رحِيلُ .. آزَاد دِلْزَار ..  في الرحيل تبقى الذكرى أقرب إلى الروح

الشَّاعِرُ عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسُكِي

 

عَالَجَتِ القَصِيدَةُ الكُرْدِيَّةُ الكَثِيرَ مِنَ الصُّوَرِ الحَيَاتِيَّةِ.. الَّتِي تُحِيطُ بِالبِيئَةِ الكُرْدِيَّةِ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ، الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنَ البِيئَةِ العَامَّةِ.. مِنْهَا.. الذَّوْدُ عَنِ الوَطَنِ، الفِرَاقُ، الأُخُوَّةُ العَرَبِيَّةُ، المَوْتُ، الأَلَمُ، المَصِيرُ المُشْتَرَكُ، الفَرْحَةُ، التَّضْحِيَةُ، وَالصُّوَرُ الوَاقِعِيَّةُ الأُخْرَى….

كُلُّ شَاعِرٍ يَسْتَعْمِلُ مُفْرَدَاتٍ خَاصَّةً بِهِ تُمَيِّزُهُ شَيْئًا مَا عَنْ شُعَرَاءَ آخَرِينَ.. وَمِنَ الطَّبِيعَةِ الكُرْدِيَّةِ أَوْ شَخْصِيَّةِ الإِنْسَانِ الكُرْدِيِّ تَتَمَيَّزُ بِالوَفَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالإِحْسَاسِ المُرْهَفِ وَالحُزْنِ العَمِيقِ الَّذِي يَطْوِيهِ بِالصَّمْتِ. أَحْيَانًا أَوْ يَلْجَأُ إِلَى الغِنَاءِ وَالنَّايِ وَالعُودِ وَآلَاتٍ أُخْرَى يَبُثُّ أَحْزَانَهُ وَمَشَاعِرَهُ الدَّافِئَةَ الدَّفِينَةَ مِنْ خِلَالِهَا، إِذْ يَلْجَأُ إِلَى الكِتَابَةِ شِعْرًا، قِصَّةً، نَثْرًا فَنِّيًّا.. يَبْدُو أَنَّ الشِّعْرَ يَطْغَى عَلَى المَجَالَاتِ الأُخْرَى. أَوْ إِلَى الرَّسْمِ.. يُلَوِّنُ أَحْزَانَهُ كَمَا يَرَاهَا.. يُطَوِّقُهَا بِإِطَارِ الرُّوحِ قَبْلَ أَنْ يُطَوِّقَهَا بِإِطَارٍ مِنَ الخَشَبِ.. قُلْنَا يَلْجَأُ إِلَى الصَّمْتِ، يُخْفِي مَشَاعِرَهُ وَإِحْسَاسَهُ وَمَا يَتَحَمَّلُهُ وَفَاءً لِلطَّرَفِ الآخَرِ.. تَعْلَمُ أَنَّ الزَّمَنَ يَتْرُكُ آثَارًا عَلَى أَرْوَاحِنَا، لَا تَنْسَاهَا أَبَدًا.. مَهْمَا تَقَدَّمَ بِنَا العُمُرُ.. وَمَهْمَا تَغَيَّرَتْ دَوَائِرُ الحَيَاةِ وَاشْتَدَّ ضَجِيجُهَا وَاحْتَوَتْنَا مُتَطَلَّبَاتُهَا الكَثِيرَةُ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.. هَلْ نَحْنُ ضَحِيَّةٌ أَمَامَ هَذَا الزَّمَنِ.. أَمْ ضَحِيَّةُ الآخَرِينَ.. أَمْ ضَحِيَّةٌ أَمَامَ أَنْفُسِنَا.. هَلْ تَمْلِكُ عُقْدَةَ التَّضْحِيَةِ.. هَلْ.. تَتَأَلَّمُ بِصَمْتٍ وَتَفْرَحُ بِصَمْتٍ..؟

 

نَوَدُّ أَنْ تَفْعَلَ تَقْرِيبًا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ مَنْ تُحِبُّ..

رُبَّمَا نَحْنُ مُسْتَمَدُّونَ ارْتِيَاحًا مِنَ القِيَامِ بِذَلِكَ.. مَاذَا لَوْ رَحَلَ إِنْسَانٌ عَزِيزٌ عَلَيْنَا.. مَاذَا سَيَتْرُكُ لَنَا مِنْ صُوَرِ ذِكْرَيَاتٍ.. أَمْ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا أَعْمَقَ وَأَشَدَّ تَأْثِيرًا..؟

يَنْقُلُنَا الشَّاعِرُ «آزَاد دِلْزَار» إِلَى عَوَالِمِ الرَّحِيلِ.. يُطِلُّ عَلَى نَافِذَةٍ مِنْ نَوَافِذِ الأَزَلِيَّةِ لِيُصَوِّرَ لَنَا وَطْأَةَ الرَّحِيلِ بِإِحْسَاسٍ عَمِيقٍ، وَصَادِقٍ، وَمُرْهَفٍ عَلَى الرُّوحِ قَبْلَ الجَسَدِ.. التَّجَاعِيدُ وَالآثَارُ الرَّاسِيَةُ عَلَى الوَجْهِ تَدُلُّ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ.. الهَمُّ، القَلَقُ، الأَلَمُ، التَّفْكِيرُ المُسْتَمِرُّ، وَعَدَمُ التَّرْكِيزِ فِيمَا يُحِيطُ بِنَا، عَدَمُ إِيجَادِ الحُلُولِ المُنَاسِبَةِ لِكُلِّ مَشَاكِلِنَا الصَّغِيرَةِ وَالكَبِيرَةِ.. وَالِابْتِعَادُ عَنْ أَبْوَابِ الخَلَاصِ وَالنُّورِ وَالإِيمَانِ، هَذَا لَوْ تَرَكْنَا تَجَاعِيدَ وَأَثَرَ الشَّيْخُوخَةِ الأَزَلِيَّةِ… نَرَى الكَثِيرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي عُمْرٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عُمْرَ النَّشَاطِ وَالحُبِّ.. تَتَجَلَّى عَلَى وُجُوهِهِمْ تَجَاعِيدُ وَآثَارٌ.. وَكُلُّ أَثَرٍ يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مَا.. رُبَّمَا شَيْءٌ اسْمُهُ «الحِرْمَانُ».

(( لَا تَحْسَبِ الذُّبُولَ

التَّجَاعِيدَ لَمْ تَتْرُكْ آثَارًا

فَوْقَ وَجْهِي

مَبْهُوتًا وَمُحَيَّرًا

ثِقْ أَنَّنِي مَا زِلْتُ ذَاهِلًا

مِنْ وَطْأَةِ الرَّحِيلِ الأَخِيرِ

كَيْفَ لَا يَكُونُ الرَّحِيلُ مُحَيِّرًا؟ ))

كَانَ يَسْتَمِدُّ مِنَّا وَنَسْتَمِدُّ مِنْهُ الأَمَلَ، الِاطْمِئْنَانَ، الحُبَّ، وَالحَيَاةَ. كَيْفَ لَا يَكُونُ الرَّحِيلُ مُحَيِّرًا.. وَعَقْلُنَا البَاطِنِيُّ قَدْ دَوَّنَ كُلَّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ بَيْنَنَا.. جَمَعَ صُوَرَنَا، كَلِمَاتِنَا، هَمَسَاتِنَا، غَيْرَتَنَا، أَحْلَامَنَا، أَشْوَاقَنَا، آلَامَنَا، فَرَحَنَا، أَحْزَانَنَا، صَبْرَنَا، عِتَابَنَا.. العَقْلُ البَاطِنِيُّ الَّذِي فِينَا لَا يَعْرِفُ السُّكُونَ.. يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ عِنْدَ أَيَّةِ نُقْطَةِ ضَوْءٍ تَلْمَسُهُ أَوْ يَتَحَسَّسُهَا تَشِعُّ فِيهِ دَيْمُومَةُ الحَيَاةِ المَاضِيَةِ..

إِنَّ مَأْسَاةَ الرَّحِيلِ.. تَقَعُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ تَقْرِيبًا.

وَلَكِنْ.. الِاخْتِلَافُ يَكُونُ حَسَبَ المَشَاعِرِ وَالإِحْسَاسِ وَالرُّوحِ الَّتِي تَحْمِلُهَا وَالتَّأْثِيرِ وَالتَّفْكِيرِ.. مَدَى تَأْثِيرِ الرَّاحِلِ عَلَيْنَا. الرَّحِيلُ هُنَا يُصِيبُ شَاعِرًا فِي الصَّمِيمِ.. فَلَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى النِّسْيَانِ وَلَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى الخَلَاصِ مِنْ كُلِّ مَا يَحْمِلُهُ.. مِنْ صِدْقِ المَشَاعِرِ.. وَرِقَّتِهَا لِهَذَا الرَّاحِلِ الَّذِي جَعَلَهُ مَعَ الذِّكْرَى يَتَأَلَّمُ وَيَتَحَسَّرُ وَيُبْحِرُ فِي عَوَالِمِ المُتَاهَاتِ.. وَالآهَاتِ.. وَيَدْخُلُ مِنْ بَابٍ كَبِيرٍ إِلَى مِحْرَابِ الوَجْدِ وَالحِرْمَانِ وَالأَلَمِ مَعَ كُلِّ ذِكْرَى وَمَعَ كُلِّ بَيْتِ قَصِيدَةٍ نَضَجَتْ وَتَقَطَّرَتْ أَكْثَرَ مِنْ لَيْلَةٍ مَاطِرَةٍ. لَهُ وَجَعٌ إِنْسَانِيٌّ عَمِيقٌ.. جَعَلَهُ كَأَيْلٍ أُصِيبَ فِي الجِبَالِ.. يَخِرُّ صَرِيعًا وَرَاءَ صُخُورٍ وَعْرَةٍ مَجْهُولَةٍ.

(( مَعَ كُلِّ ذِكْرَى

وَمَعَ كُلِّ بَيْتِ قَصِيدَةٍ

قَدْ نَضَجَتْ وَتَقَطَّرَتْ

أَكْثَرَ مِنْ لَيْلَةٍ

مَاطِرَةٍ

مِثْلَ أَيْلٍ أُصِيبَ فِي الجِبَالِ

وَمِنْ حَرَارَةِ جُرْحِهِ

يَجُرُّ كَبِدَهُ وَرَاءَ نَفْسِهِ

وَمَا أَنْ يَبْرُدَ جُرْحُهُ

حَتَّى يَبْدَأَ بِالتَّرَنُّحِ وَيَخِرَّ صَرِيعًا

وَرَاءَ صُخُورٍ وَعْرَةٍ مَجْهُولَةٍ ))

 

هَلْ هَذِهِ نِهَايَةُ المَأْسَاةِ أَمْ بِدَايَةُ المَأْسَاةِ.. مَأْسَاةُ أَرْوَاحِنَا الدَّافِئَةِ.. عَلَيْنَا.. مَأْسَاةُ الزَّمَنِ.. مَأْسَاةُ الآخَرِينَ.

جَسَّدَ لَنَا الشَّاعِرُ آزَاد دِلْزَار صِدْقَ مَشَاعِرِهِ وَأَحَاسِيسِهِ، وَصَوَّرَ لَنَا وَقَرَّبَنَا رُوحِيًّا مِنْ مَأْسَاةِ الرَّحِيلِ أَوَّلًا.. وَمِنْ نَقَاءِ بِيئَتِهِ ثَانِيًا.. لِتَغْدُو قَصِيدَةً وَاقِعِيَّةً، إِنْسَانِيَّةً.. يَلْجَأُ إِلَيْهَا.. كُلُّ قَلْبٍ يَنْبِضُ بِالدِّفْءِ وَالذِّكْرَى وَالوَفَاءِ وَالحُبِّ وَالحَيَاةِ.

 

١٩٩٣/٥/١٨

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي

أتذكر في بداية انتقالي إلى مدينة ديريك عام 1978 لدراسة المرحلة الاعدادية، كانت المدينة بالنسبة لي عالماً آخرحركة السيارات والموتورات، الكهرباء، حنفيات المياه، والشوارع النظامية المزفتة (خاصة وسط ديريك والحارات الغربية والجنوبية منها).كانت الكهرباء احيانا توفَّر بواسطة مولدة كبيرة تغذي المدينة، وبالتسمية الشعبية لها (الموتور). وكان عند سماعك لصوته المزعج دليلاً على وجود الكهرباء في…

تلقى المكتب التنفيذي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، وبحزن بالغ، نبأ رحيل الشخصية الوطنية المحامي: أوصمان أوصمان بهلوي
في استوكهولم– السويد، بعيدا عن وطنه ومسقط رأسه.
إن المكتب التنفيذي في الاتحاد العام، وباسم الزميلات والزملاء أعضاء الاتحاد، يتقدم بأحر التعازي والمواساة إلى الزميلة الشاعرة الأديبة بونية جكرخوين عضو المكتب التنفيذي ونائب رئيس الاتحاد، أسرة…

فراس حج محمد| فلسطين

“أنا أحببت وليد دقة، لأنه مات، فلا يأتي منه شرّ ألبتة، أصبح فعلاً ماضياً منجزاً على هيأة شهيد أو قدّيس”. هذه كانت إحدى مراسلاتي التي كتبتها عبر الواتس أب على هامش مناقشة كتاب وليد دقة الجديد “بائع التذاكر”. وأما مناسبة هذه الجملة “غير المهذبة” ما مارسه ويمارسه معي شخصياً بعض الأسرى قبل…

لم يكن دخول دينيز أونداف إلى ملعب تورونتو مجرد تبديل هجومي عابر في مباراة متوترة، كان أشبه بفتح باب جديد في حكاية مهاجم ألماني من أصول كوردية إيزيدية، شق طريقه من ملاعب الظل إلى قلب المونديال، ثم وجد نفسه في ليلة واحدة بطلاً كروياً لألمانيا ورمزاً وجدانياً لجمهور كوردي واسع رأى في رقصته بعد التسجيل…