بين التراكم الثقافي والتحقق العلمي: في شروط إنتاج المعرفة وحدود الابداع

صبحي دقوري

 

إنّ الوعي بطبيعة العلم وتاريخ تشكّل المعرفة العلمية، والإلمام بالمناهج الإبستمولوجية وشروط إنتاج النظريات وقبولها، يفضي إلى إدراك تمايز بنيوي حاسم بين الثقافة بوصفها نسقًا رمزيًا تراكميًا يتشكّل تاريخيًا عبر آليات التوارث الاجتماعي، وبين العلم باعتباره ممارسة معرفية مشروطة بالتحقق والاختبار وقابلية التفنيد. وقد بيّن غاستون باشلار أنّ التقدّم العلمي لا يتحقق عبر تراكم المعارف، بل عبر قطيعات إبستمولوجية تفصل الفكر العلمي عن أنماط التفكير العفوي واليومي، وهو ما يجعل الثقافة، في بنيتها الغالبة، غير خاضعة لمنطق البرهنة الصارمة، إذ تستمد استقرارها من التكرار والاستبطان الجماعي، لا من النقد المنهجي.

تُطرح النظرية العلمية ابتداءً بوصفها فرضية مؤقتة لا حقيقة مكتملة، وتدخل في سيرورة طويلة من البحث والمراجعة والاختبار والاعتراض المضاد. وفي هذا السياق، أكّد كارل بوبر أنّ معيار العلمية لا يكمن في قابلية النظرية للإثبات، بل في قابليتها للتكذيب والدحض، أي في استعدادها البنيوي لمواجهة التفنيد. وعلى النقيض من ذلك، تعمل الأنساق الثقافية وفق منطق القبول الاجتماعي، حيث يتحوّل المتوارث إلى معيار للحقيقة، ويُستبدل التحقق بالتوافق، والبرهان بالاعتياد.

ويكتسب هذا التمييز بعدًا أعمق حين يُربط بطبيعة الذات الإنسانية ذاتها. فالإنسان، من حيث هو كائن معرفي، يولد قابلًا للتشكّل، مفتوحًا على إمكانات متعددة، وقابلًا لاكتساب المعنى عبر اللغة والرمز والتنشئة. غير أنّ هذه القابلية نفسها تجعل الذات عرضةً لإعادة إنتاج الموروث بوصفه حقيقة بديهية غير قابلة للمساءلة، ما يؤدي إلى تعطيل الوظيفة النقدية للعقل. وقد أظهر توماس كون أنّ الجماعات العلمية ذاتها لا تتحرّك خارج الأنساق النموذجية (البارادايمات)، وأنّ الانتقال المعرفي الجذري لا يتم إلا عبر أزمات تُزعزع البنية السائدة، وهو ما ينطبق، بدرجة أشد، على الأنساق الثقافية غير العلمية.

من هذا المنظور، لا يمكن اختزال الإبداع الفكري أو العلمي في كونه فعلًا تلقائيًا أو انبثاقًا عفويًا للطاقة الداخلية. فالإبداع هو نتاج توتّر معرفي، وصراع مع البداهات، واشتغال طويل داخل فضاءات عدم اليقين. إنّ الأفكار الاختراقية والتحوّلات النظرية الكبرى لا تنشأ من الامتثال للنسق القائم، بل من القدرة على خلخلته، ومن الجرأة على مساءلة مسلّماته وإعادة تنظيم حقوله المفاهيمية. وبهذا المعنى، يغدو العلم ممارسة نقدية واعية، ويغدو الإبداع فعل مقاومة للبداهة، لا امتداد لها

 

المراجع

 غاستون باشلار.

تكوين العقل العلمي. ترجمة خليل أحمد خليل. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1986.

(النص الأصلي: La formation de l’esprit scientifique, Paris: Vrin, 1938).

  • كارل بوبر.

منطق الكشف العلمي. ترجمة فؤاد زكريا. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.

(النص الأصلي: The Logic of Scientific Discovery, London: Routledge, 1959).

  • توماس كون.

بنية الثورات العلمية. ترجمة شوقي جلال. القاهرة: عالم المعرفة1997

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

محمود عبدو / ديريك

يستكمل الباحث واللغوي الكردي “محمد أحمد رشيد” مشروعه البحثي والجمعي الثقافي والتراثي الكردي بكتاب جديد حمل عنوان «من فللكلور بوتان – ضروب الأغاني والقصص» ويأتي منتجه الجديد بوصفه محاولة نبيلة أخرى لإنقاذ شيءٍ من الذاكرة الشعبية من الاندثار والنسيان، وصون التراث الكردي من الضياع.

فالتراث الشعبي والشفوي المنتشر ليس حكايات وقصص تُروى في…

أحمد عبدالقادر محمود
أعتقني و خُذ كل الأشياء
متى شئت وحيث تشاء
لم أعُد بيَّ أشعر
لفظتني فوهات الدهر
و أفعال البشر
أعتقني ….. و لا تبالي
ما رأف البائع لحالي
سلعة أنا في أسواق المحال
لا تكترث فلستَ أهلاً للسؤال
أمضي بي يا هذا …
لن تلقى فؤاداً
أنقى من فؤادي
و لا وجه أجمل من وجهي
و لا قداً أميز من قدي
أفعلها يا هذا …….
طيفٌ أنا بوجود…

المهندس باسل قس نصر الله

عندما كنا صغاراً ـ منذ مدة قريبة، لا تضحكوا فأنا أعتذر، لأن ذلك هو منذ أكثر من نصف قرن ـ كان من يريد أن يشتري الجبس أو البطيخ “الأحمر والأصفر” ينادي البائع ويقول: “أريد حِملاً كاملاً”، أي كل الجبس الموجود على طرفي الحمار. ونفس الشيء بالنسبة للخس.

كانت تلك…

عامر عثمان ” إيفان “

كَعَودَةٍ إِلَى اللاوَطَن
يَتَنَكَّرُ جَسَدي لأَطْرَافِي الهُلاميَّة
وَتَنْهَبُ بِرَكُ المَطَرِ ظِلَالَ القَمَرِ كَزَهر الليلك
أَتَبَعْثرُ . . . كَالغَيْم
حِيْنَ يَرْتَطِمُ بالأَرْضِ . . .
حَيْثُ ثَرْثَرة القُدُور الخَاوية
كَجِرَار الأَرْضِ تَرْثِي وَلائِمَ السمَاء
كَغُرْبَةٍ تَنْتَعِلُ ظِلَّنَا

***

بِتَأنٍّ . . .
أُقَشِّرُ الهَواءَ لِيَكُون وَلِيمَتِي
وَالهَاويَة قَلْبِي وَ قَلْبِي الهَاوية
وَ تَغْفُو الأَرْضُ . . .
كَيْلا تَسْمَعَ عِتَابَ الذِينَ يُشْعِلُون الليلَ بِالعَويل
وَ…