الأعراس الكردية وطقوسها المنسية «ملامح الدولة الصغيرة في العرس الكردي»

عبدالعزیز قاسم 

 

قبل نحو أربعة قرون، أشار الشاعر والفيلسوف الكردي أحمد خاني في ملحمته الشهيرة «مم وزين» إلى العديد من المظاهر الاجتماعية والاحتفالية في المجتمع الكردي، ولا سيما في أبيات عيد نوروز ومراسيم زواج تاجدين وستي، إلى العديد من الظواهر والمشاهد التي نراها اليوم في الكرنفالات الأوروبية؛ بدءا من سباق الخيول أو مايسمى «جرید»، إلى الألعاب النارية، والحفلات التنكرية، والرقص والغناء.

وأتذكر أنه قبل نحو ثلاثين عاما فقط، كانت الأعراس الكردية (Dawet) مليئة بالحيوية، وكانت تستمر ثلاثة أيام على الأقل، قبل أن تختصر في كثير من الأماكن اليوم إلى ليلة واحدة. وكان لكل يوم طقوسه الخاصة التي تعكس جانبا غنيا من الثقافة الكردية.

وأود هنا لفت نظر القراء إلى أن كلمة Dawet هي كلمة كردية مقتبسة من الكلمة الكردية القديمة damet أي العريس او العرس، وليس كما يعتقد البعض أنها مأخوذة من الكلمة العربية دعوة.

كان اليوم الأول يعرف بـ «بەربودی»، حيث تذهب مجموعة صغيرة من بنات أهل العريس إلى بيت العروس لتجهيزها وتزيينها، وكان يطلق على هذه الليلة أيضا اسم ليلة الحناء، بينما كان الشباب يأخذون العريس إلى الحمام لقص شعره وتجهيزه، وغالبا ما يكون ذلك عند نبع القرية أو أحد ينابيعها.

أما اليوم الثاني فكان يسمى ,,«خێلی» «Xêlî»، وفيه يتم جلب العروس إلى بيت العريس وسط أجواء احتفالية.

وفي صباح اليوم الثالث، الذي كان يعرف بـ “Ser Sibehê”، تستكمل مراسم الاحتفال والزيارات والهدايا.

لم تكن الأعراس الكردية مجرد احتفال بالزواج، بل كانت مناسبة اجتماعية مليئة بالطقوس والعروض شبه المسرحية والكرنفالية؛ ومن الطقوس اللافتة مشهد تمثيلي يصور فيه العريس كأنه ملك، ويكون إلى جانبه وزيران يسميان بالكردية “Birazava”.

وكان هذان “الوزيران” يختاران مجموعة من الشباب تسمى «Mufredî»، ومهمتهم الإمساك بالشباب الآخرين وإجبارهم، بشكل طريف على دفع “ضريبة” رمزية باسم العريس؛ إما مبلغا بسيطا أو شراء الحلوى ونحو ذلك. 

وبعد جمع هذه “الضريبة” كان الجميع يجتمعون في جلسة صغيرة مع العريس يتشاركون فيها الحلوى والشراب والدخان.

 

وتروى حكاية طريفة أن ضابطا عثمانيا حضر أحد الأعراس الكردية، فوقع بدوره في قبضة «مفردي» ولم يفلت من دفع الضريبة، وحين لاحظ هذه الطقوس قال غاضبا إن الكرد بهذه الحركات كأنهم يؤسسون لفكرة دولة، حاول التهرب من الدفع، ثم اقترب الضابط من العريس وهمس في أذنه بنبرة امتزج فيها الاستعلاء بالتهديد قائلًا:

“مملكتك خيالية، أما نحن فلنا إمبراطورية تمتد من آسيا إلى أوروبا.”

لكن العريس لم يتراجع، ولم يقبل أن يتنازل أمام الضابط، ووفقا للروايات، دار بينهما نقاش حاد وسط دهشة الحاضرين، قبل أن ينتهي المشهد على نحو غير متوقع؛ إذ نظر الضابط إلى العريس لحظة صمت، ثم قال له بنبرة مختلفة:

“تستحق أن تكون ملكا.”

ودفع نصيبه من الضريبة.

 

تبقى مثل هذه القصص والتقاليد شاهدا على غنى الحياة الاجتماعية الكردية، وعلى الروح الاحتفالية والخيال الشعبي الذي كان يرافق الأعراس في الماضي.

وحتى اليوم، لا يزال مطربو الأعراس الكردية يرددون النداء المعروف:

Kî zava? kî paşa?

(من العريس؟ من الملك؟)

فيهتف الحضور باسم العريس، مثلًا:

Zagros’e zava!

«زاگروس… اسم ابني».

ولعل هذه المشاهد الرمزية، التي يتحول فيها العريس إلى ملك ويقوم فيها الشباب بدور الحراس والجباة والوزراء، ليست مجرد ألعاب احتفالية عابرة، بل تعبير عميق عن خيال سياسي واجتماعي عاش طويلا في وجدان الكرد. 

ففي فضاء العرس، كانت تتشكل دولة صغيرة رمزية لها ملكها ووزراؤها وضرائبها وطقوسها. وربما لهذا السبب لم يكن الضابط العثماني مخطئًا تمامًا حين لاحظ ذلك المعنى الكامن خلف المزاح.

فالشعوب كثيرا ما تعبّر عن أحلامها الكبيرة عبر رموز صغيرة في حياتها اليومية, وكما حلم أحمد خاني قبل قرون بوحدة الكرد وقيام كيان يجمعهم، ظل هذا الحلم يتردد في الأغاني والاحتفالات والذاكرة الشعبية. وبينما كان العريس ينادى ملكا في ساحة العرس، كان في أعماق الوجدان الكردي حلم أكبر: أن تقوم يوما دولة حقيقية تحمل اسم كردستان، لا على خشبة المسرح، بل على أرض الواقع.

* «شكر خاص لابن العم سليمان أبو هوكر على تزويدي ببعض المعلومات».

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

النقل عن الكردية: إبراهيم محمود

” قبل أكثر من عقدين من الزمن كتبتُ عن الشاعر الكردي الكبير رشيد كرد” 1910-1968 “،في مقال الكتروني، منشور، حيث لم أعد أذكر المصدر، وفي كتابي” الصورة أكبر من إطارها: عن نورالدين زازا كُردي القول والفعل-سبيريز،دهوك،2023، هناك فقرة يتحدث فيها مفكرنا وكاتبنا الكردي الكبير والراحل زازا1919-1988 ” عن هذا الشاعر الكردي…

نصر محمد / ألمانيا

عامر فرسو خط مساره ونحت اسلوبه في الكتابة الأدبية بصبر وتأني وهدوء الحكماء فاتحا اشرعته على انسام الشرق والغرب ، منصتا بدهشة وعمق إلى نهر الحياة ، وحفيف الكون ملتزما بقضايا الإنسان آلاما وآمالا
عامر فرسو ذو ثقافة واسعة وجذور أدبية عميقة ؟ جعل من كلماته مرآة تعكس آلام وآمال الإنسان في هذا…

صبحي دقوري

أريد أن أتحدث عن كتاب لا يوفر قراءة سهلة للقارئ، ولا يطمئن أفكاره، بل يحركها من جذورها. بمجرد أن تفتح الكتاب، تشعر كأن شيئا قويا يجبرك على التفكير في أفكارك الأساسية، مثل المعرفة، واللغة، وطبيعة الإنسان.

هذا الكتاب هو “الكلمات والأشياء” لميشيل فوكو.

يجب علينا أولاً أن نتبين ما يقوم به فوكو في هذا الكتاب. فهو…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الإسكندرية مدينةً تُرى بالعَين وحدها، وإنما هي مدينة تُقْرَأ كما تُقْرَأ القصائد الكُبرى، وتُستعاد كما تُستعاد الذكريات العميقة، وتُعَاش كما يُعَاش الحُلْم الذي يرفض أن ينتهي. ومُنذ أن قامت على شاطئ البحر المتوسط، وهي تكتب تاريخَها بالحجارة والماء، وتغزل أسطورتها مِن ضوء البحر، ورائحة الملح، ونداء الموانئ،…