فرهاد دريعي / ألمانيا
عزيزتي:
المسافة لم تصنع لي وطنا بديلاً، فقط كانت هي الأقدار حينما كتبتْ فصولاً لم أخترها، وألقت بي في فيافي غربةٍ أجرّ خلفي حقائب ممتلئة بالذكريات، وتاركاً قلبي حيثما أنتِ، يهيم في طرقات قامشلو نهاراً وفي الليل يندس تحت وسادتكِ.
هذه ليست قصة إقصاء أو سفر، إنما سيرة روح شُرخَت، فنصفٌ يعيش مرغماً في جغرافيا الإغتراب، ونصفٌ يرفض مغادرة ملامحكِ السمراء التي تماهت مع تراب الوطن.
في هدوء غربتي القاتلة لا صوت يكسر الصمت سوى رنين الأفكار، أجد نفسي متورطاً في حوارات لا تنتهي مع الذاكرة المرهقة، وأتمنى أن أتحكم بعقلي لأستطيع إيقافه عن التفكير بكِ ولو لبرهة قصيرة، أو أضغط مثلاً على زر فينطفئ الاشتياق إليكِ هنيهة.. أعلم لو حدث ذلك فسيكون مأساوياً،لكن مقدار ما يضنيه التفكير لا يدركه إلا المكتوون أمثالي.
لكن هذا التمني الطفولي والعميق في آن واحد، ليس هو رغبة مني في النسيان بقدر ما هو إستغاثة من وطأة الحنين وسعير الاشتياق. وإن عقلاً لا يكفّ عن استحضار تفاصيلكِ، ضحكتكِ، نبرة صوتكِ، رائحة شعركِ، إنما هو عقل يحترق ببطء،وأنا لا رغبة لي في التخلص من هذه المعاناة
الشهية،فقط أسعى لهدنة قصيرة.. غيبوبة مؤقتة، لألتقط أنفاسي، فالعيش بذاكرة متقدة في أرض باردة هو أقصى درجات التعذيب الذاتي حيث يمسي كل ركن في الغربة يذكرني بمن ليست هنا.. أنتِ،وحيث يتحول التفكير إلى سوط يجلد مستشعرات أعصابي بلا هوادة.
عزيزتي:
لقد أدركتُ اليوم أكثر من أي وقت آخر إن الغربة الحقيقية لا تقاس بالمسافات أو بفرق التوقيت، بل بمدى ابتعادنا عن ذواتنا التوأم التي تركناها خلفنا وابتعدنا عنها في غفلة حسبان.
وهو ليس فقط في المكان وإنما في الروح الولهى بادئاً، حينما تدرك هذه الروح هول ما حصل للحلم وكيف تم اغتياله.. كيف انزوى بعيداً عن موطنه، وكيف ان السفر لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل كان زوبعة ابتلعت أجمل وأرقّ ما يقر به العين ويركن اليه النفس. ذلك الحلم الفتي الذي غرسته معك، وسقيته بعذب الأمنيات، ثم تم اغتياله على مقصلة الظروف والواقع المرير.
اليوم أنظر في مرآة الوقت فأعثر على شغف جريح يملأ صدري، أجد حطام حلم اعتزلَ الحياة وانزوى بعيداً،بعد أن أدركَ أنه لم يعد يملك أرضه التي يجب أن ينمو فيها، وبعد أن رأى سقطي في جب الشتات .
تعساً لهذا الشتات ، أنظرُ فأرى القطارات تمضي والطائرات تقلع والكل يتحركون في استعجال، إلا قلبي الذي يعيش في حالة ثبات عنيد، مركوناً في خندقِ لحظة الوداع.
فأي تشتت هذا الذي يجعلني أصحو في الصباح بينما لم أنم بعد في ليلكِ؟
الآن،في هذا الطقس الخانق،هذه الأرض المتكوّرة لا تكف عن الدوران وتشعرني بالحزن.. أتذكر كيف أنها كانت تبتعد شيئاً فشيئاً وأنا أنظر إليها من نافذة الطائرة،تباً.. إنها كانت تتآمر عليّ في الخفاء وتبعدني شيئاً فشيئاً عنكِ.
في تلك اللحظة المعلقة بين السماء والأرض، من تلك النافذة الضيقة، كان يبدو المشهد سريالياً ومؤلماً، بدت الأرض كأم تسحب بساطها من تحت أقدامي، وبدأت المدن تتضاءل، والشوارع تضيق حتى أصبحت خيوطاً واهية، والبيوت تلاشت كقطع غبار.
لكنه كان وهماً بصرياً يداري الحقيقة المرة،فأنا وحدي كنت العابر المعلق في الفراغ، أنا الذي كنت أنسلخ منجرفاً نحو مجهول لا ملامح له وأتلاشى .
عزيزتي:
هنا.. في بلاد الغربة، أحاول دائماً ارتداء قناع التماسك، أبتسم في وجوه الغرباء، وأدعي للجميع أنني بخير.
طبيبان اثنان أتحاشاهما خوفاً من جلاء المستور.
ماذا لو أن أخصائي القلب وضع سماعته على صدري، وسمع ضجيج التهشم كصوت تهشم ألواح الزجاج؟.
ماذا لو وجد إن حنيناً كالصهارة يُضخ بدل الدماء، ورأى كيف لعضلة بحجم قبضة اليد أن تحمل كل هذه الشروخ.
ثم أخصائي العيون، الذي سيحرجني حينما يسلط ضوءه الكاشف على عينيّ، ليجد أن المياه الزرقاء ليست مرضاً عضوياً، بل هي نتيجة الترشح الدالف من غمامة الحزن التي تملأ فضاء الروح. ويكتشف أن خلف كل نظرة تائهة غيمة ماطرة تأبى الهطول علناً، وتفضل التسلل خفية لتغرق البصر.
وإزاء كل ما يحدث وعندما تعجز كل وسائل التواصل عن سد الثغرة،وتغلق الحدود بابها، لا يبقى لي سوى الرسم والكتابة كمحاولة يائسة لاستعادة فقدكِ.
أرسم وجهكِ للمرة الخمسين.. كمدينة لا تنطفئ ليلاً ولا تعطش نهاراً.
ليس كوجهي المنكوب بالمسافة والبعاد، وأعلم كم هو صعب أن أجمع قسماتكِ في أصابع ريشةٍ، فرغم أنها تطيعني غالباً، لكن فيما عداكِ.
أقف أمام لوحتي البيضاء، أحاول إحياء ملامحكِ من الذاكرة، هكذا دائماً أريدكِ، مدينة مضيئة، ممتلئة بالدفء والارتواء والحياة، مدينة تعوضني ظلمة المنفى والجفاف . لكنني اجد نفسي في موئل عجز أمام حضوركِ الدائم. وتعصى ريشتي التي تعودت أن تطيعني في تفاصيل البيوت والبحر والزهر والشجر والوجوه العابرة،حالما تقترب من بهاء وجهكِ، تتمرد رافعة راية العصيان،لأنها تعي ان بعض الوجوه لا ترسم إلا بالنور لا بألوان من طين.
كذلك أعلم كم هو أصعب أن أجمع مشاعري وقتما أتلوكِ في فم قلم.
فحينما أهمّ أن أكتب عنكِ، يختنق فم القلم بفيض المشاعر ويغصّ، فتجهض الكلمات باهتة، باردة، مكبلة أمام ضرام الصدر.
يعجز أن يترجم شوقاً يمتد لآلاف الأميال في حروف من حبر، وتغدو اللغة أتعس ما تكون أمام هيبة الحب والاشتياق.
ثم أنا،أبقى معلقاً في برزخ الهوية،في أرض أجدني فيها كنزيل فندق بتصنيف نجمة واحدة،لا أَنِيْ أبقى ريشةً تحاولُ، ولا أَنِيْ أبقى قلماً ينزف، وأبقى أخبىء الانكسارات معزياً نفسي بلقيا مدينة لا تشحب ولا تشيخ،عزيزتي.