صبحي دقوري
أريد أن أحدّثكم عن كتاب صغير، ولكنه ليس صغيراً إلا في حجمه، فأما معناه فواسع سعة الحضارة، عميق عمق النفس الإنسانية حين تخلو إلى نفسها، وتفرغ من ضجيج الحياة قليلاً.
ذلك هو كتاب الشاي لأوكاكورا كاكوزو.
ولست أدري أكان أوكاكورا يريد أن يكتب عن الشاي حقاً، أم كان يريد أن يتخذ الشاي ذريعة لطيفة يتسلل بها إلى الحديث عن الإنسان، وعن الجمال، وعن الحضارة، وعن هذا القلق القديم بين الشرق والغرب. وأكبر الظن أنه أراد هذا كله. فالكاتب البصير لا يقف عند ظاهر الأشياء، ولا يكتفي من الفنجان بأنه فنجان، ولا من الشراب بأنه شراب، وإنما ينفذ من الشيء الصغير إلى المعنى الكبير، ومن العادة اليومية إلى الفلسفة التي تكمن وراءها.
كتب أوكاكورا في زمن كانت اليابان فيه تودع عهداً وتستقبل عهداً. كانت تخرج من سكونها القديم إلى حركة العصر الحديث، وكانت ترى الغرب قوياً واثقاً، يملأ الأرض بضجيجه، ويقيس التقدم بمقاييسه، ويكاد يظن أن ليس في العالم حضارة إلا ما صنع، ولا رقي إلا ما عرف، ولا جمال إلا ما أقره ذوقه واطمأنت إليه عينه.
وهنا قام أوكاكورا، لا صائحاً ولا غاضباً، بل هادئاً رفيقاً، كأنما يرفع فنجاناً من الشاي لا سيفاً من الحديد. قام ليقول للغرب، وللشرق أيضاً: إن الحضارة ليست قوة وحدها، وليست علماً وحده، وليست آلات ومصانع وسفناً ومدافع فحسب. إن الحضارة قد تكون كذلك أدباً في الجلوس، ورشاقة في الحركة، واحتراماً للصمت، وذوقاً في الفراغ، وقدرة على أن يرى الإنسان في الشيء القليل معنى كثيراً.
وليس طقس الشاي عنده عادة من عادات الناس، ولا مظهراً من مظاهر الفولكلور، ولا زينة تعرض للسائحين كي يتعجبوا منها ثم يمضوا. إنه مذهب في الحياة. إنه أدب للنفس والجسد معاً. إنه تدريب على الحضور، وعلى التواضع، وعلى أن يعرف الإنسان كيف يتصل بالعالم من غير أن يملكه، وكيف يستمتع بالجمال من غير أن يفسده بكثرة الكلام عنه.
في غرفة الشاي لا ترى كثرة ولا زخرفاً. ترى شيئاً من الفراغ، وشيئاً من الضوء، وإناءً، وزهرة، وفنجاناً، وحركة محسوبة لا إسراف فيها ولا اضطراب. ولكن هذا الفراغ ليس فقراً، كما قد يظن من لم يتعلم النظر. وليس هذا الصمت خواءً، كما قد يحكم من ألف الضجيج. وليس هذا التبسيط عجزاً عن الزينة، بل هو اختيار لها في أرقى صورها.
فالفراغ، في هذا الكتاب، ليس نقصاً. إنه دعوة. إنه مكان متروك للنفس كي تتنفس، وللعين كي ترى، وللضيف كي يحضر، وللمعنى كي يتسلل في رفق. وما أكثر ما يملأ الناس بيوتهم وأيامهم وأحاديثهم حتى لا يبقى فيها موضع لشيء! يملأون المكان بالأثاث، والوقت بالأعمال، والعقل بالأخبار، والقلب بالهموم، ثم يعجبون لأنهم لا يجدون أنفسهم.
كأن أوكاكورا يقول لهم: لقد ضاقت حياتكم لا لأنها قليلة، بل لأنها مملوءة أكثر مما ينبغي.
ومن أجل هذا يصبح الشاي عنده مدرسة. ولكنه ليس مدرسة تعلمك العلم كما تعلمه الكتب، ولا تلقنك الحكمة كما تلقنها المواعظ. إنه يعلمك شيئاً أندر من العلم وأعسر من الحكمة: يعلمك الانتباه.
والانتباه، في حياة الإنسان، ليس أمراً يسيراً كما نظن. إن أكثر الناس يرون ولا يبصرون، ويسمعون ولا يصغون، ويعيشون اللحظة وهم غائبون عنها. يأكلون وهم يفكرون فيما بعد الطعام، ويتحدثون وهم يعدون جوابهم قبل أن يسمعوا السؤال، ويمرون على الجمال مرّاً سريعاً كأنما يخشون أن يمسهم فيوقظهم.
أما أوكاكورا فيدعونا إلى أن نقف. إلى أن نمسك الفنجان بكلتا اليدين. إلى أن نرى البخار وهو يعلو، وأن نعرف أن لهذه اللحظة كرامة. ليست الحياة دائماً في الحوادث الكبرى، ولا في الانتصارات المدوية، ولا في الأعمال التي تملأ الصحف. الحياة أيضاً في هذه اللحظات الهادئة التي لا يراها أحد، ولكن النفس تعرف بها أنها ما زالت حية.
ومن أعجب ما في هذا الكتاب أنه يجعل الجمال أمراً أخلاقياً. فالجمال عند أوكاكورا ليس ترفاً يتزين به الأغنياء، ولا صناعة يتلهى بها المترفون. إنه طريقة في تهذيب النفس. فمن عرف كيف يضع زهرة في موضعها، وكيف يترك للضوء حقه، وكيف يحترم إناءً قديماً مسه الزمن، كان أقرب إلى أن يحترم الناس، وأن يرفق بالأشياء، وأن يتواضع أمام الحياة.
ولذلك يتحدث عن العمارة والحدائق والخزف والخط، لا حديث الخبير بالصناعة وحدها، بل حديث من يرى في كل فن صورة من صور الروح. فالجدار ليس جداراً فقط، والحديقة ليست أشجاراً مرتبة، والإناء ليس طيناً أحرقته النار. هذه كلها إشارات إلى الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم.
والجمال، كما يفهمه أوكاكورا، لا يلتمس دائماً في اللمعان. قد يكون في الخفوت. ولا في الكمال المصقول. قد يكون في الشرخ اليسير. ولا في الجديد الذي لم تمسه يد الزمن. قد يكون في القديم الذي حفظ من الأيام أثراً، ومن الاستعمال ذكرى، ومن الصمت حكمة.
وما أصدق هذا المعنى وأشده اتصالاً بالإنسان! فنحن لا نحب الإنسان لأنه كامل، وإنما نحبه لأنه إنسان. نحبه بما فيه من ضعف، ومن تردد، ومن أثر الأيام، ومن ذلك النقص الجميل الذي يجعل القرب منه ممكناً. إن الكمال البارد قد يدهشنا، ولكنه لا يؤنسنا. أما النقص حين يصير صادقاً، فإنه يفتح بيننا وبين الأشياء باب المودة.
ثم إن في كتاب الشاي معنى آخر لا يقل خطراً عن هذا كله. فهو كتاب في لقاء الحضارات. أو قل: في سوء لقاء الحضارات.
لقد طالما نظر الغرب إلى الشرق نظرة المستعلي، كما ينظر المعلم إلى تلميذ بطيء الفهم، أو كما ينظر صاحب القوة إلى من لا يملك مثل قوته. وطالما نظر الشرق إلى الغرب نظرة الخائف أو المقلد أو الرافض. وبين هاتين النظرتين تضيع الحقيقة. لأن الإنسان حين يوقن أكثر مما ينبغي، لا يعود قادراً على أن يفهم. واليقين المغرور حجاب كثيف، قد يكون أغلظ من الجهل نفسه.
يريد أوكاكورا أن يعلمنا أن نحذر من مقاييسنا حين نحكم بها على غيرنا. فما كل بساطة فقراً، وما كل صمت عجزاً، وما كل بطء تأخراً، وما كل فراغ خلواً من المعنى. قد تكون البساطة ذوقاً، والصمت عمقاً، والبطء حكمة، والفراغ امتلاءً من نوع آخر.
وهذا هو الدرس الذي لا نزال نحتاج إليه اليوم. فما زال الإنسان يميل إلى أن يجعل نفسه مقياساً للناس، وأن يجعل عادته قانوناً، وذوقه حكماً، وحضارته نهاية التاريخ. وما زالت الأمم تسيء فهم بعضها، لا لأنها لا تسمع أخبار بعضها، بل لأنها تسمعها وفي نفسها حكم سابق، وفي عقلها صورة جاهزة.
إن أوكاكورا لا يطلب من الغرب أن يزول، ولا من الشرق أن يتجمد في ماضيه. إنه لا يدعو إلى عداوة ولا إلى انغلاق. وإنما يدعو إلى أدب أندر وأصعب: أدب التواضع. أن يعرف كل إنسان أن في العالم أكثر من طريق إلى الجمال، وأكثر من صورة للحكمة، وأكثر من لغة تقول بها الحياة معناها.
ومن هنا يبدو كتاب الشاي كتاباً قديماً وجديداً في وقت واحد. قديماً لأنه خرج من مطلع القرن العشرين، وجديداً لأنه يخاطب علل القرن الحادي والعشرين كأنه كتب لها. نحن اليوم أسرع مما كنا، وأكثر اتصالاً، وأكثر ضجيجاً، وأكثر امتلاءً بالأشياء، ولكننا لسنا بالضرورة أكثر حضوراً ولا أكثر طمأنينة.
لقد كثرت الوسائل حتى ضاع المقصد. وكثرت الصور حتى ضعفت الرؤية. وكثرت الكلمات حتى نقص الإصغاء. وصار الإنسان يحمل العالم في يده، ولكنه لا يجد مكاناً لنفسه في قلبه.
في مثل هذا الزمن يصبح فنجان الشاي درساً لا شراباً. يصبح الجلوس إليه مقاومة هادئة. مقاومة لا ترفع صوتها، ولا تزعم أنها تغير العالم دفعة واحدة، ولكنها ترد الإنسان إلى نفسه. تعلمه أن يستعيد حقه في البطء، وحقه في الصمت، وحقه في أن يعيش اللحظة لا أن يمر بها عابراً.
وليس معنى هذا أن نهرب من العصر، أو نغلق الأبواب دون الحداثة، أو نكتفي بالحنين إلى ما كان. فالحنين إذا جاوز حده صار كسلاً، والماضي إذا تحول إلى معبد أغلق الطريق إلى المستقبل. ولكن المعنى أن ندخل العصر ونحن محتفظون بشيء من روحنا. أن نستعمل الآلة من غير أن نصير آلات. أن نسرع حين يجب الإسراع، وأن نبطئ حين يكون البطء أكرم بالإنسان. أن نملأ حياتنا بما ينفع، وأن نترك فيها مع ذلك فراغاً لما لا يقاس ولا يباع.
فالحضارة، في آخر الأمر، لا تضيع لأنها تجهل كيف تبني المدن أو تصنع الآلات، وإنما تضيع حين تنسى كيف تصون الإنسان. تضيع حين يصبح كل شيء فيها نافعاً، ولا يبقى فيها شيء جميل. تضيع حين يصبح الإنسان قادراً على الوصول إلى آخر الأرض، عاجزاً عن الوصول إلى نفسه.
وهنا تظهر عظمة هذا الكتاب الصغير. فهو لا يعظ، ولا يصرخ، ولا يقيم المذاهب الثقيلة. إنه يقدم إلينا فنجاناً من الشاي، ثم يتركنا نفهم. وفي هذا الفنجان الصغير صورة للعالم كما ينبغي أن يكون: شيء من الحرارة، وشيء من المرارة، وشيء من العطر، وشيء من الصمت، وكثير من الانتباه.
فإذا تعلم الإنسان أن يضع في فنجانه احتراماً، استطاع أن يضع في حديثه احتراماً. وإذا تعلم أن يترك للغرفة فراغها، استطاع أن يترك للآخرين حقهم في الاختلاف. وإذا عرف أن الشرخ في الإناء لا يسلبه جماله، عرف أن النقص في الإنسان لا يسلبه كرامته.
ولعل هذا هو سر كتاب الشاي كله: أن الموضوع ليس الشاي، وإنما هو الإنسان. الإنسان حين يضيق بالضجيج فيطلب الهدوء. وحين يتعب من السرعة فيطلب السكينة. وحين يختنق بالامتلاء فيطلب الفراغ. وحين ينسى نفسه في زحام العالم، ثم يمد يده إلى فنجان صغير، كأنه يمدها إلى معنى من معاني الخلاص.
وما أحوجنا، في هذا الزمان، إلى مثل هذا الدرس. لا لنعيش في غرف الشاي، ولكن لنحمل شيئاً من أدبها إلى بيوتنا، وإلى شوارعنا، وإلى أحاديثنا، وإلى سياستنا، وإلى صلاتنا بالناس.
فالعالم لا يكون صالحاً للسكن بالقوة وحدها، ولا بالعلم وحده، ولا بالسرعة وحدها. إنه لا يصبح صالحاً للسكن إلا إذا دخلته الرحمة، وزانه الذوق، وحكمته الروية، وأقام فيه الإنسان مقام الحاضر لا مقام الغائب.
وهكذا ينتهي بنا أوكاكورا إلى حقيقة يسيرة، ولكنها عسيرة على النفوس المستعجلة:
أن للحظة كرامة،
وأن للصمت معنى،
وأن للفراغ امتلاءً،
وأن الحضارة قد تبدأ أحياناً من فنجان شاي.