شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.
وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات تحليلية رصينة.
ويقع الكتاب الجديد في 160 صفحة من القطع المتوسط، متميزاً بتصميم أنيق يواكب عمق الطروحات المعرفية التي يتضمنها بين دفتيه، ليعكس الاهتمام المتزايد بأدب الحوار والمكاشفة المعرفية التي تتجاوز القوالب السردية والقصصية التقليدية، سعياً لتقديم وجبة قرائية دسمة تفتح آفاقاً رحبة للنقاش والنقد والتحليل الثقافي الجاد في المشهد الأدبي الراهن.
ويقوم الكتاب في بنيته الأساسية على متن حواري يتألف من 28 سؤالاً فكرياً وفلسفياً صاغها الكاتب إدريس سالم، ووجهها إلى الروائي والأكاديمي السوري مازن عرفة، لتشكل هذه الأسئلة بمضامينها العميقة حافزاً لتقديم إجابات تشريحية ومراجعات نقدية شاملة، تتنقل بمرونة بين قضايا الفكر، وأزمات الوجود، وتحديات الإبداع والوعي في عصرنا الراهن المليء بالتحولات المتسارعة.
وتتوزع صفحات العمل على محاور متعددة تلامس في جوهرها مأزق الإنسان المعاصر، وتغوص في عوالم المغترب، والضياع، والعزلة التي تطوق الذات البشرية، ويستند في نقاشاته إلى خلفيات معرفية واسعة تجمع بين التحليل النفسي والعمق الروائي، مما يتيح للقارئ فرصة الإبحار في مفاهيم فلسفية معقدة يتم تفكيكها وتبسيطها بأسلوب أدبي رفيع وجاذب.
كما يركز الكتاب بشكل ملحوظ على طروحات علم النفس التحليلي، مستدعياً مفاهيم محورية مثل الأقنعة الاجتماعية وتأثيراتها على السلوك البشري، فضلاً عن سبر أغوار اللاوعي الجمعي.
وتسعى فصول العمل إلى تعرية الواقع الثقافي واستنطاق المسكوت عنه في النفس الإنسانية، متخذة من عوالم السريالية والرمزية أدوات للتعبير عن المعاناة والبحث المستمر عن الهوية.
ويتميز الإصدار بكونه يبني جسراً متيناً يربط بين النظرية الفلسفية الكلاسيكية والحديثة من جهة، وبين التطبيق الأدبي والسرد الروائي من جهة أخرى.
ويظهر هذا التناغم المعرفي من خلال قدرة الحوار على استثارة الأفكار واستنهاض الوعي الجمعي، مما يجعل من الكتاب وثيقة إبداعية هامة توثق لسجال فكري رفيع المستوى بين قامتين أدبيتين مشهود لهما بالرصانة والأصالة.
ويعكس (مطاردة المعنى) شغفاً حقيقياً بمطاردة المفاهيم الوجودية الكبرى، ومحاولة مستمرة لإعادة الاعتبار للحوار المعرفي كقيمة حضارية وتنويرية قادرة على تفكيك الأزمات المعقدة التي تواجه الفكر البشري.
ويشكل هذا المؤلف نموذجاً حياً للتلاقح الفكري بين ثنايا الفلسفة والاشتغال الروائي، حيث تتحول الأسئلة الثمانية والعشرون إلى بوابات مشرعة على التأمل الحر والمستقل. وينجح الكتاب في خلق فضاء تفاعلي يحث القارئ على المشاركة في عملية التفكير والتحليل، وعدم الاكتفاء بالتلقي السلبي، بل السعي الدائم لاستكشاف المعاني الكامنة وراء تفاصيل الواقع المعاش.
ويُعَد هذا التعاون بين الشاعر إدريس سالم والروائي مازن عرفة امتداداً لحوارية فكرية ممتدة، تحتفي بالعمق والجرأة في طرح الإشكاليات السيكولوجية والسياسية والثقافية. ويقدم الكتاب عبر صفحاته مراجعة نقدية تشتبك مع الواقع واليومي، مفسرة الكثير من الظواهر الاجتماعية المعاصرة التي تساهم في صياغة وعي وفكر إنسان اليوم.
وينضم كتاب (مطاردة المعنى) إلى قائمة الطروحات الجادة التي تبحث عنها المنصات الثقافية والملاحق الأدبية المعنية بمتابعة حركة الفكر في المهجر والمشرق على حد سواء. ويأتي ليعزز دور القراءة الرصينة والمطالعة الواعية في بناء مجتمعات معرفية، فتحاً لنوافذ التنوير التي تسهم في مد الجسور بين شواطئ الفكر الإنساني المتعددة وتجسير الفجوة بين الإبداع والنقد.
مقتبس من الكتاب:
«في انفصال المهجّر عن واقع المدينة الأوروبية التي يعيش فيها، فإن الطريقة الأدبية المثلى بالنسبة لي، في إطار الحيادية – العدائية التي تمثلها له، تكمن في فكرة المحاكاة، فكيف إذا تراكمت وتكاملت مع هذا كوابيس الحرب المجنونة التي يحملها، سواء في الوعي أو اللاوعي. هو مشلول بالكامل، يرتد إلى استيهاماته الخائبة، التي تتبدى كوابيساً وأمراض نفسية انفصامية، والأهم الانفصال عن الواقع. لن تهتم مثل هذه المدينة باستيهاماته المريضة، وأحلام يقظته الجمعية، والحنين إلى ماضيه وذكرياته. ستسحقه ببرودتها الاجتماعية. وتتحول بالنسبة إليه إلى كائن منفصل عن وجوده، تتنفس وتتحرك، فيما هو يعيش على الهامش. وببرودتها هذه تغدو المدينة سلسلة من الصور (المبرمجة في المحاكاة)، الفاقدة للحياة، التي لا يمكن التواصل معها إنسانياً. وفي هذه المواجهة، ستبتلعه هذه المحاكاة، ويصبح فيها صورة ضمن سلسلة هائلة من الصور. وسيبدو بالنتيجة إنه يعيش في حتمية قدرية، لا يمتلك أي حرية في مواجهتها، إلا بالعودة إلى موطنه، الذي قدم منه هارباً، وهو على الأغلب ما يرفضه».