الشاعرة رولا سرحان تمزج عذابات الجسد بمأساة الجغرافيا في ديوانها الجديد “هوناً مّا”

فراس حج محمد| نابلس

في الديوان الجديد للشاعرة رولا سرحان المعنون بـ “هوناً مّا”،  الصادر حديثاً عن دار المتوسط في ميلانو بإيطاليا، وضمن سلسلة براءات التي تخصصها الدار بالاحتفاء بالشعر والإصدارات الشعرية، تضع الشاعرة القرّاء- على مدى (140) صفحة من القطع المتوسط- أمام تجربة شعرية مغايرة، تتسم بالارتباك الجميل والوضوح القاسي في آن واحد، منذ العنوان، الذي يعلن عن ولادة نص لا يكتفي بالرصد، بل يغوص في فلسفة الوجود والعدم، الحب والحرب، والأرض التي تضيع وتكبر “على شكل بلد”، ولتنتهي إلى أن الكلمة هي الخلاص الوحيد، نظرا لعدة اعتبارات تفصح عنها هذه النصوص بتقنية شعرية عالية.

يتمحور الديوان حول فكرة “النضال” الذي يداهمه “الحب” فجأة، فالشاعرة لا تفصل بين الخاص والعام؛ إذ إنّ الحبيبة التي تشق برتقالة لتطعم حبيبها، هي ذاتها التي ترى الفراغ الفلسطيني “المضيع على شكل بلد” يكبر في داخلها كفراشة، إنها تكتب عن الحب الذي لا يخضع للعادات والتقاليد، بل يُبنى في “عوالم مخفية” داخل السرير، حيث يخرج الشعر من “تحت العقل وأحياناً من بين الموتى”.

تبرز “الخسارة” فكرة مركزية في هذه النصوص؛ فالعلاقات الإنسانية لديها هي صراع بين “رابح وخاسرة، وخاسر ورابحة”. وهي لا تخجل من الاعتراف بالهزيمة، بل تؤرخ لها بصراحة موجعة، كما في قولها: “كان ذلك في اليوم الـ 67 من الهزيمة أمامه/ أمامي”.

يتجلى اهتمام الشاعرة بالرموز الدينية والتاريخية وإعادة تأويلها برؤية معاصرة، فنجد حضوراً طاغياً لشخصيات وأحداث مثل “السامري”، و”المجدلية” ، و”قابيل وهابيل” (المزارع الذي قتل أخاه) ، و”الحي الأرمني” الذي يروي حكاية المذبحة عبر شقوق الصلصال، وحضرت بعض ظلال من التجربة الصوفية، وتحديدا محيي الدين بن عربي في انحيازها للحب بعيدا عن الأيديولوجيا والعقيدة.

هذه الاستحضارات ليست تزييناً أدبياً استعاريا، أو تناصا جماليا تاريخيا يكشف عن المخزون الثقافي للشاعرة، بل يمتد تأثيرها لتصبح نوعا من الاشتباك مع “ثقل الجغرافيا” و”سر التاريخ”، إذ تهتم الشاعرة بالكلمة؛ كونها صحفية وباحثة سسيولوجية، كقوة قادرة على المواجهة، معتبرة أن “الكلمة، وحدها وفقط، كانت: آية” ، وهي الأداة الوحيدة القادرة على تفسير نقطة ضعف المنطق أمام القوة، إن هذا الهمّ الثقافي مشحون باللحظة السياسية الراهنة التي يعاني فيها الفلسطيني أشد ألوان المعاناة، بحيث لم يجد لديه إلا الكلمة، ليدافع عن نفسه، ويعلن فيها عن نفسه ووجوده.

تعتمد رولا سرحان أسلوباً شعرياً يميل إلى “الاقتصاد اللغوي”  في قصائد قصيرة بلغ عددها (109) نصاً أدبياً، احتلّ أغلبها صفحة واحدة، ولا فرق بينها وبين عناوينها، إذ العنوان نفسه جزء أصيل من جسد النص، مع استخدام لغة حسية عالية، منحازة في الكتابة إلى “قصيدة النثر” التي تمنحها قدرة على التلاعب بالأفكار؛ لتمزج بين السردي والدرامي، وتحول العاديّ اليوميّ المشاهد إلى نص شعري يدعو إلى التأمل عبر لغة لا تغرق بالمشهد الصحفي ولا تهوّم في فضاء اللغة الباذخة العصية على الفهم.

ومن الملاحظ أن الشاعرة رولا سرحان قد فارقت في هذا الديوان أسلوبها في ديوان “السوى” الجامح والجانح بقوة نحو العوالم الصوفية، وعليه يمكن رصد ملامح هذا الأسلوب في أنها تعتمد على التشخيص والمجانسة، فتحول الأشياء الصامتة إلى كائنات حية؛ فالوقت لديها “لا يكفي للقاء”، والأرض “لا تغيـر مواقفها”، والكلمات قد تكون “مبتسرة” أو “ملغاة”، والرصاصة تفكّر بعيداً عن مطلقها، كما يجد القارئ صورا متضادة في الديوان، حيث أبانت الشاعرة عن ولعها بالجمع بين المتناقضات؛ “العالم سفلي والحب علوي” ، “نقيضاً على النقيض، وكم يلائم النقيضُ النقيضَ دوماً”، وتبـرز السمة الثالثة في اعتماد الشاعرة على التوظيف الرمزي للطبيعة، في استخدامها عناصر الطبيعة للتعبير عن المأساة الفلسطينية؛ “أطرافي العادية جذوري في القصف” ، و”عروق الرمان في الدم ليظل أحمر” كرمز للانتماء للأرض.

تقدم الشاعر في ديوان “هوناً مّا”، بياناً شعرياً عن كائنة مرهفة الحس والالتقاط الجمالي، فهي شاعرة- كما تبدو في النصوص- “لينة النبض تنكفئ على وجهها” ، لكنها في الوقت نفسه لا تستسلم. إنها تكتب لتستعيد وجهها الذي تركته على الأرض، ولتؤكد أن “الحدود مفتوحة للحرب وللشعر”، وتحترم الضعف الإنساني ليبدو بطلاً، وتحتفي بالخسارات، لا لترثيها بل لتدعو إلى تعويض تلك الخسائر الواقعة في الحرب والحياة عبر “إنجاب مقاتلين جدد” ، وعبر الإيمان بأن الحرب، يوماً ما، ستكون “بِرِقّة امرأة”. إنها تجربة تحاول الإجابة على السؤال الوجودي الصعب الذي لا يعبر عنها فقط بوصفها شاعرة أو فلسطينية، بل يمكن أن يجد فيه الإنسان- أيّ إنسان- نفسه ليسأل ذاته: “أبقلبي شر؟”.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الديوان هو الديوان الثالث للشاعرة بعد ديوانها “حراً على آخرك” الذي صدر عام 2013، وديوان “السوى” الذي صدر عام 2017، عدا ذلك، فالشاعرة تشغل رئيسة تحرير صحيفة الحدث الفلسطيني الشهرية، وباحثة دكتوراه ضمن برنامج الدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبري رسول

هندسة السّرد:

يهندس الكاتب نزار آكري السّرد الفنّي في رواية فرح خاتون الصّادرة عن دار الزّمان للطّباعة والنّشر ٢٠٢٥ بتقنيّة سرديّة فائقة، تحتلّ الرّواية ١١٦ صفحة من القط المتوسط.

تدور احداث الرّواية على لسان الأميرة الكُردية فرح خاتون، ابنة علي عيسى عبدالكريم آغا المليين، أحد الوجوه الاجتماعية في قرية كندور على تخوم الحدود المصطنعة التي…

علي شيخو برازي

طيلة أربع سنوات كان يعيش أسير حبها غير العادي, كان قد ترك العقل جانبا دون أن يعمل, ساقته عاطفته إلى حيث الضياع في متاهات الحلم, متعلقا بخيط وهمي يمتد منه إليها, يتسلق هذا الخيط الوهمي بيدين تنبض شرايينهما أملا.

كان الليل عالمه الوحيد يلجأ إلى سكونه كلما كان…

نصر محمد / ألمانيا

يارا وهبي ابنة بيت عُرف بالفن والإبداع لدى جميع أفراده، ابتداءً من والدتها إسعاف، ومروراً بأخيها الكبير الفنان والكاتب رافي وهبي.

تقول يارا في أحد حواراتها:

«كان لأمي إسعاف وهبي الأثر الكبير في تكويني النفسي، وهي التي أصرّت على كتابة اسمها على غلاف روايتي مرفقاً باسمي، لأكسر تابو من تابوهات…

إبراهيم محمود

ونريده صوتاً ينادينا
فيه أسامينا
فيه معانينا
فيه مغانينا
أرضاً تسمّينا
ومقبرة تعرَّف باسمنا
وتعرف ألفباء بكائنا
وحنيننا
ونظل أهلينا

ونريده ميسور حال مثلما
للغير نشأتهم
وصبوتهم
وطلتهم على الدنيا
ونريده
في ملتقى الأرضين والسموات
تبياناً وتبيينا

ونريده وجهاً حياتياً
وإقراراً بحادينا وساعينا
ونريده، حقاً،
بكل تواضع ٍ
شجراً يطالعنا ويؤنسنا
ويطلقنا إلى أعلى أعالينا
بحراً ينادمنا إلى أقصى أماسينا
ويمنحنا من الأعماق
ما يثري به أصفى أمانينا
نهراً يرافقنا إذا نمنا
ويوقظنا ويمضي طوع آتينا
برّاً يرتّلنا
ويمحو من مآقينا
ضباباً أو…