل في التعامل نفسياً، أي حيث غلب الكم الكيف( لذا كانت الاعتقالات فرصة لإنفجار هذه الدملة، وفتح باب الصراع الإيديولوجي الداخلي، وإحداث المشاكل، وتمزيق الوحدة…إلخ.ص77).

أنا أدع جانباً، طغيان السلطة بأجهزتها القمعية، ومدى سريان عنفها في الرؤوس والنفوس جانباً، لأن هناك ما يحكم في حُكْم البداهة، من وجهة نظري، على حقيقة هذا الطغيان ذي التاريخ المديد والممتد إلى الآن، وما يعرَف به من عنف، يستحدثه رمز الطغيان من خلال أجهزته الدالة له، ويسمّي من هم سبب له، للفت الأنظار إليهم، باعتبارهم مصدر الإخلال بالبلاد أمناً، وسلامة، وكرامة عيش واستقراراً كذلك، وما يشغلني هنا، ما أراني مسكوناً بقلق سؤاله البحثي، ومكاشفة جوابه المكرر، بشعبويته، هو مدى صلاحيته تاريخياً.

إذ لا بد أن الأرضية كانت مهيئة لكل ذلك، ولا بد أن رؤية” الدمَّلة ” في الجسد الكردي، في عمومه، تحفّز الباحث عن العلة إلى إجراء تشخيص داخلي لعموم الجسد، أي ما يخص ظاهرة الشعبوية وآفتها، ما يخض لغة الارتجال اللامسئولة وخلفيتها، التي تتمثل في أولي أمر المجتمع، حيث إن تلك، تضخ مختلف القوى العاملة على الحيلولة دون ظهور النقيض القيمي: في الفكر والأدب والفن، أو الثقافة عموماً، والحداثية فيها على وجه التحديد، في ضوء الربط أو التقابل، بين قلة تريد الصعود على حلبة التاريخ، وإظهار المتوخى، بالطريقة غير المعهود، ورمي أفرادها بالبيض الفاسد، أو البندورة العفنة، أو حتى بالحجارة، وهي بذلك تدفن رأسها الجماعي في الرمل الأكثر وخامة وفتكاً بالجسد، وما يذكّرنا حتى الآن بسرعة تقبل ما لا يُراد تحقيقه، لأن التأهيل النفسي والنفسي لم يحصل، على صعيد الإعلام وفوضاه، لعبة الوسائط الجهنمية، وما يمكن التوقف عنده جهة الأحكام المسبقة ومرتكزاتها والقطعية فيها، حيث تنعدم لغة الحوار، وتحقيق المشتَرك.

التخاصم، أو التعادي الكردي- الكردي، يؤخَذ هنا في الحسبان، في ضوء ما توصلنا إليه حتى الآن.

ثمة نقطة لم يُشِر إليها الشيخ محمد، وربما تجاهلها، وغيّبها في عتمة الذاكرة، لها صلة مباشرة بمن كانوا يناصبون أو يناوئون البارتي العداء، أي ما له صلة به مباشرة دينياً، لا بل مذهبياً، ناحية النقشبندية، تحدث عنها درويش في كتابه ” أضواء…” وهو( يشير إلى مناوئيهم بعناد، أي ضد وجود حزبهم” رابطة علماء الدين الإسلامي ” التي تم تشكيلها بُعَيد تأسيس حزبنا من قبل المرحوم الشيخ عزالدين أحمد الخزنوي، وكان الهدف من تشكيل هذه الرابطة هو معاداة حزبنا بالدرجة الأولى. ص 25.).

لماذا أغفل الشيخ هذه النقطة، وهي فاعلة في مضمار البحث التاريخي؟ هل فاتته، أم إنه تغاضاها، وما في هذا النوع من التغاضي من صعوبة أو حتى استحالة التحرر مما هو عقيدي أو مذهبي، كما يُتصوَّر؟

أليس كلٌّ منا ” خطّاء ” تاريخي، بنسبة ما، وفي هذا الخطأ الذي يسكننا تعرّفنا الحياة بحقيقتها أكثر؟!

هل نستعيد مركَّب الذاكرة لدى الشيخ، وكيف تعامل معها، وهو يمرر عبرها ما يكون أقرب إليه في وضع كهذا، وبمزيد من الدقة في الخيار، تعبيراً عن حساسية الموقف، ليكون القارىء أكثر تقبلاً لما يقول؟

إنني أتحدث عن زاوية الرؤية تبعاً للفكرة التي تشغله تجاه هذا الجانب الحياتي أو ذاك، منوّهاً إلى أن موضوع الحيادية، كما يمكن أن يقال عن الذاكرة، ضرب مما هو أبعد من الخيال!”43 ”

 

توسيع الرقعة

يمكن للباحث في تأريخ الحركة القومية الكردية في سوريا، وتتبع شئونها وشجونها، أن يعثر على توسّع في الفقرات التي تحدثنا عنها، وبنوع من الإسهاب، في كتاب الأكاديمي الدكتور إسماعيل محمد حصاف” تأريخ كردستان سوريا المعاصر ” “44 ”  .

وذلك في الفصل الثاني من الكتاب، في جزئه الثالث، ثمة العنوان التالي، والدال على الأزمة السالفة الذكر:

“الصراع داخل الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ”

ويأتي العنوان الفرعي الأول بالعبارة ذاتها” أزمة الحركة الكردية في سوريا “، والمُودَع طيَّه يعيدنا إلى ما قاله محمد ملا أحمد ” ص 42″، حيث التذكير بسلسلة الخلافات بتبعاتها العائلية والعشائرية والطبقية” ص 44-45-46″،  وما يخص الاعتقالات التي طالت ( قادة وكوادر البارتي..ص48).

وبشكل أقل، يمكن معاينة دواعي تأسيس الحزب، ومتغيراته البنيوية، حتى ما بعد محكمة من جرى اعتقالهم ،في كتاب علي جزيري “45”

يشير الشيخ محمد إلى أربعة أسماء، كأمثلة( أوصمان صبري، نورالدين ظاظا، رشيد حمو، شوكت منان، وغيرهم..ص 139).

ويشير إلى جانب المرونة في خطاب ظاظا، حيث المحاكمة كانت بمثابة المحك لمعرفة كل منهم، في الحزب بالنسبة للقضية الكردية في سوريا( في السجن.، بدأت بوادر الخلاف بين الرفاق. كانت البذرة التي أنبتت لاحقاً أول انشقاق في تاريخ البارتي؟ ظهر التباين جلياً أثناء مرافعات الرفاق أمام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق. نركَّز التباين حول ماهية الحزب، إذ تمسَّك أوصمان بمبادىء الحزب وأهدافه ودافع عنها بشجاعة، بينما اختار نورالدين خطاباً أكثر مرونة ، أملاً في تخفيف الحكم عنه وعن رفاقه، قائلاً بأن البارتي مجرد جمعية ثقافية واجتماعية.ص 141). ” 46 ”

هكذا يتقابل فريقان من داخل الدائرة الحزبية الواحدة” أوصمان/عثمان صبري” و” نورالدين ظاظا/ زازا”، وهذان الفريقان من خلال ممثليهما كما يظهر، تكفَّلا في التقدير الحسابي التاريخي المستقبلي، بتفجير الدائرة لتستحيل كماً هائلاً من الحُزيبات والحُريكات والتويرات والأصيلحات…إلخ بتوأمي اليمين واليسار.

وليس من داع ٍ، للدخول في تفاصيل المحاكمة ، فهي متداولة في مواقع ومصادر متوفرة، وتوفيراً للمنتظَر .

وإذا كان لحديثنا بقية بما تقدم، ومما يصلنا بمختتم هذا الفصل، فهو يخص موضوع الشيخ محمد، الذي لا يخفي ثناء على ملهمه : شاعره، وهو يسمّي فيه شجاعته، وشعارية المشهد، أما عن سمة ” المرونة ” في شخص ظاظا، فهي وإن بدت محل مدح، ولكنها في أصلها وفصلها أقرب إلى الذم، إذ إنها تستحضر معها الهشاشة، والتفكك الداخلي، وفي هذه المفارقة مفارقة تشير إلى الشيخ نفسه، وهو من وراء ظهر أوصمان صبري، وعنه، يلوّح بمثل هذا النوع من الراديكالية الكردية الطابع، بقدر ما يمكن الذهاب بعيداً وعالياً إلى خاصية الشعبوية الغيبية التي يعجنها في خيالها، ويودُعها خميرة الآخر: شاعره أوصمان صبري، وما يخفى من وازع نفسي، على وقع هذه العلاقة التي لا تُهضَم بسهولة، وقد أثبتت الأيام، كما سنرى، أن تلك العجينة بخميرتها، وقد ترققت رغيفاً ” مشتهى ” قد أحاله” تنور التاريخ ” بمتغيراته إلى رغيف وقد احترق معظمه!

ولأننا بصدد سفينة ” نوح ” الكردية أرى أن زازا/ ظاظا فيما قام به، وما تحمَّله من عذابات واتهامات، كان أشبه، ما يكون كثيراً، بالحمامة التي بشَّرت سفينة ” نوح ” بقرب اليابسة، لكن لم تصدَّق شهادته، للأسف.

يا لها من سفينة ” تيتانيك “العالقة في صحراء الوعي السياسي الكردي المزوبعة!

 

مصادر وإشارات

43-مهمٌّ إيراد الوارد في الهامش ” 12 ” ص” 46 ” من كتاب محمد ملا أحمد، وهو يأتي على التجاذبات والتباينات جهة مواقف رفاق الحزب الواحد، وحالات التكتم على الجاري لدى البعض، تحسباً لما يُتخوَّف منه، أو ما يُخشى من تأثيره على هذا أو ذاك، حيث يشير الكاتب، وهو يأتي على اسم حمزة نويران ” أحد المؤسسين الثمانية ، للبارتي( فقد حملت نفسي، وذهبت إليه في بيته لمعرفة دوره في عملية تأسيس البارتي، وما لديه من معلومات متعلقة بموضوع كتابنا هذا، لكنه رفض التكلم، ولو بحرف واحد، مدعياً بأنه غير مقتنع بجدوى ما أقوم به، ثم مضيفاً، أنه لا بد أن أسأل، لماذا حدث الأمر الفلاني؟ ومن السبب؟ ولماذا… ولماذا؟ وأنه( أي حمزة) من جهته قد قرر ألا يتكلم بأي شيء، عن مشاكل البارتي، لأحد، عن أي أحد، لذا لن يتكلم، وأمر على ذلك…).

كم نحتاج إلى الزمن الفعلي، لنستثمر هندسة وعينا المكانية- الزمانية الفعلية، بغية معرفة- ولو- الحد الأدنى، مما يقرّبنا مما يعنينا فيما يشغلنا ونتحفظ عليه، ويؤلمنا، ونتكتم عليه، ويهلكنا أحياناً، ولا نصرح بحقيقته!

لذا، هل يمكن قراءة مثل هذا القول/ الشهادة، دون التوقف والسؤال عما وراء قول كهذا؟

إذا كان التهرب من الحقيقة سعياً إلى تجنب المجابهة، التي تتطلبها، وفي موضوع مفتدى من أجله، فأي حزبية هذه التي يمتنع عن قول أي كلمة، وهي لصالح مسيرة الحزب، من جهة تسمية خطأ ما مثلاً، تصويبه يقوّي وجود الحزب نفسه، أم إن الحزب هذا، كما يقول تاريخه وما فيه من تحفظات، انطلق من السر، وبدد سر نشأته في سر ليس كأوله، وإنما يعرّي مواجهة سلبية كهذه، بقدر ما يري كم هو الاسم كبير دون مسمّاه ؟!

44-د. إسماعيل محمد حصاف: تأريخ كردستان سوريا المعاصر” 1963-1975 “، أربيل، 2017، وهو مكون من ثلاثة أجزاء، وأرقام الصفحات ترد في المتن، للإيجاز.

45-علي جزيري: الكرد وكردستان ” كردستان سوريا: أنموذجاً” بحث في ضوء منهجية الجغرافيتين السياسية والتاريخية، منشورات الأكاديمية الكردية، أربيل،2017.صص529-542.

46-ينظر ذلك، في كتاب محمد ملا أحمد المذكور، ص 90-91.حيث يشير إلى ظاظا بأنه همس لرفاقه أثناء المحاكمة: لا تقولوا إن هدفنا هو تحرير وتوحيد كردستان، كما هو وراد في البرنامج السياسي للبارتي.. ليستدرك قائلاً: هنا انبرى له ” عثمان صبري ” ورفض طلبه، وأصر على أن يذكر التحرير والتوحيد، من أهداف البارتي، كما هو وراد في برنامج البارتي.ص 81. وينظر كتاب حصاف المذكور، ص44، وجزيري، ص 534.

وينظر في كتاب تيجيل، ومدى معاناة زازا” ص 119″..، وهو يضيق الخناق على نفسه حباً بمن حوله من رفاقه في المعتقل، ومن هم في الخارج، وبغية ديمومة الحزب، كما تقتضي استراتيجية التسمية، إن جاز التعبير، أي الاكتفاء باسم: الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ، وتنحية شعار”تحرير وتوحيد كردستان ” أي إلى أجل غير مسمى بحكم الظروف، وما سنراه لاحقاً، يثبت صواب محذور زازا.

” ملاحظة: أستخدم اسم ظاظا، أو زازا، وكذلك: أوصمان، أو عثمان، حسب وروده في النص وتجاوباً مع محتواه، من جهة  قائله !

 

” يتبع”

 

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

الروح الجنَّتية

شعر: روان أوسو الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود   قليل من الكلام، في كثير من الشفافية الزرقاء هناك روح يحلّق بها خيالها…

لا، ليس شوكاً ” قصص “

إبراهيم محمود مفارقة نظر إليه بغطرسة، وهو في الطابق العلوي، بينما كان مخاطبه في الأسفل، وقال: أرأيتني كيف أصبحت؟ وأين أصبحت الآن؟…