ترتيب الوجوه

عبدالجابرحبيب

على رصيف الوجع

كنتُ أُراقبُ المدينةَ

وهي ترتدي وجهاً آخرَ في كلّ صباحٍ،

تغسلُ ملامحَها بماءٍ مُعادِ التدويرِ،

ثمَّ تخرجُ إلى النهارِ

لتغفو فوق أنقاضِها القديمةِ،

وتُؤجِّلُ تعبَها إلى وقتٍ لاحقٍ.

 

أعرفُ ياصديقي،

أنَّ الأصواتَ لا تموتُ هناكَ،

إنَّهم يحفظونها في عُلَبٍ مُحكَمةٍ،

يفتحونها حين يشاؤونَ

لتُعيدَ ترديدَ ما يُشبهُ الهتاف،

لكن، أتُصدِّقُ يا صديقي؟

أسمعُها تخرجُ باردةً،

كأنَّها لم تُخلَقْ إلَّا لتُقالَ.

 

قلتُ لكَ ذات مرةٍ،

أكرهُ الأفاعي كما؛

أكرهُ هذه الدروبَ الملتويةَ،

التي تقودني إلى مجهولٍ بائسٍ،

تدورُ… تدورُ…

تلتفُّ حولَ نفسِها،

تنكمشُ على ذاتِها

كسؤالٍ يخشى أن يُلقيَ بنفسِه

في غديرِ الإجاباتِ.

يا لهذا الطريقِ الذي لا ينتهي،

كلُّ لافتةٍ فيه تُشيرُ إلى اتجاهينِ،

أمامها، أقفُ حائراً كالأبله،

أو كعائدٍ من معركةٍ

دونَ أن يفهمَ كيف خسرَ.

 

من بعيدٍ،

أنظرُ إلى النوافذِ العاليةِ،

أرى الستائرَ الثقيلةَ تتدلّى

كجفونِ محاربٍ قُتِلَ،

وبقيتْ مُرهَقةً،

أمّا هو فبقيَ مُغمَضاً عن كلِّ ما جرى.

 

في لحظةٍ ما؟

استوقفتني دهشتي يوماً،

حين قالَ لي عابرٌ غريبٌ:

أتدري أنَّ الخبزَ يُعجنُ بدماءِ الشهداءِ

ولا يُخبَزُ من القمحِ فقطٍ،

فهمتُ أنَّ القمحَ

يحتاجُ إلى انتظارٍ

أطولَ من العُمرِ،

وربما تتكسَّرُ أطرافُ الرغيفِ

قبلَ أن يبلغَ الفمَ،

 

حينئذٍ تيقنت

أن الجوعَ أسرعُ من كلِّ نهايةٍ.

وأنا، يا صديقي،

كنتُ أريدُ شبعاً واحداً فقط،

شبعاً لا يتركُ في الحلقِ مرارةً،

بعدَه لا تُعنينِي التماثيلُ في الساحاتِ،

ولا الأسماءُ التي أكلتِ البلادَ

وتركتْ ظلالَها تتكاثرُ كالجراد.

 

وهل تدري ياصديقي

أنَّ الوجوهَ تتشابهُ في الليلِ؟

تذوبُ التفاصيلُ في عتمةٍ

اتُّفِقَ عليها سلفًا،

قبلَ أن تُسلَّمَ مفاتيحُ الأبوابِ

لأصابعٍ تُجيدُ العدَّ، والحساب

أكثرَ ممّا تُجيدُ حراسة البيوت.

كم بدوا بسطاءَ

أولئكَ الذين صدَّقوا العابرينَ،

وحلموا بضوءٍ

يأتي من جهةٍ أشعلوا فيها شموع الفتنة.

أعرفُ شيئاً واحداً، يا صديقي الميّتُ،

حقيقةً واحدةً،

أنَّ الكلماتُ لا تُقالُ إلّا لتجميل الوهم،

مثلَما زينوا حجارةِ قبرِكَ،

كلُّ حجرٍ في مكانِهِ،

وكلُّ صمتٍ بينهما مقصودٌ.

 

أتدري أنَّ كلَّ فراغٍ

يأكلُ من وقتِنا قليلاً؟

هناك أسطوانة مشروخة

تتآكلُ بهدوءٍ،

تدورُ  ببطءٍ فادحٍ،

كعجلة الزمن،

بلا جدوى، وهي تحاولُ أن تعيدَ الجنديَّ

إلى ما قبلَ خطوتِه الأخيرةِ،

ليتدرَّبَ على فنِّ التراجعِ

دونَ أن يتركَ صوتَهُ خلفَهُ.

وتبقى صورته معلقة في السراب.

 

صدقاً،

لا شيءَ ينهارُ فجأةً،

الأشياءُ هنا

تتلاشى بأدبٍ،

تنسحبُ من المشهدِ

كما لو أنّها لم تكن،

وحين تمرُّ الريحُ بجنونٍ،

لا تُحرّكُ الغبارَ كما نظنُّ،

بل تُعيدُ ترتيبَ أوراقٍ صفراء،

في خريف طويل،

ليبدو كلُّ شيءٍ

أكثرَ إقناعاً.

 

اعذرني، يا صديقي،

إن رأيتَني أفشلُ

في ترتيبِ الأولوياتِ،

فأنا ما زلتُ أحاولُ

أن أميّزَ بين ما يحدثُ فعلاً،

وما يُعادُ عرضهُ،

على شاشاتٍ تُجمّلُ الهزيمةَ،

تُؤجّلُ عمراً لمولودٍ ميتٍ.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

من أبرز السمات الفنية التي تميز مونودراما «الجندي أصلان أوغلو» للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل أنها تنطلق من ثقة واضحة بوعي المتلقي وقدرته على إنتاج المعنى بنفسه. فالنص لا يلجأ إلى الشرح المباشر، ولا يفرض على المشاهد أو القارئ تفسيراً محدداً للأحداث، وإنما يكتفي ببناء عالمه الدرامي عبر الإيحاء والصورة والحدث، تاركاً مساحة واسعة…

باسم إدارة وهيئة تحرير موقع ولاتي مه، نتقدم إلى الكاتب م. محفوط رشيد بأصدق مشاعر التعزية والمواساة في رحيل زوجته المغفور لها بإذن الله صافو مجيد حسن، شقيقة المرحوم الكاتب والسياسي توفيق عبدالمجيد حسن ، بعد رحلة طويلة من المعاناة مع المرض.

لقد تلقينا هذا النبأ…

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويقدّم عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية بالتأمل،…

خليل عبدالقادر Kalil Kader

في تلك السنوات وفي تلك المدينة” الحسكة” التي كانت تعيش على ضفاف الخابور كنت أسترزق من تعبي وبعرق جبيني. وكان لي ملف محترم عند فروع المخابرات” ماركسي يتعاطف مع الكرد. حاولت أكثر من مرة أن أبدّل هذا التصنيف، لكنني فشلت. كانت الأجهزة الأمنية أكثر تمسكاً بأفكارها عن الناس من الناس أنفسهم.
كان أصدقائي…